1 00:00:00,000 --> 00:00:03,000 بسم الله الرحمن الرحيم 2 00:00:15,580 --> 00:00:17,579 يسر جمعية مودة 3 00:00:17,579 --> 00:00:21,579 أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة 4 00:00:21,579 --> 00:00:25,579 لعد الرحمن رأفة الباشا 5 00:00:25,579 --> 00:00:30,460 رحمه الله 6 00:00:30,460 --> 00:00:35,289 عمر بن العاص رضي الله عنه 7 00:00:51,140 --> 00:00:54,140 اللهم أمرتنا فعصينا 8 00:00:54,140 --> 00:00:57,140 ونهيتنا فمنتهينا 9 00:00:57,140 --> 00:01:01,140 ولا يسعنا إلا عفوك يا أرحم الراحمين 10 00:01:01,140 --> 00:01:04,500 بهذا الدعاء الضارع الراجي 11 00:01:04,500 --> 00:01:07,500 ودعى عمر بن العاص الحياة 12 00:01:07,500 --> 00:01:10,140 واستقبل الموت 13 00:01:10,140 --> 00:01:14,359 وقصة حياة عمر بن العاص غنية حافلة 14 00:01:14,359 --> 00:01:19,359 كسب خلالها للإسلام قطرين كبيرين من أقطار المعمورة 15 00:01:19,359 --> 00:01:22,420 هما فلسطين ومصر 16 00:01:22,420 --> 00:01:26,420 وترك للمسلمين سيرة ضخمة ملأة الدنيا 17 00:01:26,420 --> 00:01:29,420 وشغلت الناس دهرا طويلا 18 00:01:29,420 --> 00:01:32,709 تبدأ هذه القصة قبل الهجرة 19 00:01:32,709 --> 00:01:35,709 بنحو نصف قرن من الزمان 20 00:01:35,709 --> 00:01:37,709 حيث ورد عمر 21 00:01:37,709 --> 00:01:41,709 وتنتهي في سنة 43 بعد الهجرة 22 00:01:41,709 --> 00:01:43,939 حيث وافاه اليقين 23 00:01:43,939 --> 00:01:47,939 أما أبوه فهو العاص بن وائل 24 00:01:47,939 --> 00:01:50,939 أحد حكام العرب في الجاهلية 25 00:01:50,939 --> 00:01:53,939 وسيد من ساداتهم المرموقين 26 00:01:53,939 --> 00:01:58,939 وواحد من الذين يرتفع نسبهم إلى الذؤابة من قريش 27 00:01:58,939 --> 00:02:01,939 وأما أمه فلم تكن كذلك 28 00:02:01,939 --> 00:02:04,939 وإنما كانت أمة سبية 29 00:02:04,939 --> 00:02:07,939 لذا كان حساده يلاحقونه بذكرها 30 00:02:07,939 --> 00:02:10,939 وهو جالس على كرسي الإمارة 31 00:02:10,939 --> 00:02:13,939 أو مرتق فوق منابر الخطابة 32 00:02:13,939 --> 00:02:17,969 حتى أن أحدهم قد أغرى رجلا على أن يقوم إليه 33 00:02:17,969 --> 00:02:19,969 وهو مرتق على المنبر 34 00:02:19,969 --> 00:02:21,969 وأن يسأله عن أمه 35 00:02:21,969 --> 00:02:26,969 وذلك لقاء مبلغ جزل من المال أغدقه عليه 36 00:02:26,969 --> 00:02:29,030 فقام الرجل وقال 37 00:02:29,030 --> 00:02:31,030 من أم الأمير 38 00:02:31,030 --> 00:02:33,030 فضغط عمر على نفسه 39 00:02:33,030 --> 00:02:36,030 وتذرع بحلمه ثم قال 40 00:02:36,030 --> 00:02:39,030 هي النابغة بنت عبد الله 41 00:02:39,030 --> 00:02:42,030 أصابتها رماح العرب في الجاهلية 42 00:02:42,030 --> 00:02:44,030 فبيعت بسوق عكاب 43 00:02:44,030 --> 00:02:47,030 فاشتراها عبد الله بن جدعان 44 00:02:47,030 --> 00:02:50,030 ثم وهبها للعاصب بن وائل 45 00:02:50,030 --> 00:02:52,030 يعني أباه 46 00:02:52,030 --> 00:02:54,030 فولدت له فأنجبت 47 00:02:54,030 --> 00:02:57,030 فإن كان بعض من مزق الحسد قلبه 48 00:02:57,030 --> 00:02:59,030 قد جعل لك شيئا من المال 49 00:02:59,030 --> 00:03:01,030 فخذ 50 00:03:01,030 --> 00:03:04,379 وحين أخذ المعذبون من المسلمين 51 00:03:04,379 --> 00:03:06,379 يهاجرون إلى الحبشة 52 00:03:06,379 --> 00:03:09,379 للتخلص من بطش قريش ونكالها 53 00:03:09,379 --> 00:03:11,379 ويستقرون في رحابها 54 00:03:11,379 --> 00:03:13,379 فرارا من بني قومهم 55 00:03:13,379 --> 00:03:16,379 عزمت قريش على استعادتهم إلى مكة 56 00:03:16,379 --> 00:03:19,379 وأذاقتهم ألوانا من العذاب 57 00:03:19,379 --> 00:03:21,379 وقد اختارت عمر بن العاصل 58 00:03:21,379 --> 00:03:23,379 القيام بهذه المهمة 59 00:03:23,379 --> 00:03:26,379 لما كان بينه وبين النجاشي 60 00:03:26,379 --> 00:03:28,379 من أواصل ود قديم 61 00:03:28,379 --> 00:03:31,379 وزودته بما كان يؤثره النجاشي 62 00:03:31,379 --> 00:03:33,379 وبطارقته من الهدايا 63 00:03:33,379 --> 00:03:36,379 فلما وفد على النجاشي 64 00:03:36,379 --> 00:03:38,379 حياه وبياه 65 00:03:38,379 --> 00:03:39,379 وقال له 66 00:03:39,379 --> 00:03:41,379 إن نفرا من قومنا 67 00:03:41,379 --> 00:03:44,379 قد كفروا بدين آبائهم وأجدادهم 68 00:03:44,379 --> 00:03:47,379 واستحدثوا لأنفسهم دينا جديدا 69 00:03:47,379 --> 00:03:49,379 وقد أرسلتني قريش 70 00:03:49,379 --> 00:03:52,379 لاستئذانك باستعادتهم إلى قومهم 71 00:03:52,379 --> 00:03:54,379 ليردوهم إلى دينهم 72 00:03:54,379 --> 00:03:57,379 ويعيدوهم إلى ملتهم 73 00:03:57,379 --> 00:04:00,449 فاستدعى النجاشي نفرا من الصحابة 74 00:04:00,449 --> 00:04:03,449 سألهم عن دينهم الذي يدينون 75 00:04:03,449 --> 00:04:06,449 وإلههم الذي به يؤمنون 76 00:04:06,449 --> 00:04:09,449 ونبيهم الذي جاءهم بهذا الدين 77 00:04:09,449 --> 00:04:12,449 فسمع من كلامهم ما ملأ قلبه 78 00:04:12,449 --> 00:04:14,449 يقينا وطمئنانا 79 00:04:14,449 --> 00:04:17,449 ووعى من عقيدتهم ما أفعم فؤاده 80 00:04:17,449 --> 00:04:20,449 تعلقا بهم وإيمانا بدينهم 81 00:04:20,449 --> 00:04:23,449 فأبى أن يسلمهم إلى عمر بن العاص 82 00:04:23,449 --> 00:04:24,449 أشد الإباء 83 00:04:24,449 --> 00:04:25,449 وأشد الإباء 84 00:04:25,449 --> 00:04:29,480 وأعاد له ما أتحفه به من الهدايا 85 00:04:29,480 --> 00:04:33,480 ولما عزم عمر بن العاص على الرحيل إلى مكة 86 00:04:33,480 --> 00:04:35,480 قال له النجاشي 87 00:04:35,480 --> 00:04:38,480 كيف يعزب عنك أمر محمد يا عمر 88 00:04:38,480 --> 00:04:42,480 على ما أعرفه من رجاحة عقلك وبعد نظرك 89 00:04:42,480 --> 00:04:46,480 فوالله إنه لرسول الله إليكم خاصة 90 00:04:46,480 --> 00:04:48,480 وإلى الناس كافة 91 00:04:48,480 --> 00:04:50,480 فقال له عمر 92 00:04:50,480 --> 00:04:53,480 أأنت تقول ذلك أيها الملك 93 00:04:53,480 --> 00:04:55,480 فقال النجاشي 94 00:04:55,480 --> 00:04:56,480 إي والله 95 00:04:56,480 --> 00:04:58,480 فأطعني يا عمر 96 00:04:58,480 --> 00:05:02,480 وأمن بمحمد وما جاءكم به من الحق 97 00:05:02,829 --> 00:05:05,829 ودعى عمر بن العاص الحبشة 98 00:05:05,829 --> 00:05:08,829 ومضى على وجهه إلى يدري ما يفعل 99 00:05:08,829 --> 00:05:13,829 فقد أخذت كلمات النجاشي تهز فؤاده هزا 100 00:05:13,829 --> 00:05:17,829 وظل حديثه عن محمد وما جاء به من الحق 101 00:05:17,829 --> 00:05:20,829 يدفعه إلى لقائه دفعا 102 00:05:20,829 --> 00:05:23,829 لكنه لم يكتب له ذلك 103 00:05:23,829 --> 00:05:26,829 إلا في السنة الثامنة من الهجرة 104 00:05:26,829 --> 00:05:29,829 حيث شرح الله صدره للدين الجديد 105 00:05:29,829 --> 00:05:33,829 فمضى يحث الخطى نحو المدينة المنورة 106 00:05:33,829 --> 00:05:37,829 للقاء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم 107 00:05:37,829 --> 00:05:40,829 وإعلان إسلامه بين يديه 108 00:05:40,829 --> 00:05:42,829 وفيما هو في بعض طريقه 109 00:05:42,829 --> 00:05:44,829 التقى بخالد بن الوليد 110 00:05:44,829 --> 00:05:46,829 وعثمان بن طلحة 111 00:05:46,829 --> 00:05:49,829 وهما يمضيان إلى حيث يمضي 112 00:05:49,829 --> 00:05:51,829 ويقصدان ما يقصد 113 00:05:51,829 --> 00:05:54,829 فانضم إليهما ومضامعهما 114 00:05:54,829 --> 00:05:59,829 فلما قدموا على النبي صلوات الله وسلامه عليه 115 00:05:59,829 --> 00:06:02,829 بايعه كل من خالد بن الوليد 116 00:06:02,829 --> 00:06:04,829 وعثمان بن طلحة 117 00:06:04,829 --> 00:06:09,829 ثم بسط الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يده لعمر 118 00:06:09,829 --> 00:06:13,829 فقبض عمر يده عن النبي صلى الله عليه وسلم 119 00:06:13,829 --> 00:06:16,829 فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام 120 00:06:16,829 --> 00:06:18,829 ما لك يا عمر 121 00:06:18,829 --> 00:06:23,829 فقال أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي 122 00:06:23,829 --> 00:06:26,829 فقال النبي عليه الصلاة والسلام 123 00:06:26,829 --> 00:06:30,829 إن الإسلام والهجرة يجبان ما قبلهما 124 00:06:30,829 --> 00:06:33,829 فبايعه عند ذلك 125 00:06:33,829 --> 00:06:38,829 لكن هذه الحادثة تركت أثرها في نفس عمر بن العاص 126 00:06:38,829 --> 00:06:44,829 فكان يقول والله ما ملأت عيني من الرسول عليه الصلاة والسلام 127 00:06:44,829 --> 00:06:47,829 ولا تمليت من النظر إلى وجه 128 00:06:47,829 --> 00:06:49,829 حتى لحق بربه 129 00:06:49,829 --> 00:06:53,860 وقد نظر الرسول إلى عمر بن العاص بنور النبوة 130 00:06:53,860 --> 00:06:57,860 وعرف ما يتمتع به من طاقات فذة 131 00:06:57,860 --> 00:07:01,860 فأمره على جيش المسلمين في غزوة ذات السلاسل 132 00:07:01,860 --> 00:07:06,860 على الرغم من من كان في الجيش من المهاجرين والأنصار 133 00:07:06,860 --> 00:07:09,860 وأصحاب السابقة إلى الإسلام 134 00:07:09,860 --> 00:07:13,959 ولم استأثر الله بنبيه صلى الله عليه وسلم 135 00:07:13,959 --> 00:07:17,959 وآلة الخلافة إلى الصديق رضوان الله عليه 136 00:07:17,959 --> 00:07:21,959 أبلى عمر بن العاص في حروب الردة أعظم البلاء 137 00:07:21,959 --> 00:07:27,959 وبادر الفتنة بحزم يذكر بحزم الصديق رضي الله عنهما 138 00:07:27,959 --> 00:07:30,959 فقد نزل عمر بن العاص ببني عامر 139 00:07:30,959 --> 00:07:33,959 فإذا بزعيمهم قرت ابن هبيره 140 00:07:33,959 --> 00:07:36,959 يهم بالردة ويقول له 141 00:07:36,959 --> 00:07:43,959 يا عمر إن العرب لا تطيب لهم نفسا بهذه الإتاوة التي فرضتمها على الناس 142 00:07:43,959 --> 00:07:45,959 يعني بها الزكاة 143 00:07:45,959 --> 00:07:49,959 فإن أعفيتمها من ذلك سمعت لكم وأطاعت 144 00:07:49,959 --> 00:07:53,959 وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم بعد اليوم 145 00:07:53,959 --> 00:07:57,990 فصاح عمر بزعيم بني عامر وقال 146 00:07:57,990 --> 00:08:00,990 ويحك أكفرت يا قرة 147 00:08:00,990 --> 00:08:03,990 وهل تخوفنا بردة العرب 148 00:08:03,990 --> 00:08:07,990 فوالله لأوطأن عليك الخيل في خباء أمك 149 00:08:07,990 --> 00:08:11,540 ولما لب الصديق نداء ربه 150 00:08:11,540 --> 00:08:14,540 وأسلم الزمام إلى يد الفاروق 151 00:08:14,540 --> 00:08:17,540 خير يد تلقى إليها الأزمة 152 00:08:17,540 --> 00:08:21,540 استعان الفاروق بقدرات عمر بن العاص وخبراته 153 00:08:21,540 --> 00:08:25,540 ووضعها في خدمة الإسلام والمسلمين 154 00:08:25,540 --> 00:08:28,540 ففتح الله على يديه سواحل فلسطين 155 00:08:28,540 --> 00:08:30,540 بلدا بعد بلد 156 00:08:30,540 --> 00:08:33,539 وهزم جيوش الروم جيشا بعد جيش 157 00:08:33,539 --> 00:08:36,539 ثم اتجه إلى حصار بيت المقدس 158 00:08:36,539 --> 00:08:40,539 وقد شدد عمر الحصار على أول القبلتين 159 00:08:40,539 --> 00:08:43,539 وثالث الحرمين الشريفين 160 00:08:43,539 --> 00:08:46,539 حتى زرع اليأس في نفس أرطبون 161 00:08:46,539 --> 00:08:48,539 قائد جيش الروم 162 00:08:48,539 --> 00:08:51,539 وحمله على التخلي عن المدينة المقدسة 163 00:08:51,539 --> 00:08:54,539 واللواذ بالفرار 164 00:08:54,539 --> 00:08:57,539 فاستسلمت القدس للمسلمين 165 00:08:57,539 --> 00:09:00,600 عند ذلك رغب بطريقها 166 00:09:00,600 --> 00:09:03,600 لأن يتم التسليم بحضور الخليفة نفسه 167 00:09:03,600 --> 00:09:07,600 فكتب عمر بن العاص للفاروق رضوان الله عليه 168 00:09:07,600 --> 00:09:10,600 يستدعيه لاستلام بيت المقدس 169 00:09:10,600 --> 00:09:14,600 فحضر ووقع وثيقة الاستلام 170 00:09:14,600 --> 00:09:19,600 وآلت القدس إلى المسلمين في السنة الخامسة عشرة للهجرة 171 00:09:19,600 --> 00:09:22,600 على يدي عمر بن العاص رضي الله عنه 172 00:09:22,600 --> 00:09:27,600 وكان الفاروق إذا ذكر أمامه حصار بيت المقدس 173 00:09:27,600 --> 00:09:31,600 ثم أبدأ فيه عمر بن العاص من براعة يقول 174 00:09:31,600 --> 00:09:35,600 لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب 175 00:09:35,600 --> 00:09:40,600 ثم توج عمر بن العاص انتصاراته الكبرى بفتح مصر 176 00:09:40,600 --> 00:09:44,600 وضم هذه الدرة الثمينة إلى عقد الإسلام 177 00:09:44,600 --> 00:09:48,600 وبذلك فتح أمام جيوش المسلمين أبواب إفريقية 178 00:09:48,600 --> 00:09:50,600 وبلاد المغرب 179 00:09:50,600 --> 00:09:53,600 ثم إسبانيا بعد ذلك 180 00:09:53,600 --> 00:09:57,600 ثم لهم هذا كله في نحو نصف قرن من الزمان 181 00:09:57,600 --> 00:10:02,820 وليست هذه هي كل مزايا عمر بن العاص رضي الله عنه 182 00:10:02,820 --> 00:10:06,820 وإنما كان عمر أحد دهات العرب المعدودين 183 00:10:06,820 --> 00:10:11,820 وواحدا من عباقرتهم الأفذاذ النادرين 184 00:10:11,820 --> 00:10:14,820 ولعل من أطرف صور دهائه وذكائه 185 00:10:14,820 --> 00:10:17,820 ما سلكه في فتح مصر 186 00:10:17,820 --> 00:10:22,820 فقد ظل يغري الفاروق رضوان الله عليه بفتحها حتى أذن له 187 00:10:22,820 --> 00:10:26,820 وعقد له على أربعة آلاف من جند المسلمين 188 00:10:26,820 --> 00:10:30,820 فمضى عمر بجنده لا يلوي على شيء 189 00:10:30,820 --> 00:10:34,820 لكنه لم يمضي على رحيله إلا قليل 190 00:10:34,820 --> 00:10:38,820 حتى دخل عثمان بن عفان على عمر وقال له 191 00:10:38,820 --> 00:10:40,820 يا أمير المؤمنين 192 00:10:40,820 --> 00:10:43,820 إن عمر لمقدام جريء 193 00:10:43,820 --> 00:10:45,820 وإن فيه حبا للإمارة 194 00:10:45,820 --> 00:10:50,820 فأخشى أن يكون قد خرج إلى مصر في غير عدة ولا عدد 195 00:10:50,820 --> 00:10:53,820 فيعرض المسلمين للهلكة 196 00:10:53,820 --> 00:10:57,820 فندم الفاروق على إذنه لعمر بفتح مصر 197 00:10:57,820 --> 00:11:02,820 وبعث خلفه رسولا يحمل إليه كتابا منه بهذا الشأن 198 00:11:02,820 --> 00:11:07,919 أدرك الرسول جيش المسلمين في رفح من أرض فلسطين 199 00:11:07,919 --> 00:11:11,919 فلما علم عمر بقدوم الرسول من عند الفاروق 200 00:11:11,919 --> 00:11:14,919 وأنه يحمل إليه كتابا منه 201 00:11:14,919 --> 00:11:17,919 توجس خيفة من الكتاب الذي معه 202 00:11:17,919 --> 00:11:21,919 فما زار يتشاغل عن استقباله ويغذ السير 203 00:11:21,919 --> 00:11:25,919 حتى بلغ قرية من عريش مصر 204 00:11:25,919 --> 00:11:30,919 عند ذلك استقبله وأخذ الكتاب الذي جاء به وفضه 205 00:11:30,919 --> 00:11:31,919 فإذا فيه 206 00:11:31,919 --> 00:11:35,919 إن أدركك كتابي هذا قبل أن تدخل أرض مصر 207 00:11:35,919 --> 00:11:37,919 فرجع إلى موضعك 208 00:11:37,919 --> 00:11:41,919 وإن كنت دخلت أرضها فامضي لوجهك 209 00:11:41,919 --> 00:11:45,919 فدعى بالمسلمين وقرأ عليهم كتاب الفاروق 210 00:11:45,919 --> 00:11:49,919 وقال ألستم تعلمون أننا في أرض مصر 211 00:11:49,919 --> 00:11:51,919 فقالوا بلى 212 00:11:51,919 --> 00:11:55,919 فقال فلنمضي على بركة الله وتوفيقه 213 00:11:55,919 --> 00:11:59,919 وكان أن فتح الله على يديه مصر 214 00:11:59,919 --> 00:12:03,950 ومن طرائف ذكائه ودهائه أيضا 215 00:12:03,950 --> 00:12:07,950 أنه حين كان يحاصر أحد حصون مصر الممنعة 216 00:12:07,950 --> 00:12:11,950 بعث بطريق الرومي يطلب من قائد جيش المسلمين 217 00:12:11,950 --> 00:12:14,950 أن يبعث إليه برجل من عنده 218 00:12:14,950 --> 00:12:16,950 ليناظره ويفاوضه 219 00:12:16,950 --> 00:12:20,950 فندب بعض المسلمين أنفسهم لذلك 220 00:12:20,950 --> 00:12:22,950 لكن عمرا قال 221 00:12:22,950 --> 00:12:25,950 إني سأكون رسول قومي إليه 222 00:12:25,950 --> 00:12:27,950 ثم مضى إلى البطريق 223 00:12:27,950 --> 00:12:32,950 ودخل عليه الحصن على أنه مرسل من لد قائد المسلمين 224 00:12:32,950 --> 00:12:36,950 التقى بطريق الرومي بعمر وهو لا يعرفه 225 00:12:36,950 --> 00:12:40,950 ودار بينهما حوار نمعا عبقرية عمر 226 00:12:40,950 --> 00:12:42,950 وحنكته وذكائه 227 00:12:42,950 --> 00:12:45,950 فعزم بطريق الرومي على الغدر به 228 00:12:45,950 --> 00:12:48,950 وزوده بعطية سنية 229 00:12:48,950 --> 00:12:53,950 وأمر حراس الحصن بأن يقتلوه قبل مغادرته الخندق 230 00:12:53,950 --> 00:12:57,950 لكن عمرا رأى في عيون الحراس ما آثار ريبته 231 00:12:57,950 --> 00:13:00,950 فعاد أدراجه وقال للبطريق 232 00:13:00,950 --> 00:13:04,950 إن الهبة التي وهبتنيها أيها السيد 233 00:13:04,950 --> 00:13:07,950 لا تكفي أبناء عمي جميعا 234 00:13:07,950 --> 00:13:11,950 فهل لا أذنت لي بأن آتيك بعشرة منهم 235 00:13:11,950 --> 00:13:14,950 لينالوا من كريم عطائك ما نلت 236 00:13:14,950 --> 00:13:16,980 فسر البطريق بذلك 237 00:13:16,980 --> 00:13:21,980 ومنى نفسه بقتل عشرة منهم بدلا من واحد 238 00:13:21,980 --> 00:13:25,980 فآشار إلى حراس الحصن بأن يخلو سبيله 239 00:13:25,980 --> 00:13:28,980 وكتبت لعمر بن العاص النجاه 240 00:13:28,980 --> 00:13:34,139 ولما فتحت مصر وتم استسلامها للمسلمين 241 00:13:34,139 --> 00:13:37,139 التقى بطريق الرومي بعمر بن العاص 242 00:13:37,139 --> 00:13:39,139 فقال له في دهشة 243 00:13:39,139 --> 00:13:41,139 أهذا أنت؟ 244 00:13:41,139 --> 00:13:44,139 فقال نعم على ما كان من غدرك 245 00:13:44,139 --> 00:13:47,370 وكان عمر بن العاص إلى ذلك 246 00:13:47,370 --> 00:13:49,370 من أحسن الناس بيانا 247 00:13:49,370 --> 00:13:51,370 وأفصحهم لسانا 248 00:13:51,370 --> 00:13:54,370 حتى إن الفاروق رضوان الله عليه 249 00:13:54,370 --> 00:13:59,370 كان يرى في فصاحته آية على قدرة الله سبحانه 250 00:13:59,370 --> 00:14:02,370 فكان إذا رأى رجلا يتلجلج 251 00:14:02,370 --> 00:14:04,370 قال آمنت بالله 252 00:14:04,370 --> 00:14:08,370 إن خالق هذا وخالق عمر بن العاص واحد 253 00:14:09,370 --> 00:14:12,399 ومن بليغ كلام عمر بن العاص قوله 254 00:14:12,399 --> 00:14:14,399 الرجال ثلاثة 255 00:14:14,399 --> 00:14:19,399 رجل تام ونصف رجل ولا شيء 256 00:14:19,399 --> 00:14:21,429 أما الرجل التام 257 00:14:21,429 --> 00:14:24,429 فهو الذي كمل دينه وعقله 258 00:14:24,429 --> 00:14:26,429 فإذا أراد أن يقضي أمرا 259 00:14:26,429 --> 00:14:28,429 استشار أهل الرأي 260 00:14:28,429 --> 00:14:30,429 فلا يزال موفقا 261 00:14:30,429 --> 00:14:32,460 وأما نصف الرجل 262 00:14:32,460 --> 00:14:36,460 فهو الذي يكمل الله له دينه وعقله 263 00:14:36,460 --> 00:14:38,460 فإذا أراد أن يقضي أمرا 264 00:14:38,460 --> 00:14:40,460 لم يستشر فيه أحدا 265 00:14:40,460 --> 00:14:45,460 وقال أي الناس أتبعه وأترك رأيي لرأيه 266 00:14:45,460 --> 00:14:47,460 فيصيب ويخطئ 267 00:14:47,460 --> 00:14:49,460 وأما الذي لا شيء 268 00:14:49,460 --> 00:14:52,460 فهو من لا دين له ولا عقل 269 00:14:52,460 --> 00:14:55,460 فلا يزال مخطئا مدبرا 270 00:14:55,460 --> 00:14:59,460 والله إني لأستشير في الأمر حتى خدمي 271 00:14:59,460 --> 00:15:02,720 ولما مرض عمر بن العاص مرضى الموت 272 00:15:02,720 --> 00:15:05,720 وأحس بدنو بالأجل 273 00:15:05,720 --> 00:15:07,720 غلبته العبر 274 00:15:07,720 --> 00:15:09,720 وقال لابنه 275 00:15:09,720 --> 00:15:13,720 كنت على ثلاث حالات عرفت نفسي فيها 276 00:15:13,720 --> 00:15:16,850 كنت أول شيء كافرا 277 00:15:16,850 --> 00:15:18,850 فلومت حينئذ 278 00:15:18,850 --> 00:15:20,850 لوجبت لي النار 279 00:15:21,039 --> 00:15:24,039 فلما بايعت الرسول عليه الصلاة والسلام 280 00:15:24,039 --> 00:15:27,039 كنت أشد الناس حياء منه 281 00:15:27,039 --> 00:15:31,039 حتى إني ما ملأت عيني منه قط 282 00:15:31,039 --> 00:15:33,039 فلومت حينئذ 283 00:15:33,039 --> 00:15:35,039 لقال الناس 284 00:15:35,039 --> 00:15:37,039 هنيئا لعمر 285 00:15:37,039 --> 00:15:40,039 أسلم على خير ومات على خير 286 00:15:40,039 --> 00:15:43,039 ثم تلبست بعد ذلك بأشياء 287 00:15:43,039 --> 00:15:46,039 فلا أدري أعلي أم لي 288 00:15:46,039 --> 00:15:50,039 ثم أدار وجهه إلى الجدار وهو يقول 289 00:15:50,039 --> 00:15:53,039 اللهم أمرتنا فعصينا 290 00:15:53,039 --> 00:15:56,039 ونهيتنا فمنتهينا 291 00:15:56,039 --> 00:16:01,039 ولا يسعنا إلا عفوك يا أرحم الراحمين 292 00:16:01,039 --> 00:16:05,259 ثم مضع يده في موضع الغل من عنقه 293 00:16:05,259 --> 00:16:08,259 ورفع طرفه إلى السماء وقال 294 00:16:08,259 --> 00:16:11,259 اللهم لا قوي فأنتصر 295 00:16:11,259 --> 00:16:14,259 ولا بريء فأعتذر 296 00:16:14,259 --> 00:16:16,259 وما أنا بمستكبر 297 00:16:16,259 --> 00:16:19,259 وإنما مستغفر 298 00:16:19,259 --> 00:16:22,259 فاغفر لي يا غفار 299 00:16:22,259 --> 00:16:26,360 ولم يزل يرددها حتى فاضت روحه 300 00:16:33,470 --> 00:16:36,950 وقد قال الرسول الأعظم 301 00:16:36,950 --> 00:16:39,950 صلى الله عليه وسلم عنه 302 00:16:39,950 --> 00:16:42,950 أسلم الناس 303 00:16:42,950 --> 00:16:46,690 وآمن عمر بن العاص