بسم الله الرحمن الرحيم بأقلام الشوق ومداد الحب نُسطِّر حُظوفا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الشمائل المحمدية باب ما جاء في صفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعر الشأن في الشعر كالشأن في سائر الكلام لأن الشعر كلام موزون مقثا فما كان منه حسنا في ألفاظه ومعانيه فهو حسن وطيب يجوز إن شاده والاستماع إليه وما كان منه بخلاف ذلك فهو سيء لا يجوز إن شاده ولا الاستماع إليه وقد روى البخاري رحمه الله في الأدب المفرد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشعر بمنزلات الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام وقد روى ابن ماجة وغيره عن أبي بن كعبر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن من الشعر لحكمة أي إن بعض الشعر حكمة وبعضه ليس كذلك قيل لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر قالت كان يتمثل بشعر ابن رواحة ويتمثل بقوله ويأتيك بالأخبار من لم تزودي في هذا الحديث قلت لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سؤلت هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر أي هل كان ينشد شيء من الشعر قالت كان يتمثل بشعر ابن رواحة أي أنه صلى الله عليه وسلم كان أحيانا ينشد الشعر الصحابي الجليل عبد الله ابن رواحة رضي الله عنه وقولها مثل قوله ويأتيك بالأخبار من لم تزودي أي أنه أحيانا يتمثل بقول غيره مثل قوله ويأتيك بالأخبار من لم تزودي وهو شطر من بيت لطرفة ابن العبد في معلقته المشهورة التي يقول فيها ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزودي ومعنى هذا البيت كما تقول عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استبطى انتظار الخبر تمثل فيه ببيت طرفة ويأتيك بالأخبار من لم تزودي أي ستظهر لك الأيام ما كنت غافلا عنه وينقل إليك الأخبار من لم تعطيه الزاد وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد ألا كل شيء ما خل الله باطل وكاد أميت ابن أبي الصلتي أن يسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم أصدق كلمة قالها شاعر والمقصود بالكلمة أي الجملة التامة المفيدة وهي هنا شطر بيت قاله لبيد ألا كل شيء ما خل الله باطل وتمامه وكل نعيم لا محالة زائل ولبيد هو لبيد بن ربيعة العامري كان شاعرا من فحول الشعراء وفد على النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه فأسلم وحسن إسلامه وتوقف عن قول الشعر وقال قد أبدلني الله بالشعر سورة البقرة وقوله ألا كل شيء ما خل الله باطل المراد بالباطل أي الفان المضمحل وإنما كان أصدق كلام الشعراء لأنه موافق لقوله تعالى كل من عليها فان وقوله وكاد أميت ابن أبي الصلتي أن يسلم أي قارب أميت ابن أبي الصلتي أن يدخل في الإسلام لأنه كان في شعره ينطق بالحق وقد كان متعبدا في الجاهلية ويتديا ويؤمن بالبعث لكنه أدرك الإسلام ولم يسلم وعن جند بن سفيان البجلي رضي الله عنه قال أصاب حجر إصبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدميت فقال هل أنت إلا أصبع دميتي وفي سبيل الله ما لقيت في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات مرة في بعث فأصابه حجر في إصبعه فدميت أي أن أصبعه جرحت فظهر منها الدم والمراد بالإصبع هنا إصبع الرجل فخاطبها صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستعارة أو الحقيقة تسلية لها أي تثبتي فإنك مبتليتي بشيء من الهلاك والقطع سوى أنك دميتي والذي لقيته حاصل في سبيل الله فلا تبالي بل افرحي فإن المحنة قليلة والمنحة جزيلة وفي هذا دليل على أن للمسلم ثوابا في كل ما يصيبه إن احتسبه وقد قال بعض أهل العلم إن هذا البيت أنشده النبي صلى الله عليه وسلم من شعر ابن رواحة رضي الله عنه وعن البراء ابن عازب رضي الله عنهما قال قال له رجل أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا عمارة فقال لا والله ما ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن ولا سرعان الناس تلقتهم هوازن بالنبل ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته وأبو سفيان ابن الحارث ابن عبد المطلب آخذ بلجامها ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب سأل رجل أبا عمارة وهو البراء ابن عازب رضي الله عنهما قال أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصد يوم حنين فأجابه قائلا لا والله ما ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ولكن ولا سرعان الناس أي أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة وذلك عندما تلقتهم هوازن بالنبل أي بالسهام وهوازن قبيلة كبيرة من العرب وهم أهل الطائف كانوا من أحسن الناس رميا وأعظمهم عناية به وقوله ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بلجامها أبو سفيان هذا هو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة أسلم قبل فتح مكة وحسن إسلامه وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين فأخذ بلجام بغلة النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا تتقدم نحو الأعداء ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب هذا موضع الشاهد من الحديث أي أنا نبي مرسل من رب العالمين صدقا وقد وعد الله سبحانه وتعالى أنبياءه بالنصر المبين وقوله أنا ابن عبد المطلب ونسب نفسه إلى جده دون أبيه عبد الله فكأنه لشهرة عبد المطلب بين الناس لما رزق من نباهة الذكر وطول العمر بخلاف أبيه عبد الله فإنه مات شابا ولهذا كان كثير من العرب يدعونه يبن عبد المطلب وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله فقال له عمر يبن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله تقول الشعر فقال صلى الله عليه وسلم خلي عنه يا عمر فلهي أسرع فيهم من نضح النبل دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء وهي العمرة المتفق عليها في بنود صلح الحديبية وكان شاعر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة رضي الله عنه يمشي بين يديه وهو يقول خلوا بني الكفار عن سبيله أي تنحوا يا أيها الكفار عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم وقول اليوم نضربكم على تنزيله أي اليوم نقاتلكم على حكم تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله الهام جمع هامة وهي الناصية أعلى الرأس والمقيل هو الموضع والمعنى اليوم نضربكم ضربا يزيل الرأس عن موضعه ومكانه وقوله ويذهل الخليل عن خليله أي ينسي ذلك الضرب الخليل عن خليله فاعترض عمر رضي الله عنه على بن رواحة قائلا بين يدي رسول الله وفي حرم الله تقول الشعر كأنه استعظم قول الشعر في هذا الموطن فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خلي عنه يا عمر فلهي أسرع فيهم من نضح النبل أي دعه يمضي في شعره فإنه يؤثر فيهم تأثيرا أسرع من تأثير النبل ويستفاد من الحديث أن الشعر سلاح قوي إذا أحسن الاستخدام وهو من الجهاد باللسان وقد قال صلى الله عليه وسلم جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال جالست النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة وكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت وربما تبسّما معهم في هذا الحديث يذكر جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه جلس مع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة ومراده بذكر هذا العدد من المرات الكثيرة من مجالسته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤكد للسامع الأمر الذي سيذكره وقوله وكان أصحابه يتناشدون الشعر أي بين يديه صلى الله عليه وسلم فيذكر بعضهم لبعض شيئا من الشعر الذي يحفظه وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية أي على سبيل المذمة أو بطريق الحكاية لما فيها من الفائدة وغيره ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس معهم وهو ساكت وربما تبسم وسكوته صلى الله عليه وسلم وتبسمه يفيد الإقرار لفعلهم لأنه لا يسكت على باطل وعن عمر بن شريدي عن أبيه قال كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم فأنشدته مائة قافية من قول أمية ابن أبي الصلت الثقفي كلما أنشدته بيتا قال لي النبي صلى الله عليه وسلم هي حتى أنشدته مئة يعني بيتا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن كاد ليسلم في هذا الحديث يذكر الشريد ابن سويدي الثقفي رضي الله عنه أنه كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم على دابته وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم فكثيرا ما كان يردف بعض أصحابه معه على دابته وقد جمع أبو زكريا يحيى بن منده أسماء من أردفهم النبي صلى الله عليه وسلم فبلغ عددهم نحو أربعين شخصا يقول فأنشدته مائة قافية أي من الشعر من قول أمية ابن أبي الصلت الثقفي وهو شاعر جاهلي وكان من شعره ما هو تمجيد لله تعالى وثناء عليه سبحانه وذكر للبعث ونحو ذلك يقول الشريد كلما أنشدته بيتا قال لي النبي صلى الله عليه وسلم هي أي زد حتى أنشدته مئة بيت وهو عدد ليس بالقليل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن كاد ليسلم فقد بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وكاد أن يسلم لكنه مات على الكفر فالأمر لله من قبل ومن بعد وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان بن ثابت منبرا في المسجد يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول إن الله تعالى يؤيد حسان بروح القدس ما ينافح أو يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع منبر لحسان بن ثابت رضي الله عنه في المسجد يقوم عليه ليقول الشعر وحسان رضي الله عنه شاعر النبي صلى الله عليه وسلم من فحول الشعراء فكان يقوم في المسجد على ذلك المنبر يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينافح عنه وهذا شك من الراوي ومعنى يفاخر أي يذكر مفاخر النبي صلى الله عليه وسلم ومناقبه ومكانته العليا والمنافحة هي المدافعة والذبع عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهذا من الجهاد باللسان وقولها ويقول صلى الله عليه وسلم إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما ينافح أو يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أي إن الله يؤيد حسان بروح القدس مادام مشتغلا بتأييد دين الله وتقوية رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت اهجوا المشركين فإن روح القدس معك وفي لفظ وجبريل معك فبان بذلك أن المراد بروح القدس جبريل عليه السلام فكان جبريل عليه السلام يؤيد حسان رضي الله عنه في شعره في نصرة دين الله تعالى والذبع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين