بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ مَعَالِمُ فِي طَرِيقِ الثَّبَاتِ الْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ وَالْعُقُودِ ومن وسائل الثَّبَات الْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ وَالْعُقُودِ ففي صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه هذه فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فالتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر والله سبحانه وتعالى يضل الناقضين للعهود مع الله ومع الخلق كما قال تعالى إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون قال السعدي في تفسيره يقول تعالى إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما أي مثل كان بعضة فما فوقها لاجتمال الأمثال على الحكمة وإضاح الحق والله لا يستحي من الحق وكأن في هذا جواباً لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة واعترض على الله في ذلك فليس في ذلك محل اعتراض بل هو من تعليم الله لعباده ورحمته بهم فيجب أن تتلقى بالقبول والشكر ولهذا قال فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم فيتفهمونها ويتفكرون فيها فإن علموا ما اجتملت عليه على وجه التفصيل ازداد بذلك علمهم وإيمانهم وإلا علموا أنها حق وما اجتملت عليه حق وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثاً بل لحكمة بالغة ونعمة سابغة وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً فيعترضون ويتحيرون فيزدادون كفراً إلى كفرهم كما ازداد المؤمنون إيماناً على إيمانهم ولهذا قال يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً فهذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية قال تعالى وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة وضلالة وزيادة شر إلى شرهم ولقوم منحة ورحمة وزيادة خير إلى خيرهم فسبحان من فاوت بين عباده وانفرد بهداية والإضلال ثم ذكر حكمته في إضلال من يضلهم وأن ذلك عدل منه تعالى فقال وما يضل به إلا الفاسقين أي الخارجين عن طاعة الله المعاندين لرسل الله الذين صار الفسق وصفهم فلا يبغون به بدلا فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى كما اقتضت حكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة والفسق نوعان نوع مخرج من الدين وهو الفسق المقتضي للخروج من الإيمان كالمذكور في هذه الآية ونحوها ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ثم وصف الفاسقين فقال الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه وهذا يعم العهد الذي بينهم وبينه والذي بينهم وبين عباده الذي أكده عليهم بالمواثيق الثقيلة والإلزامات فلا يبالون بتلك المواثيق بل ينقضونها ويتركون أوامره ويرتكبون نواهية وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة فإن الله أمرنا أن نصل ما بيننا وبينه بالإيمان به والقيام بعبوديته وما بيننا وبين رسوله بالإيمان به ومحبته وتعزيره والقيام بحقوقه وما بيننا وبين الوالدين والأقارب والأصحاب وسائر الخلق بالقيام بتلك الحقوق التي أمر الله أن نصلها فأما المؤمنون فوصلوا ما أمر الله به أن يوصل من هذه الحقوق وقاموا بها أتم القيام وأما الفاسقون فقطعوها ونبذوها وراء ظهورهم معتاضين عنها بالفسق والقطيعة والعمل بالمعاصي وهو الإفساد في الأرض فأولئك أي من هذه صفته هم الخاصرون في الدنيا والآخرة فحصر الخسارة فيهم لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم ليس لهم نوع من الربح لأن كل عمل صالح شرطه الإيمان فمن لا إيمان له لا عمل له وهذا الخسار هو خسار الكفر وأما الخسار الذي قد يكون كفرا وقد يكون معصية وقد يكون تفريطا في ترك مستحب المذكور في قوله تعالى إن الإنسان لفي خسر فهذا عام لكل مخلوق إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر وحقيقة فوات الخير الذي كان العبد بصدد تحصيله وهو تحت إمكانه ولما نقض السابقون من أهل الكتاب عهودهم مع الله عاقبهم الله بأشد العقوبات الدنيوية كما قال تعالى فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلمة عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تبطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعفوا عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ومن الذين قالوا إنا نصارا أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبرضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون وقال والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ونقض العهود من صفات المنافقين الذين لما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا أت من خان وأذا حدث كذب وأذا عاهد غدر وأذا خاصم فجر وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الغادر يرفع له لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان بن فلان