بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله صلة ابن أشيام العدوي رحمه الله صلة ابن أشيام العدوي عابد من عباد الليل وفارس من فرسان النهار كان إذا نشر الظلام أستاره على الكون وأسلمت الجنوب إلى المضاجع قام فأسبغ الوضوء ثم صف في محرابه ودخل في صلاته وهام وجداً بربه فيشرق في نفسه سناً إلهي ينير لبصيرته أرجاء الكون ويريه آيات الله في الآفاق وكان إلى ذلك مولعاً بقرآن الفجر فإذا أقبل الهزيع الأخير من الليل إنحنى بصلبه على أجزاء القرآن وانطلق يرتل آيات الله البينات بصوت ندي وجرس شجي فتارة يجد للقرآن حلاوة تأخذ بمجامع قلبه وتستأثر بمكامن لبه من خشية الله وأخرى يستشعر للقرآن خشعة تصدع فؤاده ولم يكن صلة ابن أشيام يفتر عن عبادته هذه قط لا فرق في ذلك بين حله وترحاله وشغله وفراغه حكى جعفر بن زيد قال خرجنا مع جيش من جيوش المسلمين في غزاة إلى مدينة كابول رجاء أن يفتحها الله لنا وكان في الجيش صلة ابن أشيام فلما أرخى الليل سدولة ونحن في بعض الطريق حط الجند رحالهم وأصابوا شيئاً من الطعام وأدوا العشاء الأخيرة ثم مضوا إلى رحالهم يلتمسون عندها حظاً من الراحة فرأيت صلة ابن أشيام يمضي إلى رحله كما مضوا ويسلم جنبه إلى الرقاد كما فعلوا فقلت في نفسي أين الذي يرونه من صلاة الرجل وعبادته ويشيعونه من قيامه حتى تتورم قدما والله لأرمقنه الليلة حتى أرى ما يكون منه فما ان غرق الجند في نومهم حتى رأيته يستيقظ من رقدته وينحاز عن العسكر مستتراً بالعتمة ويدخل في غابة اللفاء باسقة الأشجار وحشية الأعشاب كأنها لم تطأها قدمان منذ دهر طويل فمضيت في إثره فلما بلغ منها مكاناً قصيا إلتمس القبلة واتجه إليها وكبر للصلاة واستغرق فيها فنظرت إليه من بعد فرأيته مشرق الوجه ساكن الأعضاء هادئ النفس كأنما يجد في الوحشة أنسى وفي البعد قربا وفي الظلمة ضياء منيرا وفيما هو كذلك طلع علينا أسد من الجانب الشرقي للغابة فما إن أثبته حتى انخلع فؤادي هلعا منه فعلوت شجرة باسقة لواذا من شره فما زال الأسد يدنو من صلة ابن أشيم وهو غارق في صلاته حتى أصبح على قيد خطوات منه فوالله ملتفت إليه ولا حفل به فلما سجد قلت الآن يفترس فلما نهض من سجوده وجلس وقف الأسد بإيزائه كأنه يتأمله فلما سلم نظر إلى الأسد في سكون وحرك شفتيه بكلام لم أسمعه فإذا بالأسد ينصرف عنه في هدوء ويعود من حيث جاء ولما انبلج الفجر نهض فأدى المكتوبة ثم طفق يحمد الله عز وجل بمحامد لم أسمع مثلها قط ثم قال اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار وهل يجترئ عبد خاطئ مثلي أن يسلك الجنة وما زال يكررها حتى بكى وأبكاني ثم رجع إلى الجيش دون أن يفطن له أحد وبدا لعيون القوم كأنه بات على الحشايا وعدت أنا في إثره وبي من سهر الليل وفتور الجسم وخوف الأسد ما الله به عليم ولقد كان صلة ابن أشيم إلى هذا كله لا يدع سانحة من سوانح الموعظة والتذكير إلا اغتنمها وكان أسلوبه في ذلك أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة فيستميل النفوس النافرة ويستلين القلوب القاسية من ذلك أنه كان يخرج إلى البرية في ظاهرة البصرة للخلوة والتعبد فكان التمر به طائفة من الشباب أرخت للصبا عنانة فتلهو وتلعب وتسرح وتمرح فكان يحييهم بأنس ويخاطبهم في رفق ويقول لهم ما تقولون في قوم أزمعوا سفرا لأمر عظيم غير أنهم كانوا في النهار يحيدون عن الطريق ليلهوا ويلعبوا وفي الليل يبيتون ليستريحوا فمتى ترونهم ينجزون رحلتهم ويبلغون غايتهم ودأب على قول ذلك المرة تتلوى المرة فلقيهم ذات مرة وقال لهم مقالته تلك فنهض شاب منهم وقال إنه والله ما يعني بذلك أحدا غيرنا فنحن بالنهار نلهو وبالليل ننام ثم انحاز الشاب عن رفاقه واتبع صلة ابن أشيما منذ ذلك اليوم وما زال في صحبته حتى أتاه اليقين ومن ذلك أيضا أنه كان يمضي ذات نهار في ثلة من أصحابه إلى غاية لهم فمر بهم شاب رائع الشباب ريان الصبا قد أطال إزاره حتى جعل يجره على الأرض جر الخيلا فهم أصحابه بالشاب وأرادوا أن يأخذوه بألسنتهم وأيديهم أخذا شديدا فقال لهم صلة دعوني أكفكم أمره ثم أقبل على الشاب وقال في رفق الأبي الشفيق ونبرة الصديق الحميم يا ابن أخي إن لي إليك حاجة فتوقف الفتا وقال ما هي يا عم فقال أن ترفع إزارك فإن ذلك أنقال ثوبك وأتقال ربك وأدنى لسنة نبيك فقال الفتا في خجل نعم ونعمة عين ثم بادر ورفع إزاره فقال صلة لأصحابه إن هذا أمثل مما أردتم ولو أنكم ضاربتموه وشاتمتموه لضاربكم وشاتمكم وأبقى إزاره مسدلا يمسح به الأرض ولقد جاءه مرة فتا من فتيان البصرة فقال علمني يا أبى الصهباء مما علمك الله فهش له صلة وبش وقال لقد أذكرتني يا ابن أخي ماضيا لا أنساه حيث كنت إذاك شابا مثلك فأتيت من بقي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت لهم علموني مما علمكم الله فقالوا لي اجعل القرآن عصمة نفسك وربيع قلبك وانتصح له وانصح المسلمين به وأكثر من دعاء الله عز وجل ما استطعت فقال له الفتا ادعو لي جزيت خيرا فقال رغبك الله تعالى فيما يبقى وزهدك فيما يفنى ووهب لك اليقين الذي تسكن إليه النفوس ويعول عليه في الدين ولقد كانت لصلة ابن أشيم ابنة عم تدعى معاذة العدوية وكانت هي الأخرى تابعية مثله حيث لقيت أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها وأخذت عنها ثم لقيها الحسن البصري نضر الله روحه وسمع منها وكانت تقية النقية عابدة زاهدة وكان من عادتها إذا أقبل عليها الليل أن تقول قد تكون هذه آخر ليلة لي فلا تنام حتى تصبح وإذا أقبل عليها النهار أن تقول قد يكون هذا آخر يوم لي فلا يطمئن لها جمب حتى تمسي وكانت تلبس رقيق الثياب في فصل الشتاء حتى يمنعها البرد من الركون إلى النوم ولنقطاع عن العبادة وكانت تحي الليل صلاة واقتراء فإذا غلبها النعاس قامت فجالت في الدار وهي تقول أمامك يا نفس نوم طويل غدا تطول رقدتك في القبر إما على حسرة وإما على سرور فاختاري يا معاذة لنفسك اليوم ما تحبين أن تكوني عليه غدا ولم يكن صلة ابن أشيم على الرغم من شدة عبادته وفرط زهادته ليرغب عن سنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه فخطب ابن تعمه معاذة لنفسه فلما كان يوم إهدائها إليه قام ابن أخ له بشأنه فمضى به إلى الحمام ثم أدخله عليها في بيت مطيب فلما صارى معا قام يصل الركعتين المسنونتين فقامت تصلي بصلاته وتقتدي به ثم اجتذبهما سحر الصلاة فمضى يصليان معا حتى برق الفجر فلما كانت الغدا جاءه ابن أخيه وقال يا عم لقد أهديت إليك ابنة عمك فقمت تصلي الليلة كله وتركتها فقال يا ابن أخي إنك أدخلتني أمس بيتا أذكرتني به النار ثم أدخلتني آخر أذكرتني به الجنة فما زالت فكرتي فيهما حتى أصبحت فقال الفتا وماذاك يا عم فقال لقد أدخلتني الحمام فأذكرني حره حر جهنم ثم أدخلتني بيت العرص فأذكرني طيبه طيب الجنة ولم يكن صلة ابن أشيما أوواها أووابا عابدا زاهدا فحسب وإنما كان إلى ذلك فارسا مجالدا وبطلا مجاهدا قل ما عرفت ساحات القتال كميا أشد منه بأسا أو أقوى نفسا أو أمضى سيفا حتى غدا قواد المسلمين يتنافسون في اجتذا به إليهم كل منهم يريد أن يضفر به في عسكره ليقطف بفضل شجاعته النصر الكبير الذي يطمح إليه روا جعفر بن زيد قال خرجنا في غزوة ومعنا صلة ابن أشيم وهشام ابن عامر فلما لقينا العدو انبرى صلة وصاحبه من صفوف المسلمين وأوغلى في جموع الأعداء طعنا بالرماح وضربا بالسيوف حتى أثر في مقدمة الجيش أبلغ الأثر فقال بعض قادة العدو لبعض رجلان من جند المسلمين أنزل بنا هذا كله فكيف لو قاتلونا جميعا انزلوا على حكم المسلمين ودينوا لهم بالطاعة وفي سنة ستين وسبعين للهجرة خرج صلة ابن أشيم في غزاة له مع جيوش المسلمين المتوجهة إلى بلاد ما وراء النهر وكان بصحبته ابن الله فلما التقى الجمعان وحمي وطيس المعركة قال صلة لابنه أي بني تقدم وجاهد أعداء الله حتى احتسبك عند الذي لا تضيع عنده الودائع فانطلق الفتا إلى قتال العدو كما ينطلق السهم عن القوس وما زال يقاتل حتى خر صريعا شهيدا فما كان من أبيه إلا أن مضى على إثره وظل يجاهد حتى ثوى شهيدا إلى جنبه فلما بلغ نعيهم البصرة اتجهت النساء إلى معادة العدوية ليواسينها فقالت لهم إن كنتن جئتن لتهنئتي فمرحبا بكن أما إذا كنتن قد جئتن لغير ذلك فرجعن وجزيتن خيرا نضر الله هذه الوجوه النبيلة الكريمة وجزاها عن الإسلام والمسلمين خيرا فما عرف تاريخ الإنسانية أتقى منها ولا أنقى تلقى صلة ابن أشيم عن جلة الصحابة واقتبس من خلالهم وتخلق بأخلاقهم الأصبهاني خير الغنم واقفا ومثالا تبع الرسول إذا سعى أو قالا كانوا هنا يسقون غيم حياتنا فما مو فينا ذكرهم يتعالا رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأنا