بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله زيد بن سعنة رضي الله عنه جلس زيد بن سعنة مع طائفة من كبار أحبار اليهود يستمعون إلى حديث حبر من عظماء أحبارهم يقال له ابن الهيبان وكان ابن الهيبان هذا قد وفد عليهم وعزم على الإقامة عندهم في يثرب فأخذ زيد بن سعنة بروعة حديث الحبر وصدق لهجته وحرارة إيمانه وسعة الطلاعه على التوراة لكنه كان وهو يصغي إليه يسائل نفسه عن الأسباب التي جعلت هذا الحبر يهجر بلاد الجنات المعروشة والضلال الوارفة والمياه المتدفقة ودفعته إلى قطع المسافات البعيدة ليقضي بقية حياته في يثرب نائيا عن الأهل والوطن بعيدا عن العشير والسكن فما إن انتهى ابن الهيبان من كلامه حتى بادره زيد بن سعنة قائلا أيها الحبر الجليل لقد نزلت في ديارنا سهلا وستلقى بنا أهلا ولكن ما الذي على أن تترك ديار الشام التي تكثر كتبنا المقدسة من الحديث عن اعتدال هوائها وعذوبة مائها وجمال رياضها وكثرة خيراتها أفهناك من يصدكم عن دينكم أو يحول دونكم ودون إقامة شعائركم فقال الحبر والله إن ديار الشام لك ما وصفت وأكثر مما وصفت نجيب ماء وعتدال هواء ووفرة خير ونحن فيها آمنون مطمئنون وإنما أخرجني منها ترقب ظهور نبي أطل زمانه وأنا أوانه وجعلت بلدتكم الطيبة هذه مكان هجرته ومنطلق دعوته فقال زيد بن سعنة أتعني به ذلك النبي العربي الذي نجده في كتبنا ونشر به أبناءنا فقال ما عنيت إلا هو ثم طفق الحبر يحدث القوم عن شمائل النبي المرتقب ويذكر ما يتحلى به من علامات النبوة ويحض اليهود على اتباعه ويمنيهم بالخير إذا هم آمنوا به ونصروه وينذرهم بالشر إذا هم أعرضوا عنه وخذلوه لكن ابن الهيبان ما لبث كثيرا ووافاه الأجل فمات قبل أن يتحقق حلمه في رؤية النبي المنتظر والتملي من دعوته والإيمان بنبوته والفوز بنصرته لم يمض غير قليل على وفاة ابن الهيبان حتى طفقت الأخبار تترى على يثرب بظهور محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وتزايد أتباعه يوما بعد يوم فهب زيد بن سعنة يذكر قومه من اليهود بما كان يحدثهم به ابن الهيبان ويدعوهم إلى تقصي خبر هذا النبي الذي كانوا يتباشرون بظهوره ويهددون به العرب كلما ألحقوا بهم أذن أو نالوهم بشر وطفق يحضهم على المبادرة إليه قبل أن يسبقهم أحد إلى هذا الخير العظيم لكن زيدا لم يلق من قومه اليهود إلا الإعراض والصد ثم بدأ يشعر بنار الحقد التي جعلت تنهش أكبادهم حسدا لهذا النبي الذي أخذ نجمه يعلو وطفقت دعوته تتألق ثم جعلت الأيام تمضي صراعا والأحداث تتراتباعا بقوافل المؤمنين المهاجرين من مكة تنزل في يثرب على الرحب والسعة فتلقى بالأهل أهلا وبالإخوان إخوانا وإذا بالبشائر تغمر المدينة بأن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قادم إليها مع صفيه وخليله أبي بكر الصديق فضجت يثرب بالفرحة وتألقت بالبهجة وخرج الناس وضعوا زرافات وبحدانا لاستقبال نبي الهدى والرحمة صلى الله عليه وسلم وصاحبه فازداد اليهود غما على غم وشحنت صدورهم حقدا على حقد لكن زيد بن سعنة كان له شأن آخر فلنترك له الكلام ليروي لنا قصته مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه قال زيد بن سعنة لقد تأملت هذا القادم محمد بن عبد الله أشد التأمل وأعمقه وتتبعته أدق التتبع وأقصاه فلم تبق لدي علامة من علامات النبوة إلا رأيتها فيه وعرفتها في وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم بعد أن تحريته وأطلت النظر إليه إلا اثنتين لم أقف عليه ما عنده أولا هما أنه يسبق حلمه جهلة وثانيتهما أنه لا تزيده شدة الجهل عليه إلا سماحة وليونة فجعلت أبحث عن هاتين العلامتين حتى وجدتهما فيه ذلك أن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه خرج ذات يوم من الحجرات ومعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ووقف إلى جانبه راكبا راحلته وقال يا رسول الله إن لي جماعة في قرية بني فلان قد دخلوا في الإسلام وكنت قلت لهم إن أسلموا أفاض الله عليهم من خيره وآتاهم الرزق رغدا فما لبث أن أصابهم قحط شديد مهلك وججب من الغيث مضني وأنا أخشى يا رسول الله أن يخرجوا من الإسلام طمعا في غيره كما دخلوه طمعا فيه فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تغيثهم به فعلت فنظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى علي بن أبي طالب نظرة يسأله بها عما لديه من المال فقال علي لم يبق لدي مما جاءنا شيء يا رسول الله قال زيد بن سعنة اضطنمت هذه الفرصة ودنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت يا محمد هل لك أن تبيعني تمرا معلوما إلى أجل محدود بكذا وكذا من المال قال نعم فأطلقت كيس نقودي وأخرجت منه ثمانين مثقالا من ذهب ودفعتها لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه فأعطاه الرجل قال أغث جماعتك بهذا المال وعدل بينهم قال زيد بن سعنة فلما بقي على حلول الأجل يوما أو ثلاثة أيام رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر ونفر من أصحابه وقد خرجوا للصلاة على جنازة أحد المسلمين فلما قضوا صلاتهم دنى النبي عليه الصلاة والسلام من جدار ليجلس إليه فأتيته وأخذت بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ وقلت له يا محمد ألا تقضيني حق فوالله ما عرفتم بني عبد المطلب إلا مماطلين في أداء الحقوق وإني لأعلم الناس بسوء طباعكم ثم نظرت إلى من حوله فإذا عين عمر تدوران في وجهه كالفلك المستدير ثم رماني ببصره وقال أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع وتصنع به ما أرى فوالذي نفسي بيده لولا ما أحاذر من تفويت فرصة الإيمان عليك لضربت بسيف رأسك أما الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه فنظر إلي في في سكون وتؤده ثم التفت إلى عمر وقال يا عمر لقد كنت أنا وهو أحوج إلى غير هذا منك فلقد كان عليك أن تأمرني بحسن الأداء وأن تأمره بحسن الطلب ثم قال له اذهب به يا عمر فأعطيه حقه وزده عشرين صاعا من تمر جزاء ما رعته فسكنت نفس عمر ثم ذهب بي وأعطاني حقي وزادني عشرين صاعا من تمر فقلت ما لي من حق في هذه الزيادة يا عمر فقال أمرني الرسول عليه الصلاة والسلام أن أعطيها لك جزاء ما رعتك فخذها فقلت أوتعرفني يا عمر فقال لا فقلت أنا زيد بن سعنة فقال الحبر فقلت نعم فقال فما دعاك إلى أن تفعل برسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلت وأن تقول له ما قلت فقلت يا عمر لم يكن من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أجدهما فيه أنه يسبق حلمه جهلة وثانيتهما أنه لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما وقد وجدتهما الآن فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وأن شطر مالي صدقة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال عمر بل قل على بعضهم فإنك لا تسعهم جميعا فقلت على بعضهم ثم رجع عمر بن الخطاب وزيد بن سعنة إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أرجعكما فقال زيد لقد رجعت لأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنك عبده ورسوله وأنك صفوة أنبيائه وخاتم رسله اعتنق ابن سعنة الإسلام بعد تأمل وتتبع لأخبار الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم بمحمد وبصحبه قد غوثس الصرح المشد يا شيار أسحني أفض في مدحهم في مدحهم