بسم الله الرحمن الرحيم جمعية مودة تقدم حدث في رمضان لعبد الرحمن رأفة الباشا وقعة عمورية في سنة 223 للهجرة وفي شهر رمضان المبارك اقتحم المعتصم بن الرشيد حصون عمورية في 150 ألف من جنوده وفتح المدينة التي عزت على الفاتحين منذ عهد الإسكندر المقدوني إلى يومه فكانت وقعة عمورية غرة في جبين الدهر ودرة في تاريخ الإسلام وتاجا زان مفرق المعتصم ولي عمورية المنيعة الحصينة ويومها الأغر المحجل وللخليفة الذي زلزل أركانها وقوض بنيانها قصة مثيرة سداها الإيمان ولحمتها النخوة فتعالوا نتمل من هذا اليوم العظيم فإنه من روائع أيام الله تبدأ هذه القصة يوم أرسل بابك الخرمي أحد عتاة الفرس الخارجين على الإسلام والمسلمين كتابا إلى تيوفيل ملك الروم يقول فيه لقد قاومت المسلمين عشرين عاما وقضيت على خمسين ومائتي ألف من خيرة جنودهم وهزمت سبعة من كبار قوادهم واستنفدت الآلاف المؤلفة من كريم أموالهم وحلت دونهم ودون أن يطأوا شعاب منطقة الواقعة في أعالي بلاد فارس وإن المعتصم العباسي أراد أن يثأر لنفسه ونفذ المأمون من قبله فبعث لحرب سائر عسكره وأنفذ إلى قتالي خاصة رجاله حتى كان في جملة من جندهم خياطه الذي يخيط ثيابة وطباخه الذي يطه طعامة فإن شئت أن تثأر لدينك وقومك من المسلمين وخليفتهم فهتبل هذه الفرصة التي لا تعوض وحذار أن تفلت منك فتندم حيث لا ينفع ندم استيقنت يوفيل من صحة ما أخبره به بابك الخرمي وعرف أن خليفة المسلمين قد عزم على أن يقضي على حركة بابك مهما كان الثمن غاليا فلم يشأت يوفيل أن يفوت هذه الفرصة على نفسه وعلى قومه وعزم على أن يثأر من خلفاء المسلمين الذين قسروهم أكثر من مرة فسفع الجزية عن يد وهم صاغرون فأعدت يوفيل للأمر عدته واتخذ له أهبته وتوجه إلى مدينة زبطرة مسقط رأس المعتصم بمائة وسبعين ألفا من جنوده ونزل على المدينة المنكوبة نزول المنون فهدم حصونها واستباح أرضها وأسرى المدافعين عنها وسبى نساءها وذراريها ولم يشفي ذلك كله غيض صدره حتى مثل بأسراه شر مثلة فسمل عيونهم وجدع أنوفهم وصلم آذانهم وطاف بهم في أنحاء بلاده وبينما كانت حركة الخرميين قد لفظت أنفاسها الأخيرة تحت وطأة جيوش المعتصم الجرارة وكان معبودها بابك قد وقع أسيرا في أيدي جنود المسلمين البواسل وكان الخليفة المعتصم يخرج لرقاء جيشه الظافر ويخلع على قائده المنتصر وشاحين من الجوهر ويصله هو وأفراد عسكره بعشرين ألف ألف درهم وبينما كانت الأفراح تبلغ ذروتها في سائر بلاد المسلمين وكان الجند يطوفون عليها برأس بابك الخرمي وردت على المعتصم أخبار نكبة زبطرة ونقل إليه أن امرأة مسلمة من العفيفات المحصنات قد وقعت في يد علج من علوج الروم فلما هم بسبيها نادت وا معتصما فهز النداء نخوته وأثار رجولته وهب عن سريره وهو يقول لبيك لبيك لقد نهض المعتصم لتوه ولبس لأمته وتقلد سلاحه وحمل حقيبة ووضع فيها زادة وركب حصانة وصاح بالنفير وهو على أبواب قصره وأقسم ألا يعود إليه إلا شهيدا محمولا على الأعناق أو ظافرا منتقما للمدينة الغالية المنكوبة والمرأة المسلمة المغصوبة ثم غادر قصر الخلافة لساعته وأقام عشر ليال في دار العامة في بغداد ليعد العدة ويرسم الخطة ويعبئ الجيش ولما تجهز جهازا لم يسبق لخليفة من خلفاء المسلمين أن تجهز مثله أحضر قاضي بغداد عبد الرحمن بن إسحاق وأحضر معه ثلاثمائة رجل من أهل العدالة فأشهدهم على وصيته وقسمة تركته فجعل ثلث ماله لله والباقي لأزواجه وأولاده وموالي ولم يأخذ من ثروته كلها سوى ثمان كفنه نهد المعتصم إلى لقاء عدو الله وعدوه بجيش اللجب فيه كما يقول المؤرخون ثمانون ألف جواد أبلق وثمانون ألف جواد أدهم وما شاء الله من المنجنيقات والعدد وآلة الحرب وذلك بالإضافة إلى ما يحتاجه الجند من حياض الأدم والروايا والقرب وجعل وجهته عمورية ذلك لأنها كانت روحا نصرانية والطريق المؤدية إلى القسطنطينية والمدينة التي رامها الفاتحون منذ عهد الإسكندر إلى يوم المعتصم فعزت عليهم وردتهم مقهورين وما ذلك إلا لأنها كانت ذات حصون مشيدة وبروج ممردة وهي إلى ذلك مدينة الأسرة الحاكمة ومسقط رأس تيوفيل إمبراطور الروم أرسل المعتصم فرقة كبيرة من جيشه اللجب إلى أنقرة لتنازل تيوفيل وتشغله عنه واتجه بباقي عسكره نحو عمورية ولم اقترب من المدينة العظيمة قسم عسكره إلى ثلاثة جيوش وجعل لكل منها قائده الذي يقوده وخص كل جيش بيوم يقاتل فيه على التناوب ولما وصل الجيش الأول دار حول عمورية دورتين ثم أخذ موقعه عند أسوارها ثم تلاه الجيش الثاني فدار حولها دورة واحتل مركزه المحدد له ثم تلاهما الجيش الثالث واستقر في المكان المقدر له وفي الأسبوع الأول من شهر رمضان المبارك سنة مئتين وثلاث وعشرين للهجرة كانت المنجنيقات قد نصبت حوالي أسوار عمورية من كل جانب وكانت جيوش المسلمين الثلاثة تحيط بالمدينة الحصينة إحاطة الأمواج بجزيرة من جزر البحر وتطويقها تطويق القيود للمعاصم ولقد قاتل الجيش الأول في نوبته فأبلى في قتاله أعظم البلاء ثم تلاهما الجيش الثاني في نوبته فزاد على الجيش الأول وأربا عليه ثم تلاهما الجيش الثالث وكان بقيادة المعتصم نفسه فأظهر من ضروب الشجاعة وصنوف البراعة ما كاد ينسي الناس فضل الجيشين السابقين ولقد استمر القتال على هذا المنوال بضعة أيام غير أن أسوار المدينة الممردة صمدت أمام ضربات منجنيقات المسلمين ولم تتأثر بها تأثرا يذكر غير أن ذلك لم يفت في عضد المعتصم وجيشه ولم يكدرهم لثقتهم بالنصر وإنما كدرهم أمر آخر رواه أبو بكر الصولي فقال حدث يعقوب بن جعفر بن سليمان قال غزوت مع المعتصم يوم عمورية فكان رجل من الروم يقوم كل يوم على سور من أسوار المدينة ويشتم النبي صلوات الله وسلامه عليه بالعربية أقذع الشتم ويذكر اسمه ونسبه فاشتد ذلك على المسلمين وأثار مشاعرهم وجعلوا يقذفونه بالنشاب فلا يصيبونه وكنت أرمي رميا جيدا فبينما كان الرجل يفعل فعلته الشنعاء تلك اعتمدته بن الشابة فآصبت نحرة فهوى من فوق السور فكبر المسلمون وهللوا وسر المعتصم وقال علي بالرجل الذي رماه فمثلت بين يديه فرحب بي أجمل الترحيب وأثنى علي أجزل الثناء ثم قال ممن أنت فانتسبت له وكنت من بني هاشم فقال الحمد لله الذي جعل ثواب هذا السهم لرجل من أهل بيتي ثم التفت إلي وقال بيعني ثوابك من هذا السهم فقلت ليس الثواب مما يباع يا أمير المؤمنين فقال إني أرغبك وعرض علي مئة ألف درهم فقلت ما أبيع ثوابي فما زال يزيدها حتى بلغ بها 500 ألف درهم فقلت لا أبيع ثوابي بالدنيا وما فيها ولكن قد وهبت لك نصف ثوابي هذا السهم والله يشهد علي بذلك فسر المعتصم أعظم السرور وقال جزاك الله خيرا وانصرف عني إلى قتال عدو الله وعدوه استمرت من جنيقات المسلمين تضرب المدينة عشرة أيام متواليات علها تحدث فيها ثغرة فلم تفلح وهنا أسعف القدر المعتصم برجل من أبناء المسلمين كان الروم قد أسروه منذ بضع سنوات فتنصر وأقام في عمورية فما إن رأى الجيش الإسلامي يرفع الأذان في أرجاء السماء وسمع التهليل والتكبير حتى حنت نفسه إلى دين الله واستيقظ في صدره الإيمان بالله فتسلل من المدينة الحصينة ولجأ إلى جيوش المسلمين وأعلن الشهادتين وكشف للمعتصم عن سر كبير لقد أخبر المعتصم بأن موضعا من سور المدينة كان قد تهدم بسبب سيل عرم اجتاحه فكتبت يوفيل إلى عامله على عمورية ليعيد بناءه فتوانى العامل في ذلك فما إن علم بقدومكم حتى سارع إلى بناء ظاهر السور بالحجارة وموه باطنه تمويها ثم دل المعتصم على موضعه فوجه الخليفة المنجنيقات إلى ذلك الموضع وطفق يقذفه بها قذفا متتابعا متواليا حتى تصدع السور وانفتحت منه فرجة عند ذلك أقبل جند المسلمين على الثغرة المفتوحة اقبال العطاش على المورد العذب في اليوم القائظ وتزاحموا بالمناكب على لقاء عدو الله وعدوهم في داخل المدينة ودارت بين القلة القليلة التي استطاعت النفوذ إلى عمورية وبين الكثرة الكثيرة من الروم معارك ضارية كان لا يسمع فيها غير صليل السيوف وهمهمة المقاتلين ورناة الرماح وأناة المطعونين لم تغب شمس يوم السابع عشر من شهر رمضان سنة مئتين وثلاث وعشرين للهجرة إلا وكانت المدينة العريقة العتيدة قد فتحت أمام جيوش المسلمين المنتصرة وشوهد المعتصم بن الرشيد يدخل مدينة عمورية على صهوة جواده الأصهب وقد نكس رأسه خضوعا لله وشكرا على نعمائه لقد غنم المسلمون في يوم عمورية هذا غنائم لا يحصيها عد ولا يقدر لها ثمن وأسروا فيه سبعين ألفا من أهلها وأخرجوا الغنائم والأسرى إلى ظاهر المدينة ثم أمر المعتصم بعمورية فدكت أسوارها وهدمت بنيانها وأزيلت معالمها وأضرمت فيها النيران أياما طويلة حتى تركتها قاعا صفصفا كأن لم تغنى بالأمس عاد الخليفة الظاهر إلى بغداد قاعدة ملكه وقد سبقته البشائر بالفتح الكبير فخرج الناس عن بكرة أبيهم يستقبلونه بالتهليل ويحيونه بالتكبير وينثرون على موك به الريحان والأوراد وتلقاه الشعراء بالمدائح وأنشد أبو تمام بين يديه بائيته الباقية على وجه الدهر وخاطبه فيها قائلا خليفة الله جاز الله سعيك عن جرثومة الدين والإسلام والحسب بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها تنال إلا على جسر من التعب إن كان بين صروف الدهر من رحم موصولة أو ذمام غير منقضب فبين أيامك التي نصرت بها وبين أيام بدر أقرب النسب ولا غر فقد كانت بدر في السابع عشر من رمضان وكانت عمورية في السابع عشر منه أيضا فحبذى رمضان وحبذى أيامه الغر الميامين