بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله أبو حقيل الأنيقي رضي الله عنه استفحل أمر مسيلمة الكذاب واشتد فقد اجتمع له أربعون ألفا من قومه بني حنيفة وظاهرهم نحو من عشرين ألفا من الأحلاف فكان جيشه أعظم جيش عرفته العرب حتى ذلك اليوم وكان في الوقت نفسه يزيد أضعافا مضاعفة على جيش خليفة المسلمين أبي بكر الصديق رضوان الله عليه ولم يكن الخطر الداهم الذي حل بالمسلمين آنذاك مقصورا على مسيلمة الكذاب وجيشه اللجب الموحد المتماسك وإنما كان يبرز هذا الخطر أيضا في المرتدين الآخرين الذين كانوا في جملةهم يؤمنون بالله ويشهدون أن محمدا رسول الله ولا يمارون في إيقام الصلاة غير أنهم كانوا يطالبون بأن يكف الخليفة عن مطالبتهم بإيتاء الزكاة أما مسيلمة الكذاب ومن معه فكانوا ينكرون نبوة محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام ويكفرون بالكتاب العزيز الذي أنزله الله عليه ويؤمنون بنبي يفتري على الله الكذب فإذا قدر لهذه القوة الهائلة أن تنتصر فإن ذلك سيفضي إلى القضاء على الإسلام وأهله وألا يعبد الله في جزيرة العرب بعد ذلك اليوم رمى الصديق رضوان الله عليه مسيلمة الكذاب بجيش يقوده عكرمة بن أبي جهل وعكرمة إن كنت لا تعلم فارس هيجاء وبطل معامع وبن حروب ثم إنه جعل تحت لوائه أبطالا صناديد أنجادا معودة سيوفهم على النصر لكن مسيلمة نكبهم نكبة أطارت صواب المسلمين وأثارت غضب خليفتهم أبي بكر الصديق فطير رسولا من عنده ليمنع الجيش المنهزم من العودة إلى المدينة حتى لا يفت في عضد المسلمين وأمره بالبقاء حيثه ثم كتب إليه كتابا يلومه فيه على تعجله قبل استكمال عدده وعدته ويقول له لا أرينك ولا ترني ولا ترجعن إلى المدينة فتوهن عزائم المسلمين وتفت في عضودهم هزت هزيمة عكرمة ضمائر المسلمين هزى وفتحت عيونهم أكثر من ذي قبل على الخطب الداهم وهب الخليفة لاستنقاذ الإسلام والمسلمين من هذا الخطر المحيق فأخلى بعض الساحات من جند المسلمين وتغاضى إلى حين عن المرتدين الذين أبوا دفع الزكاه وذلك ليحشد لمسلمة أكبر جيش يستطيع حشدة وليوفر لهذا الجيش أضخم طاقة تكفل له النصر بإذن الله كون الصديق جيشه من فيالق ثلاثة أولها فيلق المهاجرين الذين كابدوا في سبيل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ما كابدوا وعانوا من أجل الدعوة ما عانوا وبنوا بأيديهم صرح الإسلام لبنة لبنة ومزجوا ترابها بالعرق والدموع وثانيها فيلق الأنصار الأبرار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزروه ومنعوه وحاربوا معه أعداء الله فشهدت لهم الحروب وثالثها فيلق أبناء البوادي أصحاب القوة والبأس والنجدة ثم جعل في الجيش جمهرة من القراء حملت كتاب الله وكان عليهم حريصا وبهم ضنينا ثم ضم إليهم البدريين على الرغم من أنه كان يقول عنهم لا أستعمل هذه النخبة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرب وإنما أستبقيهم لصالح الأعمال فإن الله تبارك وتعالى قد يدفع بهم من البلاء أكثر مما يأتي على أيديهم من النصر ثم عقد لواء الجيش لسيف الله المسلول خالد بن الوليد إلتق الجمعان على أرض اليمامة فصف مسيلمة جنوده بعقربا وجعل وراء الجيش النساء والأطفال والأموال وصف خالد جنوده في قبالة جيش عدوه ووقف الجيشان يتربصان الأمر بالهجوم الكاسح وكان كل من الفريقين يرا عين اليقين أن هذه المعركة إنما هي معركة فناء أو بقاء وقف شرحبيل بن مسيلمة الكذاب يهز مشاعر النخوة والعصبية عند بني قومه فقال يا بني حنيفة إن هذا اليوم يوم الغيرة والحمية فإن هزمتم فسترون النساء اللوات احتمين بكم سبيات فمنعوا نساءكم وأطفالكم وقاتلوا عن أحسابكم وأنسابكم وشدوا على عدوكم فما كاد ينهي كلامه حتى انصب بنو قومه على صفوف المسلمين صباب الصخور وتدفقوا عليهم تدفق السيل فانثنى صف المسلمين هزيما وأزيل خالد بن الوليد عن فستاطه ووقعت زوجته أم تميم في قبضتهم فهموا بقتلها لولا أن أجارها رجل منهم فسلمت تلقى خالد للصدمة رابط الجأش ثابت الجنان ذلك لأنه لم يخامره شك في نصر الله ولا مسه قنوط بتأييده ففكر واستشار فهداه التفكير والمشورة إلى أن سبب الهزيمة إنما هو تواكل فيالق المسلمين الثلاثة بعضها على بعض فصاح في الجيش امتازوا أيها الجند امتازوا ليعلم بلاء كل فريق منكم وليعرف المسلمون من أين أتوا فجرت صيحة خالد بن الوليد حمية المسلمين لدين الله وأججت أشواقهم إلى الاستشهاد في سبيل الله ورفعت عن أعينهم الحجب فرأوا قصور الجنة مفتحة الأبواب لاستقبال الشهداء عند ذلك برزت في صفوف المسلمين بطولات لم تخطط يد التاريخ أجل منها وأعظم وظهرت في جند الله رجولات لم تكنن أسفاره أعز منها ولا أكرم وكان في طليعة هؤلاء الأبطال بطل قصتنا هذه عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة الأنصاري المكنى بأبي عقيل الأنيقي فلنستمع إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب فهو الذي سيروي لنا قصته الرائعة قال عبد الله بن عمر لما اصطف المسلمون للنزال يوما اليمامة كان أبي عقيل الأنيقي يغلي كالمرجل ويتوثب كالليث فما إن نشب القتال حتى جعل نحره دون نحور المسلمين وأقام صدره دون صدورهم فكان أول من أصيب بسهم في ذلك اليوم لقد دخل السهم في صدر أبي عقيل الأنيقي واستقر بين كتفيه دون أن يمس فؤاده ولو مسه لمات لساعته فمد يده إلى السهم وانتزعه من بين كتفيه وثبت يقاتل حتى أوهن الجرح شقه الأيسر ثم ما لبث أنخارت قواه وسقط في مكانه مقبلا غير مدبر فاحتملناه إلى رحله وجعلناه فيه وكان غير بعيد عنا فلما حم يواطيس المعركة وتضع ضع المسلمون سمع أبو عقيل البراء بن مالك الأنصاري ينادي أين أنتم يا معشر الأنصار أين أنتم أنا البراء بن مالك الأنصاري هلموا إلي يا معشر الأنصار ثم رأى معنى بن عدي الأنصاري يكسر غمد سيفه ويثب إلى المقدمة ويعلو نشزا من الأرض ويصيح الله الله يا معشر الأنصار الكرة الكرة على عدوكم يا من نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن عمر فنظرت إلى أبي عقيل فرأيته ينهض واقفا فدنوت منه وقلت ما تريد يا عم فقال أما سمعت البراء بن مالك الأنصاري ومعنى بن عدي ينادياني فقلت إنهما لم ينادياك ولم يسميا أحدا بعينه ثم إنهما لا يعنياني الجرحة فقال إنما ينادياني الأنصار وأنا واحد منهم وإن علي أن أجيبهما ولو حبوا ثم تحزم وأخذ السيف بيده اليمنى وجعل ينادي يالا الأنصار كرة كرة حنين يالا الأنصار كرة كرة حنين فاجتمع الأنصار وتراسوا وتقدموا المسلمين وتفانوا حتى أقحموا مسيلمة ومن معه حديقة الموت فاختلطنا بهم نحن معشر المهاجرين وأزرت سيوفنا سيوفهم ثم لاحت من التفاتة فإذا أبو عقيل عند باب حديقة الموت وقد قطعت يده من المنكب ووقعت على الأرض وبه من الجراح أربعة عشر جرحا كلها مميت فوقفت عليه وهو صريع بآخر رمق وقلت أبا عقيل فقال بلسان ملتاث لبيك لمن الهزيمة قل لي لمن الهزيمة فقلت أبشر فقد قتل عدو الله وعدو رسوله صلى الله عليه وسلم فرفع إصبعه إلى السماء قلت الله عز وجل ويثني عليه ثم لفظ آخر أنفاسه قال عبد الله بن عمر فلما عدت إلى المدينة أخبرت الفاروق بخبر أبي عقيل كله فدمعت عيناه وقال رحم الله أبا عقيل رحمة واسعة فإنه ما زال يسأل الله الشهادة ويلح في طلبها حتى نالها لقد كان ما علمت من أخيار أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصفوة أتباعه ما زل أبو عقيل يسأل الله الشهادة ويطلبها منه حتى نالها ولقد كان من أخيار أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب في مدحين