بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة ان تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله زيد بن ثابت رضي الله عنه نحن في السنة الثانية للهجرة ومدينة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يموج بعضها يومئذ في بعض استعدادا لبدر والنبي الكريم يلق النظرات الأخيرة على أول جيش يتحرك تحت قيادته للجهاد في سبيل الله وتثبيت كلمته في الأرض وهنا أقبل على الصفوف غلام صغير لم يتم الثالثة عشرة من عمره يتوهج ذكاء وفطنة ويتألق نجابة وحمية وفي يده سيف يساويه في الطول أو يزيد عنه قليلا ودنا من رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وقال جعلت في ذاك يا رسول الله إذا لي أن أكون معك وأجاهد أعداء الله تحت رايتك فنظر إليه الرسول الكريم نظرة سرور وإعجاب وربت على كتفه برفق وود وطيب خاطرة وصرفه لصغار سنه عاد الغلام الصغير يجرجر سيفه على الأرض أسوان حزينا لأنه حرم من شرف صحبة رسول الله في أول غزوة يغزوها وعادت من ورائه أمه النوار بنت مالك وهي لا تقل عنه أسا وحزنا فقد كانت تتمنى أن تكتحل عيناها برؤية غلامها وهو يمضي مع الرجال مجاهدا تحت راية رسول الله وكانت تأمل في أن يحتل المكانة التي كان من المنتظر أن يحظى بها أبوه لدى الرسول لو أنه ظل على قيد الحياة لكن الغلام الأنصاري حين وجد أنه قد أخفق في أن يحظى بالتقرب إلى رسول الله في هذا المجال لصغر سنه تفتقت فطنته عن مجال آخر لا علاقة له بالسن يقربه من النبي صلوات الله وسلامه عليه ويدنيه إليه ذلك المجال هو مجال العلم والحفر فذكر الغلام الفكرة لأمه فهشت لها وبشت ونشطت لتحقيقها حدثت النوار رجالا من قومهم برغبة الغلام وذكرت لهم فكرته فمضوا به إلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وقالوا يا نبي الله هذا ابن نازيد ابن ثابت يحفظ سبع عشرة سورة من كتاب الله ويتلوها صحيحة كما أنزلت على قلبك وهو فوق ذلك حاذق يجيد الكتابة والقراءة وهو يريد أن يتقرب بذلك إليك وأن يلزمك فاسمع منه إن شئت سمع الرسول الكريم من الغلام زيد ابن ثابت بعضا مما يحفظ فإذا هو مشرق الأداء مبين النطق تتلألأ كلمات القرآن على شفتيه كما تتلألأ الكواكب على صفحة السماء ثم إن تلاوته تنم على تأثر بما يتلو ووقفاته تدل على وعي لما يقرأ وحسن فهم فسر به الرسول الكريم إذ وجده فوق ما وصفوه وزاده سرورا به إتقانه للكتابة فالتفت إليه النبي الكريم وقال يا زيد تعلم لي كتابة اليهود فإني لا آمنهم على ما أقول فقال لبيك يا رسول الله وأكب من توهي على العبرية حتى حذقها في وقت يسير وجعل يكتبها لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه إذا أراد أن يكتب لليهود ويقرأها له إذا هم كتبوا إليه ثم تعلم السريانية بأمر منه عليه الصلاة والسلام كما تعلم العبرية فأصبح الفتا زيد بن ثابت ترجمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما استوثق النبي صلوات الله وسلامه عليه من رصانة زيد وأمانته ودقته وفهمه اعتمنه على رسالة السماء إلى الأرض فجعله كاتبا لوحي الله فكان إذا نزل شيء من القرآن على قلبه بعث إليه يدعوه وقال أكتب يا زيد فيكتب فإذا بزيد بن ثابت يتلق القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم آنا فآنا فينمو مع آياته ويأخذه رطبا طريا من فمه موصولا بأسباب نزوله فتشرق نفسه بأنوار هدايته ويستنير عقله بأسرار شريعته وإذا بالفتا المحظوظ يتخصص بالقرآن ويغدو المرجع الأول فيه لأمة محمد بعد وفاة الرسول صلوات الله وسلامه عليه فكان رأس من جمعوا كتاب الله في عهد الصديق وطليعة من وحدوا مصاحفه في زمن عثمان أفبعد هذه المنزلة منزلة تسمو إليها الهمم وهل فوق هذا المجد مجد تطمح إليه النفوس وقد كان من فضل القرآن على زيد بن ثابت أن أنار له سبل الصواب في المواقف التي يحار فيها أولو الألباب ففي يوم السقيفة اختلف المسلمون في من يخلف رسول الله صلوات الله وسلامه عليه فقال المهاجرون فينا خلافة رسول الله ونحن بها أولى وقال بعض الأنصار بل تكون الخلافة فينا ونحن بها أجدر وقال بعضهم الآخر بل تكون الخلافة فينا وفيكم معا فقد كان رسول الله صلوات الله عليه وسلامه إذا استعمل واحدا منكم على عمل قرن معه واحدا منا وكادت تحدث الفتنة الكبرى ونبي الله ما زال مسجا بين ظهرانيهم لم يدفن بعد وكان لا بد من كلمة حاسمة رشيدة مشرقة بهدي القرآن تأيد الفتنة في مهدها وتنير للحائرين الطريق فانطلقت هذه الكلمة من فم زيد بن ثابت الأنصاري إذ التفت إلى قومه وقال يا معشر الأنصار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين فيكون خليفته مهاجرا مثله وإنا كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أنصارا لخليفته من بعده وأعوانا له على الحق ثم بسط يده إلى أبي بكر صديق وقال هذا خليفتكم فبايعوه وقد غدا زيد بن ثابت بفضل القرآن وتفقه فيه وطول ملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم منارة للمسلمين يستشيره خلفاؤهم في المعضلات ويستفتيه عامتهم في المشكلات ويرجعون إليه في المواريث خاصة إذ لم يكن بين المسلمين إذاك من هو أعلم منه بأحكامها وأحذق منه في قسمتها فقد خطب عمر رضوان الله عليه في المسلمين يوم الجابية فقال أيها الناس من أراد أن يسأل عن القرآن فليأتي زيد بن ثابت ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأتي معاذ بن جبل ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتي إليه فإن الله عز وجل جعلني عليه واليا وله قاسما ولقد عرف طلاب العلم من الصحابة والتابعين لزيد بن ثابت قدره فأجلوه وعظموه لما وقر في صدره من العلم فها هو ذا بحر العلم عبد الله بن عباس يرى زيد بن ثابت قد هم بركوب دابته فيقف بين يدي ويمسك له بركابه ويأخذ بزمام دابته فقال له زيد بن ثابت دع عنك يا ابن عم رسول الله فقال ابن عباس هكذا أمرنا أن نفعل بعلامائنا فقال له زيد أرني يدك فأخرج ابن عباس يده له فمال عليها زيد وقبلها وقال هكذا أمرنا أن نفعل بآل بيت نبينا ولما لحق زيد بن ثابت بجوار ربه بك المسلمون بموته العلم الذي ووري معه فقال ابو هريرة اليوم مات حبر هذه الأمة وعسى أن يجعل الله في ابن عباس خلفا منه ورثاه شاعر رسول الله حسان بن ثابت ورثى نفسه معه فقال فمن للقوافي بعد حسان وبنه ومن للمعاني بعد زيد بن ثابت فمن للقوافي بعد حسان وبنه ومن للمعاني بعد زيد بن ثابت حسان بن ثابت يا شعر وعفزي أفض في مدحهم هل نمزي