بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ عَلَيْهَا السَّلَامِ بداية حمل مرأة عمران بمريم عليه السلام تبدأ قصة مريم من حمل أمها مرأة عمران بها فقد حملت بها مرأة عمران بعد إياس من الحمل وتوفي زوجها عمران وهي حامل قبل ولادتها لمريم وآل عمران ممن اصطفاهم الله سبحانه على العالمين قال تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين قال ابن كثير رحمه الله يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض فاصطفى آدم عليه السلام خلقه بيده ونفق فيه من روحه وأسجد له ملائكة وعلمه أسماء كل شيء وأسكنه الجنة ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة واصطفى نوحا عليه السلام وجعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض لما عبد الناس الأوثان وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وانتقم له لما طالت مدته بين ظهراني قومه يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا سرا وجهارا فلم يزدهم ذلك إلا فرارا فدعا عليهم فأغرقهم الله عن آخرهم ولم ينجوا منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به واصطفى آل إبراهيم ومنهم سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم وأل عمران والمراد بعمران هذا هو والد مريم بنت عمران أم عيس بن مريم عليه السلام وقال أبو زهرة رحمه الله معنى الإصطفاء طلب الصفوة من كل شيء ولذلك قالوا إن معناها اختارهم مؤثرا لهم على غيرهم وفي التعبير بالإصطفاء إشارة إلى أن آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران هم صفوة الناس والتعبير بعلى في قوله تعالى على العالمين إشارة إلى معنى التفضيل على غيرهم من الناس فهم صفوة الناس وهم مفضلون على كل الناس وآل إبراهيم هم أسرة إبراهيم بفروعهم سواء منهم من أووا إلى مكة وكان منهم صفوة الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ومن كانوا في الأرض المقدسة وكان منهم النبيون من بعد وآل عمران هم ذرية عمران وهو أبو مريم البتول ومن ذرية عمران السيد المسيح عليه السلام الذي خلقه رب العالمين بكلمة منه هي كن وإن في ذلك التسلسل إشارة إلى أن الخليقة لم تخلو من هاد يهديها إلى الحق وإلى صراط مستقيم والله جل فيعلا ذكر تفاصيل حياة من اصطفاهم من هذه البيوت الكريمة لنقتدي بهم ونأخذ العبرة من حياتهم في حياتنا قال السعدي رحمه الله ودل هذا على أن هؤلاء اختارهم لما علم من أحوالهم الموجبة لذلك فضلا منه وكرما ومن الفائدة والحكمة في قصه علينا أخبار هؤلاء الأصفياء أن نحبهم ونقتدي بهم ونسأل الله أن يوفقنا لما وفقهم وألا نزال نزري أنفسنا بتأخرنا عنهم وعدم اتصافنا بأوصافهم ومزاياهم الجميلة فامرأة عمران من بيت استفاهم الله على العالمين وهذه أول منقبة لمريم عليه السلام فهي من سلالة هذا البيت وتربت فيه بيت طاعة وعبادة وهذه فائدة لكل أم تسعى لتربية ذريتها على الخير والصلاح أن تبدأ تأسيس حياتها الزوجية على طاعة الله وأولى خطوات التأسيس الاختيار الصحيح للمتقدم للزواج والذي تنطبق عليه المواصفات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الزوج الصالح وهي في قوله صلى الله عليه وسلم إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض رواه الترمذي وبن ماجه ومع الأسف الشديد فقد انتشرت بعض الأفكار الخاطئة بين بنات هذا الجيل ممن فيهن خير وصلاح وهي أنها لا تريد الرجل الذي يظهر عليه التمسك بدينه بشكل ظاهر وتعبر عنه بأنه متشدد فهي لا تريد أن تحرم من متع الدنيا لأنها تظن أن هذا النوع من الرجال سيحرمها من حضور وسائل وبرامج الترفيه المعاصرة إنها تريد أن تعيش حياتها وتستمتع بهذه الدنيا ولا تريد من يضيق عليها بزعمها وهذه هي بداية الانحراف في الحياة الزوجية فمثل هذه الفتاة والتي تحمل في رأسها مثل هذه الأفكار المغلوطة لا يمكن أن تتحصل على نتائج عظيمة من زواجها برجل متساهل مثلها في دينه إنها لا تريد التشدد والتشدد عندها يعني التمسك بتعاليم الإسلام وعرض كل شيء في الحياة على ميزان الشرع ولأن الحرام في هذا العصر كثير فهي ترى أن هذا الرجل يمتنع عن فعلها ولا ينصاع لضغط الواقع والمجتمع وما يريده أهل الشهوات فهو متشدد في نظرها وهذه الحقيقة المرة لا تدركها الفتاة مع الأسف إلا بعد فوات الأوان إلا أن يشاء الله لها غير ذلك حملت امرأة عمران بعد أن تأخر حملها واشتهت الولد فكان من شكرها لله عز وجل على هذا الحمل أن نذرت ما في بطنها لله عز وجل متفرغا لعبادته وخدمة بيت المقدس فقالت رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم قال ابن جرير الطبري رحمه الله معناه إني جعلت لك يا رب نذرا أن لك الذي في بطني محررا لعبادتك يعني بذلك حبسته على خدمتك وخدمة قدسك في الكنيسة عتيقة من خدمة كل شيء سواك مفرغة لك خاصة وقال ابن كثير رحمه الله نذرت أن يكون محررا أي خالصا مفرغا للعبادة ولخدمة بيت المقدس وفي هذا عبرة لكل امرأة طموحة في صلاح ذريتها أن تبدأ حملها بنية صالحة ودعاء صالح لذريتها كما فعل نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام فقد عزم على معاشرة تسعين امرأة بنية أن يلدن فرسانا يجاهدون في سبيل الله فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سليمان لأطوفنا الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه إن شاء الله فلم يقل إن شاء الله فطاف عليهن جميعا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل ويم الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله تجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون رواه البخاري فما نيتك من حملك وما طموحك في ذريتك وهل هذه النية وهذا الطموح في حدود دنيا المولود فقط أم هي بالدرجة الأولى لآخرته والدنيا تأتي تبعا لذلك تأمليها من فضلك جيدا أم امرأة عمران فقد نذرت أن يكون مولودها محررا لعبادة الله وخدمة بيت المقدس فهل لك نية في مولود يحرر بيت المقدس من دنس اليهود نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين