بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالاً جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عطاء بن أبي رباح رحمه الله ها نحن أولاء في العشر الأخير من شهر ذي الحجة سنة سبع وتسعين للهجرة وهذا البيت العتيق يموج بالوافدين على الله من كل فج مشاتاً وركبانا وشيوخاً وشبانا ورجالاً ونساءا فيهم الأسود والأبيض والعربي والعجمي والسيد والمسود لقد قدموا جميعاً على ملك الناس مخبتين ملبين راجين مؤملين وهذا سليمان بن عبد الملك خليفة المسلمين وأعظم ملوك الأرض يطوف بالبيت العتيق حاسر الرأس حافي القدمين ليس عليه إلا إزار وردا شأنه في ذلك كشأن بقية رعاياه من إخوته في الله وكان من خلفه ولدا وهما غلامان كطلعة البدر بهاء ورواء وكأكمام الورد نظارة وطيبة وما إن انتهى من طوافه حتى مال على رجل من خاصته وقال أين صاحبكم؟ فقال إنه هناك قائم يصلي وأشار إلى الناحية الغربية من المسجد الحرام فاتجه الخليفة ومن ورائه ولداه إلى حيث أشير إليه وهما رجال الحاشية بأن يتبع الخليفة ليفسحوا له الطريق ويدفعوا عنه أذى الزحام فثناهم عن ذلك وقال هذا مقام يستوي فيه الملوك والسوق ولا يفضل فيه أحد أحدا إلا بالقبول والتقوى ورب أشعث أغبر قدم على الله فتقبله بما لم يتقبل به الملوك ثم مضى نحو الرجل فوجده ما يزال داخلا في صلاته غارقا في ركوعه وسجوده الناس جلوس وراءه وعن يمينه وعن شماله فجلس حيث انتهى به المجلس وأجلس معه ولديه وطفق الفتيان القرشيان يتأملان ذلك الرجل الذي قصده أمير المؤمنين وجلس مع عامة الناس ينتظر فراغه من صلاته فإذا هو شيخ حبشي أسود البشرة مفلفل الشعر أفطس الأنف إذا جلس بداك الغراب الأسود ولم انتهى الرجل من صلاته مال بشقه على الجهة التي فيها الخليفة فحياه سليمان بن عبد الملك فرد التحية بمثلها وهنا أقبل عليه الخليفة وجعل يسأله عن مناسك الحج منسكا منسكا وهو يفيض بالإجابة عن كل مسأله ويفصل القول فيها تفصيلا لا يدع سبيلا لمستزيد ويسند كل قول يقوله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم انتهى الخليفة من مساءلته جزاه خيرا وقال لولديه قوما فقاما ومضى الثلاثة نحو المسعى وفيما هم في طريقهم إلى السعي بين الصفا والمروة سمع الفتيان المنادين ينادون يا معشر المسلمين لا يفت الناس في هذا المقام إلا عطاء ابن أبي رباح فإن لم يوجد فعبد الله ابن أبي نجيح فالتفت أحد الغلامين إلى أبيه وقال كيف يأمر عامل أمير المؤمنين الناس بأن لا يستفتوا أحدا غير عطاء ابن أبي رباح وصاحبه ثم جئنا نحن نستفتي هذا الرجل الذي لم يأبه للخليفة ولم يوفه حقه من التعظيم فقال سليمان لولده هذا الذي رأيته يا بني ورأيت ذلنا بين يديه هو عطاء ابن أبي رباح صاحب الفتيا في المسجد الحرام ووارث عبد الله ابن عباس في هذا المنصب الكبير ثم أرد فيقول يا بني تعلم العلم فبالعلم يشرف الوضيع وينبه الخامل ويعل الأرقاء على مراتب الملوك لم يكن سليمان ابن عبد الملك مبالغا فيما قاله لابنه في شأن العلم فقد كان عطاء ابن أبي رباح في صغاره عبدا مملوكا لمرأة من أهل مكة غير أن الله جل وعز أكرم الغلام الحبشي بأن وضع قدميه منذ نعومة أظفاره في طريق العلم فقسم وقته أقساما ثلاثة قسم جعله لسيدته يخدمها فيه أحسن ما تكون الخدمة ويؤدي لها حقوقها عليه أكمل ما تؤدى الحقوق وقسم جعله لربه يفرغ فيه لعبادته أصفا ما تكون العبادة وأخلصها لله عز وجل وقسم جعله لطلب العلم حيث أقبل على من بقي حيا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطفق ينهل من مناهله مثرات الصافية فأخذ عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وغيرهم من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم حتى امتلأ صدره علما وفقها ورواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما رأت السيدة المكية أن غلامها قد باع نفسه لله ووقف حياته على طلب العلم تخلت عن حقها فيه وأعتقت رقبته تقربا لله عز وجل لعل الله ينفع به الإسلام والمسلمين ومنذ ذلك اليوم اتخذ عطاء بن أبي رباحن البيت الحرام مقاما له فجعله داره التي يأوي إليها ومدرسته التي يتعلم فيها ومصله الذي يتقرب فيه إلى الله بالتقوى والطاعة حتى قال المؤرخون كان المسجد في راش عطاء بن أبي رباح نحو من عشرين عاما وقد بلغت تابعي الجليل عطاء بن أبي رباحن منزلة في العلم فاقد كل تقدير وسمى إلى مرتبة لم ينلها إلا نفر قليل من معاصريه فقد روي أن عبدالله بن عمر رضي الله عنه وعن أبيه أما مكة معتمرا فأقبل الناس عليه يسألونه ويستفتونه فقال إني لأعجب لكم يا أهل مكة أتجمعون لي المسائل لتسألوني عنها وفيكم عطاء بن أبي رباحن وقد وصل عطاء بن أبي رباحن إلى ما وصل إليه من درجة في الدين والعلم بخصلتين اثنتين أولاهما أنه أحكم سلطانه على نفسه فلم يدع لها سبيلا لترتع فيما لا ينفع وثانيتهما أنه أحكم سلطانه على وقته فلم يهدره في فضول الكلام والعمل حدث محمد بن سوقة جماعة من زواره قال ألا أسمعكم حديثا لعله ينفعكم كما نفعني قالوا بلى قال نصحني عطاء بن أبي رباحن ذات يوم فقال يا ابن أخي إن الذين من قبلنا كانوا يكرهون فضول الكلام فقلت وما فضول الكلام عندهم فقال كانوا يعدون كل كلام فضولا ما عدا كتاب الله عز وجل أن يقرأ ويفهم وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يروى ويدرى أو أمرا بمعروف ونهيا عن منكر أو علما يتقرب به إلى الله تعالى أو أن تتكلم بحاجتك ومعيشتك التي لا بد لك منها ثم حدق إلى وجهي وقال أتنكرون إن عليكم لحافظين كراما كاتبين وأن مع كل منكم ملكين عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ثم قال أما يستحي أحدنا لو نشرت عليه صحيفته التي أملها صدر نهاره فوجد أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا أمر دنياه ولقد نفع الله عز وجل بعلم عطاء بن أبي رباح طوائف كثيرة من الناس منهم أهل العلم المتخصصون ومنهم أرباب الصناعات المحترفون ومنهم غير ذلك حدث الإمام أبو حنيفة نعمان عن نفسه قال أخطأت في خمسة أبواب من المناسك بمكة فعلمنيها حجام وذلك أني أردت أن أحلق لأخرج من الإحرام فأتيت حلاقا وقلت بكم تحلق لي رأسي فقال هداك الله النسك لا يشارط فيه اجلس وأعطي ما يتيسر لك فخجلت وجلست غير أني جلست منحرفا عن القبلة فأومأ إلي بأن أستقبل القبلة ففعلت وازددت خجلا على خجلي ثم أعطيته رأسي من الجانب الأيسر ليحلقه فقال أدر شقك الأيمن فأدرته وجعل يحلق رأسي وأنا ساكت أنظر إليه وأعجب منه فقال لي ما لي أراك ساكتا كبر فجعلت أكبر حتى قمت لأذهب فقال أين تريد فقلت أريد أن أمضي إلى رحلي فقال صل ركعتين ثم أمضي إلى حيث تشاء فصليت ركعتين وقلت في نفسي ما ينبغي أن يقع مثل هذا من حجام إلا إذا كان ذا علم فقلت له من أين لك ما أمرتني به من المناسك فقال لله أنت لقد رأيت عطاء بن أبي رباح يفعله فآخذته عنه ووجهت إليه الناس ولقد أقبلت الدنيا على عطاء بن أبي رباح فأعرض عنها أشد الإعراض وأباها أعظم الإباء وعاش عمره كله يلبس قميصا لا يزيد ثمنه على خمسة دراهم ولقد دعاه الخلفاء إلى مصاحبتهم فلم يجب دعوتهم لخشيته على دينه من دنياهم لكنه مع ذلك كان يفد عليهم إذا وجد في ذلك فائدة للمسلمين أو خيرا للإسلام من ذلك ما حدث به عثمان بن عطاء الخراساني قال انطلقت مع أبي نريده شام بن عبد الملك فلما غدونا قريبا من دمشق إذا نحن بشيخ على حمار أسود عليه قميص صفيق وجبة بالية وقلنسوة لازقة برأسه وركاباه من خشب فضحكت منه وقلت لأبي من هذا فقال اسكت هذا سيد فقهاء الحجاز عطاء بن أبي رباح فلما قرب منا نزل أبي عن بغلته ونزله وعن حماره فاعتنقا وتساءلا ثم عادا فركبا وانطلقا حتى وقفا على باب قصره شام بن عبد الملك فما إن استقر بهما الجلوس حتى أذن لهما فلما خرج أبي قلت له حدثني بما كان منكما فقال لما علمه شام أن عطاء ابن أبي رباح بالباب بادر فأذن له ووالله ما دخلت إلا بسببه فلما رآهه شام قال مرحبا مرحبا هاهنا هاهنا ولا زال يقول له هاهنا هاهنا حتى أجلسه معه على سريره ومس بركبته ركبته وكان في المجلس أشراف الناس وكانوا يتحدثون فسكتوا ثم أقبل عليه شام وقال ما حاجتك يا أبا محمد قال يا أمير المؤمنين أهل الحرمين أهل الله وجيران رسوله صلى الله عليه وسلم تقسم عليهم أرزاقهم وأعطياتهم فقال نعم يا غلام أكتب لأهل مكة والمدينة بعطاياهم وأرزاقهم لسنة ثم قال هل من حاجة غيرها يا أبا محمد فقال نعم يا أمير المؤمنين أهل الحجاز وأهل نجد أصل العرب وقادة الإسلام ترد فيهم فضول صدقاتهم فقال نعم يا غلام أكتب بأن ترد فيهم فضول صدقاتهم هل من حاجة غير ذلك يا أبا محمد قال نعم يا أمير المؤمنين أهل الثغور يقفون في وجوه عدوكم ويقتلون مرام المسلمين بشر تجري عليهم أرزاقا تدرها عليهم فإنهم إنهلكوا ضاعة الثغور فقال نعم يا غلام أكتب بحمل أرزاقهم إليهم هل من حاجة غيرها يا أبا محمد قال نعم يا أمير المؤمنين أهل ذمتكم لا يكلفون ما لا يطيقون فإنما تجبونه منهم معونة لكم على عدوكم فقال يا غلام أكتب لأهل الذمة بأن لا يكلفوا ما لا يطيقون هل من حاجة غيرها يا أبا محمد قال نعم اتق الله في نفسك يا أمير المؤمنين واعلم أنك خلقت وحدك وتموت وحدك وتحشر وحدك وتحاسب وحدك ولا والله ما معك ممن ترى أحد فأكبه شام ينكت في الأرض وهو يبكي فقام عطا فقمت معه فلما صرنا عند الباب إذا رجل قد تبعه بكيس لا أجري ما فيه وقال له إن أمير المؤمنين بعث لك بهذا فقال هيهات وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين فوالله إنه دخل على الخليفة وخرج من عنده ولم يشرب قطرة ماء وبعد فقد عمر عطاء بن أبي رباح حتى بلغ مائة عام ملأها بالعلم والعمل وأترعها بالبر والتقوى وزكاها بالزهادة بما في أيدي الناس والرغبة بما عند الله فلما أتاه اليقين وجده خفيف الحمل من أثقال الدنيا كثير الزاد من عمل الآخرة ومعه فوق ذلك سبعون حجة وقف خلالها سبعين مرة على عرفات وهو يسأل الله تعالى رضاه والجنة ويستعيذ به من سخطه والنار ما رأيت أحدا يريد بالعلم وجه الله عز وجل غير هؤلاء الثلاثة عطاء وطاووس ومجاعد سلمة بن كهيل هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالرعالهم وزهت بهم دو الأنا