بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يومئذ غلاما يافعا لم يجاوز الحلم وكان يسرح في شعاب مكة بعيدا عن الناس ومعه غنم يرعاها لسيد من سادات قريش هو عقبة ابن معيط كان الناس ينادونه ابن أم عبد أما اسمه فهو عبد الله وأما اسم أبيه فمسعود كان الغلام يسمع بأخبار النبي الذي ظهر في قومه فلا يأبه لها لصغر سنه من جهة ولبعده عن المجتمع المككي من جهة أخرى فقد داب على أن يخرج بغنم عقبة منذ البكور ثم لا يعود بها إلا إذا أقبل الليل وفي ذات يوم أبصر الغلام المككي عبد الله بن مسعود كهلين عليهم الوقار يتجهان نحوه من بعيد وقد أخذ الجهد منهما كلما أخذ واشتد عليهم الظمى حتى جفت منهما الشفاه والحلوق فلما وقف عليه سلما وقالا يا غلام احلب لنا من هذه الشياه ما نقفئ به ضمأنا ونبل عروقنا فقال الغلام لا أفعل فالغنم ليست لي وأنا عليها مؤتما فلم ينكر الرجلان قوله وبدا على وجههما الرضا عنه ثم قال له أحدهما دلني على شات لم ينز عليها فحل فأشار الغلام إلى شات صغيرة قريبة منه فتقدم منها الرجل واعتق لها وجعل يمسح ضرعها بيده وهو يذكر عليها اسم الله فنظر إليه الغلام في دهشة وقال في نفسه ومتى كانت الشياه الصغيرة التي لم تنز عليها الفحول تدر لبنا لكن ضرع الشات ما لبث أن انتفخ وطفق اللبن ينبثق منه ثرا غزيرة فأخذ الرجل الآخر حجرا مجوفا من الأرض وملأه باللبن وشرب منه هو وصاحبه ثم سقياني معهما وأنا لا أكاد أصدق ما أرى فلما ارتوينا قال الرجل المبارك لضرع الشاة انقبض فما زال ينقبض حتى عاد إلى ما كان عليه عند ذلك قلت للرجل المبارك علمني من هذا القول الذي قلته فقال لي إنك غلام معلم كانت هذه بداية قصة عبدالله بن مسعود مع الإسلام إذ لم يكن الرجل المبارك إلا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولم يكن صاحبه إلا الصديق رضي الله عنه فقد نفر في ذلك اليوم إلى شعاب مكة لفرط ما أرهقتهما قريش ولشدة ما أنزلت بهما من بلاء وكما أحب الغلام الرسول الكريم وصاحبة وتعلق بهما فقد أعجب الرسول وصاحبه بالغلام وأكبر أمانته وحزمه وتوسما فيه الخير لم يمضي غير قليل حتى أسلم عبدالله بن مسعود وعرض نفسه على رسول الله ليخدمه فوضعه الرسول صلوات الله وسلامه عليه في خدمته ومنذ ذلك اليوم انتقل الغلام المحظوظ عبدالله بن مسعود من رعاية الغنم إلى خدمة سيد الخلق والأمم لزم عبدالله بن مسعود رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ملازمة الضل لصاحبه فكان يرافقه في حله وترحاله ويصاحبه داخل البيت وخارجه إذ كان يوقظه إذا نام ويستره إذا اغتسل ويلبسه نعليه إذا أراد الخروج ويخلعهما من قدميه إذا هم بالدخول ويحمل له عصاه وسواكة ويلج الحجرة بين يديه إذا أوى إلى حجرته بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام أذن له بالدخول عليه متى شاء والوقوف على سره من غير تحرج ولا تأثم حتى دعي بصاحب سر رسول الله ربي عبدالله بن مسعود في بيت رسول الله فاهتدا بهديه وتخلق بشمائله وتابعه في كل خصلة من خصاله حتى قيل عنه إنه أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هديا وسمتا وتعلم ابن مسعود في مدرسة الرسول صلوات الله وسلامه عليه فكان من أقرأ الصحابة للقرآن وأفقههم لمعانيه وأعلمهم بشرع الله ولا أدل على ذلك من حكاية ذلك الرجل الذي أقبل على عمر بن الخطاب وهو واقف بعرفة فقال له جئت يا أمير المؤمنين من الكوفة وتركت بها رجلا يمل المصاحف عن ظهر قلبه فغضب عمر غضبا قل ما غضب مثله وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرحل وقال من هو ويحك قال عبد الله ابن مسعود فما زال ينطفئ ويسرى عنه حتى عاد إلى حاله ثم قال ويحك والله ما أعلم أنه بقي أحد من الناس أحق بهذا الأمر منه وسأحدثك عن ذلك واستأنف عمر كلامه فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمر ذات ليلة عند أبي بكر ويتفاوضان في أمر المسلمين وكنت معهما ثم خرج رسول الله وخرجنا معه فإذا رجل قائم يصلي بالمسجد لم نتبين فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع إليه ثم التفت إلينا وقال من سره أن يقرأ القرآن رطبا كما نزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد ثم جلس عبد الله ابن مسعود يدعو فجعل الرسول عليه الصلاة والسلام يقول له سل تعطه سل تعطه ثم أتبع عمر يقول فقلت في نفسي والله لأغدون على عبد الله ابن مسعود ولأبشرنه بتأمين الرسول صلى الله عليه وسلم على دعائه فغدوت عليه فبشرت فوجدت أبا بكر قد سبقني إليه فبشره ولا والله سابقت أبا بكر إلى خير قط إلا سبقني إليه ولقد بلغ من علم عبد الله ابن مسعود بكتاب الله أنه كان يقول والله الذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت وأعلم فيما نزلت ولو أعلم أن أحدا أعلم مني بكتاب الله تناله المطي لأتيته لم يكن عبد الله ابن مسعود مبالغا فيما قاله عن نفسه فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلقى ركبا في سفر من أسفاره الليل مخيم يحجب الركب بظلامه وكان في الركب عبد الله ابن مسعود فأمر عمر رجلا أن يناديهم من أين القوم فأجابه عبد الله من الفج العميق فقال عمر أين تريدون فقال عبد الله البيت العتيق فقال عمر إن فيهم عالما وأمر رجلا فناداهم أي القرآن أعظم فأجابه عبد الله الله لا إله إلا هو الحي القيو لا تأخذه سنة ولا نو قال ناديهم أي القرآن أحكم فقال عبد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء بالقرب وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغل يعظكم لعلكم تذكروا فقال عمر ناديهم أي القرآن أجمع فقال عبد الله ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فقال عمر ناديهم أي القرآن أخوف فقال عبد الله ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا فقال عمر ناديهم أي القرآن أرجى فقال عبد الله قل يا عبادي الذين أثرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم فقال عمر ناديهم أفيكم عبد الله بن مسعود قالوا اللهم نعم ولم يكن عبد الله بن مسعود قارئا عالما عابدا زاهدا فحسب وإنما كان مع ذلك قويا حازما مجاهدا مقداما إذا جد الجد فحسبه أنه أول مسلم على ظهر الأرض جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اجتمع يوما أصحاب رسول الله في مكة وكانوا قلة مستضعفين فقالوا والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط فمن رجل يسمعهم إياه فقال عبد الله بن مسعود أنا أسمعهم إياه فقالوا إنا نخشاهم عليك إنما نريد رجلا له عشيرة تحميه وتمنعه منهم إذا أرادوه بشر فقال دعوني فإن الله سيمنعني ويحميني ثم غدا إلى المسجد حتى أتى مقام إبراهيم في الضحى وقريش جلوس حول الكعبة فوقف عند المقام وقرأ بسم الله الرحمن الرحيم رافعا بها صوته الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان ومضى يقرأها فتأملته قريش وقالت ماذا قال ابن أم عبد تبل له إنه يتلو بعض ما جاء به محمد وقاموا إليه وجعلوا يضربون وجهه وهو يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ ثم انصرف إلى أصحابه والدم يسيل منه فقالوا له هذا الذي خشينا عليك فقال والله ما كان أعداء الله أهون في عيني منهم الآن وإن شئتم لأو غادينهم بمثلها غدا قالوا لا حسبك لقد أسمعتهم ما يكرهون عاش عبد الله بن مسعود إلى زمن خلافة عثمان رضي الله عنه فلما مرض الموت جاءه عثمان عائدا فقال له ما تشتكي قال ذنوبي قال فما تشتهي قال رحمة ربي قال ألآمر لك بعطائك الذي امتنعت عن أخذه منذ سنين قال لا حاجة لي به قال يكون لبناتك من بعدك قال أتخشى على بناتي الفقر إني أمرتهن أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من قرأ الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا ولما أقبل الليل لحق عبد الله بن مسعود بالرفيق الأعلى ولسانه رطب بذكر الله ندي بآياته البينات من سره أن يقرأ القرآن رطبا كما نزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد محمد رسول الله