رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب بيان كثرة طرق الخير قال الله تعالى وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم وقال تعالى وما تفعلوا من خير يعلمه الله وقال تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره وقال تعالى من عمل صالحا فلنفسه والآيات في الباب كثيرة وأما الأحاديث فكثيرة جدا وهي غير منحصرة فنذكر طرفا منها عن أبي ذر جندب ابن جنادة رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال الإيمان بالله والجهاد في سبيله قلت أي الرقاب أفضل قال أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا قلت فإن لم أفعل قال تعين صانعا أو تصنع لأخرق قلت يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل قال تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك متفق عليه الصانع وروي ضائع أي ذا ضياع من فقر أو عيال ونحو ذلك والأخرق الذي لا يتقن ما يحاول فعله الرقاب جمع رقبة الشخص المملوك إما أن يكون عتقها أو تحريرها من الرق أو الإعانة على ذلك أنفسها أي أجودها وأحسنها تكف أي تمنع من فوائد الحديث رأس الأمر الإيمان بالله وتوحيده وهو الأساس لقبول الأعمال عند الله الحض على الجهاد في سبيل الله لأنه أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله الحث على مساعدة من يحتاج إلى عون في عمل يعجز عنه الامتناع عن الشر وأذى الآخرين داخل في أعمال الإيمان وأن ذلك لا يقل ثوابا عن الصدقة والإحسان تجوز المراجعة بالسؤال وأن ذلك لا يخرجه عن حسنه استحباب صبر العالم على تلميذه ورفقه به سعي الإسلام في تحرير الأرقاء يسر الإسلام وملأمته لقدرة العبد وطاقته فلا بد للعبد في جميع أحواله أن يجد عملاً صالحاً يقوم به شمول أعمال البر والخير في الإسلام عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يصبح على كل سلامة من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة اجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى رواه مسلم السلامة المفصل من فوائد الحديث ينبغي الإكثار من الصدقات شكراً لله تعالى على العافية ودفعاً للبلاء كثرة أبواب الخير والطاعات بالمحافظة على الأذكار وذكر الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين ولا يحافظ عليها إلا أواب سعة رحمة الله بعباده إذ أن العباد لا يطيقون التصدق في كل يوم بمثل هذا فأجزاء عن ذلك ركعتان من الضحى الصدقة والإنفاق للقادر عليه أفضل من غيره لتعدي نفعه ومن جمع بينهما فقد حصل الأكمل عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن رواه مسلم الأذى كل ما يضر بالمارة من حجر أو شوك أو غيره يماط أي ينحى ويبعد النخاعة أي البزقة التي تخرج من أصل الفم مما يلي النخاعة والنخامة البزقة التي تخرج من أقصى الحلق مما يلي الصدر لا تدفن أي لا تزال بالدفن لأن أرض المسجد كانت ترابا أما مساجد المسلمين اليوم فينبغي إزالتها غسلا أو فركا والله أعلم من فوائد الحديث إطلاع الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على أعمال أمته الأعمال تنقسم إلى حسن وسيئ الأعمال الحسنة كل عمل فيه خير وإنقل والسيئة التي فيها شر وإنقل ينبغي الإكثار من أعمال الخير إذ من جملةها ما يظنه الناس لا شأن له كإماطة الأذى عن الطريق والنخاعة من المسجد الحث على فعل ما ينفع الناس ويجلب لهم مصلحة والبعد عن كل ما يضر بهم ويسبب لهم مفسدة ينبغي احترام المساجد وتنزيهها عن القاذورات كالنخاعة والنخامة والبول والمحافظة على آدى بها الحض على إزالة الأذى من طريق المسلمين فإن ذلك من شعب الإيمان عن أبي ذر رضي الله عنه أن ناسا قالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به إن بكل تسبيحة صدقه وكل تكبيرة صدقه وكل تحميدة صدقه وكل تهليلة صدقه وأمر بالمعروف صدقه ونهي عن المنكر صدقه وفي بضع أحدكم صدقه قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر رواه مسلم الدثور الأموال واحدها دثر فضول أموالهم أي أموالهم الزائدة عن حاجتهم وكفايتهم بضع أي الجماع وهو معاشرة الرجل أهله شهوة أي لذته وما تشتاق إليه نفسه في حرام أي في الزنا وزر أي إثم وعقاب ذهب أهل الدثور بالأجور أي حاز الأغنياء الثواب كله واختصوا به من فوائد الحديث تنافس المسلمين على فعل الخيرات وحرصهم على عمل الطاعات ونيل القربات حيات مفهوم العبادة في الإسلام وأنها تشمل كل عمل يقوم به المسلم بنية صالحة وقصد حسن ولو كان من الأعمال العادية الفطرية المباحة يؤجر الإنسان على ترك المعصية كما يؤجر على فعل الطاعة إذا كان بقصد الطاعة والامتثال فقراء المسلمين كانوا يغبطون أغنياءهم يسر الإسلام وسهولته فكل مسلم يجد ما يعمله ليطيع الله الأغنياء والفقراء مأمورون بفعل الطاعات وترك المنكرات حكمة المفتي والمربي في توجيه من يجد في نفسه ضيق لعدم قدرته على اللحوق بالسابقين في الخيرات عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال لي النبي صلى الله عليه وسلم لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق رواه مسلم لا تحقرن أي لا يهن قدره عندك فلا تعبأ به أو لا تستقل له طليق أي ضاحك مستبشر من فوائد الحديث لا دم الاستهانة بأي عمل ما دام من وجوه الخير استحباب إدخال السرور على المسلمين لما في ذلك من تحقيق الألفة بينهم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل سلامة من الناس عليه صدقه كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقه وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقه والكلمة الطيبة صدقه وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقه وتميط الأذى عن الطريق صدقه متفق عليه ورواه مسلم أيضا رواية عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله وعزل حجرا عن طريق الناس أو أمر بمعروف أو نها عن منكر عدد الستين والثلاثمائة فإنه يمسي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار تعدل أي تفصل بينهما وتحكم بالعدل متاعه أي ما ينتفع به من طعام ولباس ونحوهما من فوائد الحديث استحباب الإصلاح بين الناس بالعدل ومعاملتهم بالأخلاق الكريمة استحباب المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد تحديد عدد المفاصل التي يصبح المسلم وعليها صدقة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح متفق عليه النزل القوت والرزق وما يهيئ للضيف غدا هو السير أول النهار والمراد الذهاب راح السير آخر النهار والمراد الإياب من فوائد الحديث أعمال العباد كلها محصية عند الله تعالى من ذهب إلى المسجد لا يقيمه إلا الصلاة كتب له ممشاه في ذهابه وإيابه فضل المحافظة على صلاة الجماعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاه متفق عليه قال الجوهري الفرسن من البعير كالحافر من الداب قال وربما استعير في الشاه لا تحقرن أي لا تستصغرن أو تستقلا الفرسن هو عظم قليل اللحم من فوائد الحديث الحظ على الهدية والصدقة مهما كان شيئا قليلا النهي عن الشح والبخل استحباب التواصل بين المسلمين وبخاصة الجيران عدم احتقار المعروف أي كان الهدية وإن كانت قليلة في نظر صاحبها لكنها كبيرة الأجر عند الله تعالى وكبيرة النفع عند آخذها عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياة شعبة من الإيمان متفق عليه البضع من ثلاثة إلى تسعة والشعبة القطعة الحياة هو خلق يبعث على اجتناب القبائح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق أفضلها أي أعلاها وأكثرها أجرا أدناها أي أيسرها إماطة الأذى أي تنحيته وإبعاده من فوائد الحديث الإيمان مراتب بعضها فوق بعض في الأهمية الإيمان عند السلف قول وعمل الإيمان دافع وضابط للعمل الصالح فهو الذي يثمر الصالحات وهو الذي يقيد توجيهها لمرضاة الله الإيمان يتجزأ ولذلك فهو يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وينبني على هذا أن مرتكب الكبيرة لا يكفر بل ينقص إيمانه الإيمان أمر مكتسب ولذلك ينبغي على العبد أن يتعاهد إيمانه ويحسن إسلامه ويترقى في مدارج المؤمنين ليبلغ كمال الإيمان تفاوت مراتب الإيمان ليس مدعاة لإحتقار شعائر الدين لأنها كلها من عند رب العالمين الحياة خلق محمود يبعث على الإيمان بالله ومراقبته ومجاهدة النفس على الطاعة رياض الصالحين