بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عمر بن العاص رضي الله عنه اللهم أمرتنا فعصينا ونهيتنا فمنتهينا ولا يسعنا إلا عفوك يا أرحم الراحمين بهذا الدعاء الضارع الراجي ودعى عمر بن العاص الحياة واستقبل الموت وقصة حياة عمر بن العاص غنية حافلة كسب خلالها للإسلام قطرين كبيرين من أقطار المعمورة هما فلسطين ومصر وترك للمسلمين سيرة ضخمة ملأة الدنيا وشغلت الناس دهرا طويلا تبدأ هذه القصة قبل الهجرة بنحو نصف قرن من الزمان حيث ورد عمر وتنتهي في سنة 43 بعد الهجرة حيث وافاه اليقين أما أبوه فهو العاص بن وائل أحد حكام العرب في الجاهلية وسيد من ساداتهم المرموقين وواحد من الذين يرتفع نسبهم إلى الذؤابة من قريش وأما أمه فلم تكن كذلك وإنما كانت أمة سبية لذا كان حساده يلاحقونه بذكرها وهو جالس على كرسي الإمارة أو مرتق فوق منابر الخطابة حتى أن أحدهم قد أغرى رجلا على أن يقوم إليه وهو مرتق على المنبر وأن يسأله عن أمه وذلك لقاء مبلغ جزل من المال أغدقه عليه فقام الرجل وقال من أم الأمير فضغط عمر على نفسه وتذرع بحلمه ثم قال هي النابغة بنت عبد الله أصابتها رماح العرب في الجاهلية فبيعت بسوق عكاب فاشتراها عبد الله بن جدعان ثم وهبها للعاصب بن وائل يعني أباه فولدت له فأنجبت فإن كان بعض من مزق الحسد قلبه قد جعل لك شيئا من المال فخذ وحين أخذ المعذبون من المسلمين يهاجرون إلى الحبشة للتخلص من بطش قريش ونكالها ويستقرون في رحابها فرارا من بني قومهم عزمت قريش على استعادتهم إلى مكة وأذاقتهم ألوانا من العذاب وقد اختارت عمر بن العاصل القيام بهذه المهمة لما كان بينه وبين النجاشي من أواصل ود قديم وزودته بما كان يؤثره النجاشي وبطارقته من الهدايا فلما وفد على النجاشي حياه وبياه وقال له إن نفرا من قومنا قد كفروا بدين آبائهم وأجدادهم واستحدثوا لأنفسهم دينا جديدا وقد أرسلتني قريش لاستئذانك باستعادتهم إلى قومهم ليردوهم إلى دينهم ويعيدوهم إلى ملتهم فاستدعى النجاشي نفرا من الصحابة سألهم عن دينهم الذي يدينون وإلههم الذي به يؤمنون ونبيهم الذي جاءهم بهذا الدين فسمع من كلامهم ما ملأ قلبه يقينا وطمئنانا ووعى من عقيدتهم ما أفعم فؤاده تعلقا بهم وإيمانا بدينهم فأبى أن يسلمهم إلى عمر بن العاص أشد الإباء وأشد الإباء وأعاد له ما أتحفه به من الهدايا ولما عزم عمر بن العاص على الرحيل إلى مكة قال له النجاشي كيف يعزب عنك أمر محمد يا عمر على ما أعرفه من رجاحة عقلك وبعد نظرك فوالله إنه لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة فقال له عمر أأنت تقول ذلك أيها الملك فقال النجاشي إي والله فأطعني يا عمر وأمن بمحمد وما جاءكم به من الحق ودعى عمر بن العاص الحبشة ومضى على وجهه إلى يدري ما يفعل فقد أخذت كلمات النجاشي تهز فؤاده هزا وظل حديثه عن محمد وما جاء به من الحق يدفعه إلى لقائه دفعا لكنه لم يكتب له ذلك إلا في السنة الثامنة من الهجرة حيث شرح الله صدره للدين الجديد فمضى يحث الخطى نحو المدينة المنورة للقاء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وإعلان إسلامه بين يديه وفيما هو في بعض طريقه التقى بخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة وهما يمضيان إلى حيث يمضي ويقصدان ما يقصد فانضم إليهما ومضامعهما فلما قدموا على النبي صلوات الله وسلامه عليه بايعه كل من خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة ثم بسط الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يده لعمر فقبض عمر يده عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام ما لك يا عمر فقال أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي فقال النبي عليه الصلاة والسلام إن الإسلام والهجرة يجبان ما قبلهما فبايعه عند ذلك لكن هذه الحادثة تركت أثرها في نفس عمر بن العاص فكان يقول والله ما ملأت عيني من الرسول عليه الصلاة والسلام ولا تمليت من النظر إلى وجه حتى لحق بربه وقد نظر الرسول إلى عمر بن العاص بنور النبوة وعرف ما يتمتع به من طاقات فذة فأمره على جيش المسلمين في غزوة ذات السلاسل على الرغم من من كان في الجيش من المهاجرين والأنصار وأصحاب السابقة إلى الإسلام ولم استأثر الله بنبيه صلى الله عليه وسلم وآلة الخلافة إلى الصديق رضوان الله عليه أبلى عمر بن العاص في حروب الردة أعظم البلاء وبادر الفتنة بحزم يذكر بحزم الصديق رضي الله عنهما فقد نزل عمر بن العاص ببني عامر فإذا بزعيمهم قرت ابن هبيره يهم بالردة ويقول له يا عمر إن العرب لا تطيب لهم نفسا بهذه الإتاوة التي فرضتمها على الناس يعني بها الزكاة فإن أعفيتمها من ذلك سمعت لكم وأطاعت وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم بعد اليوم فصاح عمر بزعيم بني عامر وقال ويحك أكفرت يا قرة وهل تخوفنا بردة العرب فوالله لأوطأن عليك الخيل في خباء أمك ولما لب الصديق نداء ربه وأسلم الزمام إلى يد الفاروق خير يد تلقى إليها الأزمة استعان الفاروق بقدرات عمر بن العاص وخبراته ووضعها في خدمة الإسلام والمسلمين ففتح الله على يديه سواحل فلسطين بلدا بعد بلد وهزم جيوش الروم جيشا بعد جيش ثم اتجه إلى حصار بيت المقدس وقد شدد عمر الحصار على أول القبلتين وثالث الحرمين الشريفين حتى زرع اليأس في نفس أرطبون قائد جيش الروم وحمله على التخلي عن المدينة المقدسة واللواذ بالفرار فاستسلمت القدس للمسلمين عند ذلك رغب بطريقها لأن يتم التسليم بحضور الخليفة نفسه فكتب عمر بن العاص للفاروق رضوان الله عليه يستدعيه لاستلام بيت المقدس فحضر ووقع وثيقة الاستلام وآلت القدس إلى المسلمين في السنة الخامسة عشرة للهجرة على يدي عمر بن العاص رضي الله عنه وكان الفاروق إذا ذكر أمامه حصار بيت المقدس ثم أبدأ فيه عمر بن العاص من براعة يقول لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب ثم توج عمر بن العاص انتصاراته الكبرى بفتح مصر وضم هذه الدرة الثمينة إلى عقد الإسلام وبذلك فتح أمام جيوش المسلمين أبواب إفريقية وبلاد المغرب ثم إسبانيا بعد ذلك ثم لهم هذا كله في نحو نصف قرن من الزمان وليست هذه هي كل مزايا عمر بن العاص رضي الله عنه وإنما كان عمر أحد دهات العرب المعدودين وواحدا من عباقرتهم الأفذاذ النادرين ولعل من أطرف صور دهائه وذكائه ما سلكه في فتح مصر فقد ظل يغري الفاروق رضوان الله عليه بفتحها حتى أذن له وعقد له على أربعة آلاف من جند المسلمين فمضى عمر بجنده لا يلوي على شيء لكنه لم يمضي على رحيله إلا قليل حتى دخل عثمان بن عفان على عمر وقال له يا أمير المؤمنين إن عمر لمقدام جريء وإن فيه حبا للإمارة فأخشى أن يكون قد خرج إلى مصر في غير عدة ولا عدد فيعرض المسلمين للهلكة فندم الفاروق على إذنه لعمر بفتح مصر وبعث خلفه رسولا يحمل إليه كتابا منه بهذا الشأن أدرك الرسول جيش المسلمين في رفح من أرض فلسطين فلما علم عمر بقدوم الرسول من عند الفاروق وأنه يحمل إليه كتابا منه توجس خيفة من الكتاب الذي معه فما زار يتشاغل عن استقباله ويغذ السير حتى بلغ قرية من عريش مصر عند ذلك استقبله وأخذ الكتاب الذي جاء به وفضه فإذا فيه إن أدركك كتابي هذا قبل أن تدخل أرض مصر فرجع إلى موضعك وإن كنت دخلت أرضها فامضي لوجهك فدعى بالمسلمين وقرأ عليهم كتاب الفاروق وقال ألستم تعلمون أننا في أرض مصر فقالوا بلى فقال فلنمضي على بركة الله وتوفيقه وكان أن فتح الله على يديه مصر ومن طرائف ذكائه ودهائه أيضا أنه حين كان يحاصر أحد حصون مصر الممنعة بعث بطريق الرومي يطلب من قائد جيش المسلمين أن يبعث إليه برجل من عنده ليناظره ويفاوضه فندب بعض المسلمين أنفسهم لذلك لكن عمرا قال إني سأكون رسول قومي إليه ثم مضى إلى البطريق ودخل عليه الحصن على أنه مرسل من لد قائد المسلمين التقى بطريق الرومي بعمر وهو لا يعرفه ودار بينهما حوار نمعا عبقرية عمر وحنكته وذكائه فعزم بطريق الرومي على الغدر به وزوده بعطية سنية وأمر حراس الحصن بأن يقتلوه قبل مغادرته الخندق لكن عمرا رأى في عيون الحراس ما آثار ريبته فعاد أدراجه وقال للبطريق إن الهبة التي وهبتنيها أيها السيد لا تكفي أبناء عمي جميعا فهل لا أذنت لي بأن آتيك بعشرة منهم لينالوا من كريم عطائك ما نلت فسر البطريق بذلك ومنى نفسه بقتل عشرة منهم بدلا من واحد فآشار إلى حراس الحصن بأن يخلو سبيله وكتبت لعمر بن العاص النجاه ولما فتحت مصر وتم استسلامها للمسلمين التقى بطريق الرومي بعمر بن العاص فقال له في دهشة أهذا أنت؟ فقال نعم على ما كان من غدرك وكان عمر بن العاص إلى ذلك من أحسن الناس بيانا وأفصحهم لسانا حتى إن الفاروق رضوان الله عليه كان يرى في فصاحته آية على قدرة الله سبحانه فكان إذا رأى رجلا يتلجلج قال آمنت بالله إن خالق هذا وخالق عمر بن العاص واحد ومن بليغ كلام عمر بن العاص قوله الرجال ثلاثة رجل تام ونصف رجل ولا شيء أما الرجل التام فهو الذي كمل دينه وعقله فإذا أراد أن يقضي أمرا استشار أهل الرأي فلا يزال موفقا وأما نصف الرجل فهو الذي يكمل الله له دينه وعقله فإذا أراد أن يقضي أمرا لم يستشر فيه أحدا وقال أي الناس أتبعه وأترك رأيي لرأيه فيصيب ويخطئ وأما الذي لا شيء فهو من لا دين له ولا عقل فلا يزال مخطئا مدبرا والله إني لأستشير في الأمر حتى خدمي ولما مرض عمر بن العاص مرضى الموت وأحس بدنو بالأجل غلبته العبر وقال لابنه كنت على ثلاث حالات عرفت نفسي فيها كنت أول شيء كافرا فلومت حينئذ لوجبت لي النار فلما بايعت الرسول عليه الصلاة والسلام كنت أشد الناس حياء منه حتى إني ما ملأت عيني منه قط فلومت حينئذ لقال الناس هنيئا لعمر أسلم على خير ومات على خير ثم تلبست بعد ذلك بأشياء فلا أدري أعلي أم لي ثم أدار وجهه إلى الجدار وهو يقول اللهم أمرتنا فعصينا ونهيتنا فمنتهينا ولا يسعنا إلا عفوك يا أرحم الراحمين ثم مضع يده في موضع الغل من عنقه ورفع طرفه إلى السماء وقال اللهم لا قوي فأنتصر ولا بريء فأعتذر وما أنا بمستكبر وإنما مستغفر فاغفر لي يا غفار ولم يزل يرددها حتى فاضت روحه وقد قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم عنه أسلم الناس وآمن عمر بن العاص