خلاصة مفاهيم أهل السنة قيم الأخلاق ثابتة الأخلاق قيم ثابتة لا تتغير بتغير الأحوال والظروف والأزمنة والأماكن فالعدل مثلاً قيمة ثابتة فهو واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وقل مثله في الصدق والأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام إلى آخر ذلك الأخلاق بين الإطلاق والتقييد ربما تطلق الأخلاق ويراد بها معنى عام ينقسم إلى الخلق مع الله والخلق مع النفس والخلق مع الناس فتدخل الأخلاق بهذا الاعتبار والمسمى في أبواب الدين كافة وقد تطلق الأخلاق ويقصد بها تعامل المرء مع الناس خاصة وهذا هو المفهوم الأشهر والمتبادر إلى الذهن وهو المقصود في هذا الباب العلاقة بين العبادة والبر وحسن الخلق كانت العبادة بمعناها الشامل كما عرفها ابن تيمية اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فلقد عرف البر بأنه اسم يطلق على كل خير وإحسان وفضل أو أنه كلمة جامعة لكل صفات الخير وقد قال الله تعالى ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وأتى المال على حبه ذوي القرب واليتام والمساكين وبن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وأتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأس والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون فذكر أركان الإيمان والإنفاق المستحب والواجب والصلاة والوفاء بالعهد والصبر فجمع البر بذلك بين العقيدة والعبادة والأخلاق وبهذا يتداخل البر أو يترادف مع العبادة بمعناها الشامل وحين سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم قال البر حسن الخلق رواه مسلم وهذا معنى خاص يقصر البر في مجال الأخلاق وهو قصر إضافي بلاغي مفاده أن حسن الخلق ركن عظيم من أركان البر لا أنه البر كله وذلك كما قال صلى الله عليه وسلم الحج عرفة ومراده أنه ركنه الأعظم لاقتصار الحج عليه فبان بهذا أن حسن الخلق ركن عظيم من أركان البر والعبادة بمعناها الشامل وكما يتداخل البر مع العبادة بمفهومها الشامل فهو يتداخل أيضا مع التقوى فبينهما عموم وخصوص فإذا اجتمع في الذكر توجه البر إلى فعل الطاعات وتوجهت التقوى إلى اتقاء المنهيات وإذا افترق شمل كل منهما الآخر تهذيب الكلام احرص على تهذيب كلامك في جميع أحوالك فالله سبحانه كنا عن الجماع بالملامسة في آيتين من آيات الأحكام رغم أن الأصل في الأحكام هو التصريح فقال تعالى في آيتين التيمم أولا مستم النساء حقيقة الصدق الصدق أوسع وأشمل من أن يقتصر على الصدق في الكلام بل يشمل أيضا الصدق في النوايا والإرادات والصدق في الأعمال فالعرب تقول حملوا على العدو حملة صادقة إذا كانت إرادتهم جازمة ثابتة ويقال فلان صادق الحب والمودة والحب عمل قلبي وليس كلاما وقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث زن العينين والأذنين والفرج يصدق ذلك أو يكذبه متفق عليه وهذه أعمال وليست كلاما الصديقية من جاء بالصدق وصدق به قال تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون والذي جاء بالصدق جاء بالصدق هو من صدق في أقواله وأعماله وأحواله وإراداته فمن كملت هذه الأمور لديه فقد بلغ أعلى مراتب الصدق فعمله يصدق قوله ونيته وإخلاصه يصدقان قوله وعمله وتلك هي الصديقية التي عرفت بأنها كمال لنقياد للرسول مع كمال الإخلاص للمرسل والصديق هو من علم الحق وعمل به ودع الناس إليه الصديقية أعلى من الشهادة في سبيل الله الصديقية حياة في سبيل الله وهي أصعب وأعلى من مرتبة الشهادة في سبيل الله لذا قدم الله عز وجل الصديقين على الشهداء عند ذكر الذين أنعم عليهم فقال الفرق بين الصدق والإخلاص الفرق بين الصدق والإخلاص في باب الاعتقاد هو أن الصدق ضده انتفاء إرادة وجه الله بالعمل أصلا كمن آمن أو صلى كاذبا وهذا هو النفاق القلبي أما الإخلاص فضده انتفاء إفراد الله بالإرادة والتوجه كمن آمن وصلى صارفا ذلك لأحد مع الله ومما يفرق به بين الصدق والإخلاص أيضا أن الصدق لا يختص بالاعتقاد فقط بل يكون أيضا في الأقوال وهو الأشهر والأعمال ولهذا فعلى قدر تحقيق المر لشعب الإيمان وأعماله يكون حظه من الصدق حتى يبلغ مرتبة الصديقية أما الإخلاص فإنه عمل قلبي محب وإنما يظهر منه على الجوارح آثاره فقط وعلى الرغم من ذلك فيمكن مع التوسع والتساهل التعبير بأحدهما أو ضده بدلا من الآخر أو ضده فيقال عن المنافق إنه غير مخلص لله كما يقال عن المشرك إنه كاذب في إيمانه الغموض ينافي الصدق الغموض وعدم الوضوح في التعامل بين المسلمين يؤدي آخر المطاف إلى مجانبة الصدق والوقوع في الكذب الصريح وهذا بدوره يسبب الفرقة وزوال اطمئنان القلوب ونزع البركة من المتعامل بالغموب قال صلى الله عليه وسلم البي عاني بالخيار ما لم يتفرق أو قال حتى يتفرق فإن صدق وبين بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما متفق عليه وهذا كما يكون في البيع ينسحب أيضا على سائر أبواب المعاملات من شراكة وإجارة ونكاح إلى آخر ذلك وتعاون في أي عمل مشترك دنيوي كان أو دينيا لا بد من الصدق والوضوح عند التعامل مع الآخرين وإلا فمن أراد أن يكتم شيئا فلا يتعامل مع الآخرين فيما يتعلق به وليجعله في نفسه بدلا من خداعهم والكذب عليهم كما أنه ينبغي ألا يطلع الأعداء من الكفار والمنافقين على أسرار المسلمين بحجة الصدق حب الخير للمسلمين وكارم الأخلاق حب الخير للمسلمين قال صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يحب لآخيه ما يحب لنفسه متفق عليه ومن لوازم هذا الحب أن يكره لهم ما يكرهه لنفسه وطهارة القلب من الحقد والغل والحسد لأحد من المسلمين وحب اجتماع كلمة المسلمين لا سي مجتمع كلمة الدعاة والمجاهدين لما في ذلك من الخير العميم على المسلمين كافة ونبذ التعصب والحزبية المقيتة وهذا فيما بين أهل السنة والجماعة المتفقين في الأصول وأين اختلفوا في بعض فروع المسائل فإن الاختلاف في ذلك ينبغي ألا يوجب خلافا وفرقة ومشاقة أما أهل البدع والأهواء فهم المتحزبون شيعا وهم أهل الفرقة والاختلاف وأهل السنة يفارقونهم ولا يوالونهم براءة لدينهم وحماية لأنفسهم من الزيغ والضلال وقد يحتاج أهل السنة في أحوال الاستضعاف أن يتحالفوا مع أهل البدع من أهل القبلة يريد اجتياح بلاد المسلمين وطمس الدين وهذا من الفقه المتين إصلاح ذات البين لإصلاح ذات البين شأن عظيم في باب مكارم الأخلاق قال الله تعالى يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين فجاء الأمر في الآية بإصلاح ذات البين محتفا بأمر عام من قبله بتقوى الله فاتقوا الله وأمر عام من بعده وأطيعوا الله ورسوله ثم أعقب ذلك تهيجا لمشاعر الإيمان في قلوب المؤمنين إن كنتم مؤمنين فجعل إصلاح ذات البين شرطا في تحقيق الإيمان صعوبة الإصلاح مع الظالم والجاهل الإصلاح مع الظالم والجاهل عزيز وعسير فالظالم لا يريد الحق كله وإنما يريد من المصلح ما يحقق منفعته ومصلحته فقط والجاهل يريد الحق ولكنه يسيء فهمه وتطبيقه فيرى المصلح عدوا للحق الأخوة في الله لا يمكن أن تجتمع القلوب إلا على منهج الله تعالى والأخوة في الله التي تصور إلى جانبها الأحقاد التاريخية أو الثارات القبلية أو الأطماع الشخصية والرايات العنصرية فهي نعمة الله التي تجعل المسلمين إخوانا يعتصمون بحبل الله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءا فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا التذلل للمؤمنين ليس في التذلل للمؤمنين مذلة ولا مهانة إنما هي أخوة الإسلام التي ترفع الحواجز وتزيل التكلف وتجعل المؤمن ذلولا لا ذليلا لأخيه المؤمن غير عصي عليه فهو هين لين ميسر مستجيب سمح ودود وهذه هي الذلة للمؤمنين التي ندب الله تعالى إليها فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين وقال صلى الله عليه وسلم إنما يحرم على النار كل هين لين قريب سهل المواساة المواساة باب جليل من أبواب مكارم الأخلاق فلنتعلم النواسي غيرنا ونسعى بتخفيف مصابهم حتى ونحن نعيش لحظاتنا العصيبة فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يعاني محنة التخفي من الكفار في الغار واسى أبا بكر رضي الله عنه وقال له لا تحزن إن الله معنا والمواساة تكون بالنفس والجاه والمال والعلم وطيب الكلام متى يحق تجاوز حرمة المسلم إنما يرعى الإسلام حرمات من يرعون الحرمات ولكنه لا يسمح أن تتخذ الحرمات متاريسة لمن ينتهكون الحرمات ويؤذون الطيبين ويفتنون المؤمنين ويرتكبون كل منكر وقد قال الله تعالى لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما النصح المسلمين النصح للمسلمين من مكارم الأخلاق وبه يكتمل الدين قال صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم رواه مسلم والنصح هو إخلاص المشورة ونصح فلانا أرشده إلى ما فيه صلاحه وحذره مما فيه ضرره وقد قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاه والنصح لكل مسلم متفق عليه ولكن للنصيحة آداب من أهمها أن تكون في السر وأن تكون بعلم وبيان وحجة وأن تكون بالرفق واللين وفي الوقت المناسب لها وأن يصبر الناصح على ما قد يلحقه من أذن بسببها الفرق بين النصيحة والتأنيب النصح إحسان للمنصوح يتضمن الرحمة به والشفقة عليه ويقصد به وجه الله عز وجل لذا لازم أن يكون في السر وبلطف أما من يؤنب من ينصحه ويفضحه على الملأ فهو يهينه بذلك وهذا تعيير له لا نصح وإهانة لا إكرام وفضح بدلا من الستر وقد يكون الحامل على ذلك انتصار الناصح لنفسه ممن يضمر له عداوة ويلبس ذلك ثوب النصح والديانة وعلامة ذلك أنه لو صدر من أحد من أحبابه مثل الفعل الذي يزعم بذل النصح بشأنه للآخر لم ينصح بل التمس له المعاذير بدلا من الفضح والتعيير وواجب النصح في السر لا يكون مع من يعلن فسقه ويدعو إليه فمثل هذا ينكر عليه علنا امتثالا للأمر بتغيير المنكر الفرق بين النصيحة لله والانتصار للنفس النصح لله عز وجل يتضمن الغضب له وتعظيم حرماته فالحمية فيه حمية لله القصد منها تعظيمه وتعظيم أمره سبحانه أما من يغضب لنفسه وينتصر لها فمراده تعظيم نفسه وطلب تفردها بالرياسة ونفاذ كلمته ولو عارض بها أمر الله وانتهى كحرماته فهذا حميته لنفسه وفوات حضوظها وأخطر ما يكون الأمر وأخفاه حين يلبس المر انتصاره لنفسه ثوب النصح لله والحمية له سبحانه كمن ينكر على أحد منكرى فإذا سبه المنصوح وأذاه في نفسه ثار عليه الناصح وهاج زاعمن الغضب لله من فعل المنكر وحقيقة الأمر انتصاره لنفسه حين سبت وأهينت ولهذا النصح المزعوم قراءن يُعرف بها منها أولا التشهير بالمنصوح وتعييره خاصة إذا كان المنصوح من أهل العلم والصلاح ثانيا التعدي على المنصوح وعدم إنصافه وبخصه حقه بإخفاء خيره وحسناته ثالثا تصيد الأخطاء والفرح بها والأخذ بالشائعات وعدم التثبت من الأمر رابعا تغريب سوء الظن واتهام النيات والمقاصد دون دليل أو برهان خامسا مداهنة الظالمين في حين أنه يهاجم المصلحين الذين يزعم نصحهم سادسا اشتهار المنتصر لنفسه بالكذب وقلة الورع الوفاء بالعهد الوفاء بالعهد خلق أصيل من أخلاق الإسلام ولا بد منه لإيجاد الثقة والطمأنينة في علاقات الأفراد بعضهم ببعض وكذلك العلاقات بين الجماعات والدول والأمم قال الله تعالى والموفون بعهدهم إذا عاهدوا فبغير الوفاء بالعهد يعيش الكل في فزع وقلق من الغدر فلا يطمئن لوعد ولا يثق بعهد ولذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغدر وقال لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة رواه مسلم وذكر صلى الله عليه وسلم الغدر من صفات المنافق فقال وإذا عاهد غدر متفق عليه والوفاء للناس بالعهد يقوم ابتداء على الوفاء بالعهد مع الله قال الله تعالى وبعهد الله أوفو وعهد الله هو توحيده واتباع رسوله والعمل بالطاعات واجتناب المعاصي فمن لا يفي بعهد الله لن يكون وفيا بعهده للناس والله سبحانه أمر بالوفاء بالعهد عامة سواء كان معه أو مع الناس وأوضح أن كل أحد مسؤول عن ذلك يوم القيامة وأوفو بالعهد إن العهد كان مسؤولا معنى العدل وأقسامه العدل هو الإنصاف والقصط وبه قامت السماوات والأرض ولأجله أرسل الله الرسول وأنزل الكتب قال الله تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقصط وينقسم العدل إلى ثلاثة أقسام أولا أعظم العدل وهو توحيد الله عز وجل ولهذا فقد عد الشرك ضلما عظيما يناف العدل قال تعالى إن الشرك لظلم عظيم وقال تعالى والكافرون هم الظالمون ثانيا العدل مع النفس وذلك بإلزامها بأمانة التكليف فيحملها المرء على الطاعات ويجنبها المعاصي والتقصير في ذلك ظلم للنفس لأنه يعرضها للمهلك والخسران في الآخرة قال تعالى ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله وقال عن صاحب الجنتين ودخل جنته وهو ظالم لنفسه وقال تعالى في تعظيم الأشهر الحرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ثالثا العدل مع الناس وذلك في جميع المعاملات معهم العدل مع الناس العدل مع الناس يكون في كل شيء ومع كل أحد وعلى كل حال فالعدل يكون في الأقوال والأفعال والمواقف والأحكام قال الله تعالى وأوفو الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فعدلوا فذكر العدل في الكيل والميزان وذلك فعل كما ذكر العدل في القول والعدل يكون مع كل أحد حتى ولو كان من الأعداء قال تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى كما يجب أن يكون العدل حتى لو كان الحق فيه على القريب أو الوالدين أو النفس يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين العدل مع الكفار العدل يكون حتى مع الكفار وذلك بأن تكون العلاقة معهم حسب أحوالهم فلا يساوى بين المسالم منهم والمحارب في المعاملة قال الله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون فعدم الولاء للكفار لا يقتضي عدم البر بالمسالم منهم خاصة إذا كان من الأقارب والأرحام وإذا كان البر بهم مندوبا إليه وجائزا فمن باب أولى التعامل معهم بالتجارة بيعا وشراءا وفي مجال العلوم الدنيوية شريطة ألا يكون في ذلك تقوية الاقتصاد الكفار المحاربين لكن البر بالمسالمين منهم لا يعني مداهنتهم ومحبتهم أو الخوف منهم وتعظيمهم وتقديمهم على المسلمين بل نحسن إليهم ونشفق عليهم من النار وندعوهم إلى الإسلام ونسأل الله لهم الهداية مع البراءة منهم ومن شركهم العدل في المناظرة دل مفهوم قول الله تعالى ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون على أن الإنسان كما يحب أن يستوفي حقه من الناس يجب عليه أن يوفيهم حقهم كاملا وذلك في الأمور كلها على السوا أموال ومعاملات وحجج ومقالات فينبغي على المحاور كما يحرص على بيان حجته وأدلته أن يبين لمحاوره ما يصلح أن يكون حجة له لو غفل عنه فيتناظران في تجرد وعدل وإخلاص بغية معرفة الحق وإدراكه العدل والتوازن في النقد والتقويم التقويم يشمل معنيين الأول بيان قيمة الشي والثاني تعديل الأمر غير المستقيم وتوجيه وينبغي للمرء إذا أراد أن يقوم شيئا وينقده أن يلتزم العدل في ذلك فلا يظلم المخالف حين ينقده بحيث ينشر كل معايبه ويضخمها ويبخس ما فيه من خير ويسيء الظن به وبقصده كما لا يبالغ في مدح من يوافق هواه والثناء عليه بحيث يبرر له كل أخطائه ويتغاضى عنها والموقف الوسط العدل في ذلك هو أن يتناول المرء من يريد تقويمه من فرد أو جماعة بالدراسة العادلة المتوازنة بلا إفراط في التفاؤل أو التشاؤم وفي الحب أو الكره وإنما يذكر ما في من ينقده من محاسنة ليقتدا بها وما فيه من مساوئ لتتجنب وتتلافا وينصح من فيه ذلك برفق ومودة من لوازم العدل مع المخالف حتى يتحقق العدل مع المخالف لا بد من التزام الآتي أولا الإخلاص لله عز وجل في نقد المخالف وقصد بيان الحق ثانيا الفقه بأنواع الخلاف ما يسوغ منه وما لا يسوغ ما كان منه في الفروع وما كان في الأصول إلى آخر ذلك ثالثا اجتناب تعظيم هفوات المخالف رابعا عدم إنكار أو إهمال محاسن المخالف فتشهد له بصوابه إذا أصاب في أمر ما وتراعي غلبة المحاسن إذا عظمت وكثرت بحيث تتلاشى في بحرها الهفوات خامسا إعذار المخالف بجهله أو اجتهاده أو تأوله أو قيام شبهة لديه وعدم قيام الحجة عليه والسعي لتبصيره في ذلك كله سادسا الموازنة بين المصلحة والمفسدة في نقد المخالف والتزام الحكمة والموعظة الحسنة في نقده وتبصيره بالحق الإنصاف في معالجة الأخطاء ينبغي لمن بلغه صدور خطأ من أي أحد أن يتعامل مع ذلك وفق ثلاث مراحل أولا أن يتثبت أولا من صدور الخطأ من المخطئ ثانيا إذا ثبت وقوع الخطأ يسأل المخطئ عن الحامل له على ذلك لعل لديه عذر شرعي لارتكابه أو أسباب وملابسات تخفف من جرم الخطأ قد قالت مريم رضي الله عنها حين جاءها المخاض يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا كلمات قالتها صديقة صالحة في لحظة ألم فما عُتبت على الكلمات في الأوقات الصعبة ثالثا إذا ثبت وقوع الخطأ ولم يكن ثم سبب مقنع لارتكابه أو وجد السبب لكنه لم يكن كافيا لمحو أثر الخطأ وجرمه انتقل إلى المرحلة الثالثة وهي مقابلة الخطأ بحسنات مرتكبه فقد ينغمر في بحر حسناته فيزول النقد أو الجزاء أو يخف وقد تجلت كل هذه المراحل في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع صنيع حاطب بن أبي بلتعى حين أرسل لكفار مكة يحذرهم من مجيء النبي صلى الله عليه وسلم وجيشه ويحضهم على الاستسلام له فقد ثبتت الواقعة بالوحي من الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وتلك أعلى درجات التثبت وعندها سأل الرسول صلى الله عليه وسلم حاطبا ما حملك على ما صنعت فلما أخبره أنه أراد أن يدفع بذلك عن أهله وماله بأن تكون له يد عندهم لأنه ليس له عشيرة مثل سائر أصحابه يدفع بها عنهم قال النبي صلى الله عليه وسلم حينها صدق ولا تقول إلا خيرا فعذره واغتفر له ذلك في مقابل كونه من أهل بدر وقال لعمر حين أراد أن يبطش به أليس من أهل بدر حل الله الطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم متفق عليه بين العدل والإحسان العدل أداء للحقوق كاملة موفرة سواء كانت لله أو للنفس أو لسائر الخلق وهذا هو القدر الواجب على المكلفين أما الإحسان فهو فضل وقدر زائد على العدل فالإحسان في عبادة الله أن تعبده كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك كما في حديث جبريل والإحسان في حق الخلق نفعهم بقدر زائد عن الواجب المستحق فالعدل فرض والإحسان فضل ولهذا جمع الله بينهما في الأمر فقال إن الله يأمر بالعدل والإحسان حثا للناس على الارتقاء من مقام الفرض إلى مقام الفضل ولذا فالمرء مندوب إلى المسامحة في بعض حقه خاصة مع الأقارب إيثارا لود القلوب وشفاءا لغل الصدور فالإحسان مندوب إليه على وجه العموم وبالأخص مع الأقارب وعلى رأسهم الوالدان ثم الأولاد والإخوان والأخوات ويتأكد طلب الإحسان في ثلاثة أمور أولا دعاء الله تعالى أن يعاملنا بفضله وإحسانه لا بعدله فلو عامل الله الخلق بموج بعدله لهلك الناس جميعا إذ لا توفي عبادتهم إياه حق شكر نعمه ولا بعضها ثانيا الإحسان إلى الوالدين فالله تعالى أمر به تجاههم لا مجرد العدل معهم وقرن ذلك بالأمر بتوحيده في العبادة مما يدل على عظم هذا الأمر قال تعالى وقضى ربك ألا تعبد إلا إياه وبالوالدين إحسانا ثالثا الإحسان في المعاشرة بين الزوجين حيث تقوم المعاملة بينهما على حسن العشرة لا مجرد العدل إذ لو تعامل الزوجان بالعدل دون الفضل وشحت نفساهما عن الإحسان لحمل كل واحد في نفسه على الآخر ولربما استحالت العشرة بينهما وما ذاك إلا لشدة المخالطة والملابسة بينهما مما لا بد فيه من تساهل وتسامح في عديد من الأمور اليسيرة المتكررة قال تعالى هن لباس لكم وأنتم لباس لهن وذلك يوجب المودة والسكن والرحمة والتغاضي والتغافل والمسامحة فيما بينهما قال تعالى ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة الأمانة تحقق الأمن ولطمئنان الأمانة خلق كريم ولازم لاستقرار المجتمعات ولا تستقيم حياة المجتمع المسلمي إلا بأن تؤدى فيه الأمانات وتراعى فيه العهود فعندها يطمئن كل فرد فيه إلى توفر الاستقرار للحياة المشتركة بين أفراد المجتمع وتسود الثقة بينهم وينتشر الأمن قال تعالى والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون وتحل الفرد المسلم بالأمانة في التعامل مع الناس مرتبط بالأمانة الكبرى التي حملها الإنسان على نفسه أعني أمانة التكليف بعبودية الله وحده وبالأوامر والنواه قال تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبينا أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا فهي ليست ترفا إذن ولا أمرا فاضلا مستحبا فحسب بل هي واجب وفرض على كل أحد رفع الأمانة آخر الزمان رغم أن الأمانة في الأصل مغروسة في الفطر لكونها نابعة من أمانة التكليف الذي حمله الإنسان على نفسه إلا أنها من الأخلاق التي ترفع من قلوب الناس آخر الزمان كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل جاء فيه إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم حدث عن رفع الأمانة فقال ينام الرجل النوم فتقبض الأمانة من قلبه فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا الحديث متفق عليه فليتمسك كل مسلم بأداء الأمانة وليحرص على أن يكون ممن يشار إليه بأدائها لينال فضلها ويسلم من وزر تركها الحلم والأناة ومعناهما الحلم والأناة صفتان يحبهم الله ورسوله كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس وهما ضد العجلة كما في الحديث عن أنس التأني من الله والعجلة من الشيطان رواه البيهقي وحسنه الألباني وقد ذم الله تعالى العجلة في كتابه فقال ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا والمقصود بالحلم والأناة عدم العجلة في الأمور قبل تبين وجه الرشد فيها للسلبية والتماوتى حتى يفوت الأمر ولهذا ينبغي أن يرافق الحلم والأناة عزيمة على تحقيق الرشد بعد تبينه حتى لا يفوت هذا الرشد وهذا هو مقتضى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد كما قال صلى الله عليه وسلم ودت في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة فمتى ما تبين وجه الخير والرشد في الأمر بادر المرء به ولم يسوف وقد اشتهر على الألسن خير البر عاجله معنى التواضع ومنبعه خلق التواضع يشمل التواضع للحق والتواضع للخلق ويضاد ذلك الكبر في الأمرين كما قال صلى الله عليه وسلم الكبر بطر الحق وغمط الناس أخرجه مسلم والتواضع للحق هو الاستسلام له وعدم معارضته بشبهات أو شهوات والتواضع للخلق ألا يرى لنفسه فضلا عليهم لا يحتقرهم ولا يتفاخر أو يتعالى عليهم وينبع التواضع من الجمع بين العلم بالله عز وجل ونعوت جلاله ومحبته وتعظيمه ومعرفة الإنسان نفسه وآفاتها فيتولد من ذلك التواضع الذي هو انكسار القلب لله وخفض جناح الذل والرحمة بعباده وهو خلق يعطيه الله لمن يحبه ويكرمه القصد في المشي قال تعالى حكاية عن قول لقمان لابنه وهو يعظه وقصد في مشيك وقد فسر ذلك بالتواضع في المشي من غير تباطئ ولا تماوت إذ القصد هو العدل الوسط بين طرفين فهو هنا المش المتواضع الوسط بين طرف التبختر والخيالاء وطرف التماوت والتكاسل ولعل من معاني القصد أيضا أن يقصد الإنسان في سيره إلى هدف صحيح ومن يسير قاصدا هدفا بعينه لا يتلكأ أو يتباطأ ولا يتخايل أو يتبختر إنما يمشي في بساطة وانطلاق بين ستر العورات وستر القلوب شرع الله اللباس لستر العورات والزينة قال تعالى يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ثم أعقب ذلك بقوله ولباس التقوى ذلك خير مما يشير إلى التلازم بين لباس الجسد ولباس التقوى فكلاهما لباس الأول يستر البدن ويزينه والثاني يستر القلب وينظفه فمن يكتسي قلبه بالتقوى يستحي من التعري ويستقبحه ومن يتعرى عن التقوى يسمح بتعري جسده وكشف سوءته ويتمادى في ذلك حتى يصير من الدعاة إلى كشف العورات وذلك انتكاس للفطرة السماحة والعفو التحلي بالسماحة يمنع استعلاء النفس ورغبتها في مقابلة الشر بالشر كما ينشر الهدوء والطمأنينة بين المتخاصمين فتنقلب الخصومة والعداوة إلى ولاية حميمة قال تعالى فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وهذا الخلق الرفيع لا يناله إلا الصابرون القادرون على العفو وهو منة وفضل من الله تعالى على من تحلى به قال تعالى وما يلقاها إلا الذين صبروا شروط المسامحة والعفو يشترط لمسامحة المعتدي ثلاثة أمور أولا أن تكون المسامحة قاصرة على حالات الإساءة الشخصية للعدوان على العقيدة وصد المؤمنين عنها فذلك يقتض الدفعة والمقاومة بكل صورة متاحة مباحة لا تغيير ذلك حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا ثانيا ألا تكون المسامحة في الأمور الشخصية عن ضعف من المسامح وعدم قدرة على استيفاء حقه وإلا كانت عجزا وخورا لا مسامحة وعفوا ولا يتحقق عندها المراد من أثرها المسامحة حينئذ ضعفا من المسامح ولن يردعه ذلك عن تكرار الإساءة وظلم المسامح وغيره من الناس أما إذا كان العفو عند المقدرة على مجازات السيئات بمثلها فسيكون له حينئذ وزنه ووقعه على إصلاح المعتدي والمسامح على حد سواء وسيرى خصمه الذي عفا عنه هو الأعلى والقوي الذي يعفو ستصفى نفسه وتزداد رقيا فالعفو عندئذ هو خير لكل الطرفين ثالثا ألا يكون المعتدي قد استمرأ العدوان على الناس فمثل هذا يزيده العفو تجبرا وعدوانا القوى والقصاص قال تعالى وجزاء سيئات سيئات مثلها فينبغي أن يعلم أن الذي ينتصر لنفسه من غير تجاوز وتعدي مأذون له في ذلك ولا سبيل عليه من لوم أو معاتبة أو عقوبة كما قال تعالى ما عليهم من سبيل ولكنه مندوب إلى العفو والمسامحة وذالك أفضل له وحسابه وأجره على الله كما صرحت به تتمة الآية الأولى فمن عفا وأصلحا فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين وما أعظم وأحلى أن يكون الأجر من الله الجواد الكريم وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمَنْعُ وَسَبِيلُ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ فَإِنَّ الْحَيَاتَ لَا تَسْتَقِيمُ وَفِيهَا ظَالِمٌ لَا يَمْنَعُهُ أَحَدٌ مِن ظُلْمِهِ وَبَغْيهِ قال تعالى إنَّمَ السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ والخلاصة أن الآيات السابقة تحقق الاعتدال والتوازن بين اتجاهي العفو والقصاص فلدينا ثلاث أحوال للعفو فضل وهو العفو عند المقدرة وعدل وهو رد الاعتداء بمثله وجور وهو رد الاعتداء بأشد منه والآيات تحرص على صيانة النفس من الحقد والغيظ ومن الضعف والذل ومن الجور والبغي وتعلق النفس بالسعي لرضى الله في كل حال معنى الصبر وأنواعه أصل الصبر في اللغة الحبس وكل من حبس شيئا فقد صبره وهو أنواع ثلاثة صبر على الطاعات وصبر عن المعاصي وصبر على أقدار الله فالصبر إذن هو حبس النفس على فرائض الله وطاعاته وحبسها عن محارم الله ومعصيته وحبسها عن الجزع والتسخط والشكوى من أقدار الله صبر الاختيار وصبر للطرار صبر الاختيار هو الذي توجد معه الصوارف الكثيرة عنه ومع هذا يختاره المرء ويقدمه على عكسه ويشمل الصبر على الطاعات والصبر عن المعاصي فمثاله في الطاعات الصيام حيث يحبس المرء فيه نفسه عن الطعام والشراب باختياره امتثالا للتكليف ورغبة في ثوابه ولهذا سمي شهر رمضان بشهر الصبر ومثاله في المعاصي صبر يوسف عليه السلام عن إتيان الفاحشة مع مرأة العزيز رغم كثرة الدواعي إليها أما صبر للطرار فهو الصبر على ما يصيب المرء من أقدار بغير اختياره فليس له إلا الصبر عليها ومثاله صبر يوسف عليه السلام على محنته في أذى إخوته له وفي السجن وصبر الاختيار أعظم أجرا من صبر للطرار لأنه صبر مع وجود الصوارف عنه وفي كل خير وأجر عظيم الصبر الجميل قال تعالى فاصبر صبرا جميلا والصبر الجميل هو الصبر الذي لا يخالطه شيء مما ينافي حقيقته فهو صبر لا ضجر فيه ولا ملل ولا شكوى لغير الله وهو صبر لا قلق فيه ولا شك في صدق الوعد من الله صبر راضي بقدر الله المدرك لحكمته سبحانه من الابتلاء الواثق بحسن العاقبة ونبي الله يعقوب عليه السلام قد تحلى بهذا الصبر الجميل حين امتحن في ولده يوسف عليه السلام وقال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون وعند امتحانه في ولده الثاني بعد سنوات عديدة قال فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم فأكد صبره بلجوءه إلى الله عز وجل ليثبته في محنته وقال والله المستعان على ما تصفون وتأكد صبره الجميل ثانيا بثباته على ثقته بوعد الله وإدراكه لحكمته سبحانه فقال عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم الصبر والشكوى إلى الله الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر وإنما ينافيه الشكوى إلى المخلوقين فنبي الله يعقوب عليه السلام مع صبره الجميل قال يا أسفى على يوسف ولما عتب في ذلك وقيل له تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ما يعين على الصبر أهم ما يعين العبد على الصبر هو أن يكون صبره بالله ولله ومع الله وهناك وسائل تعين على الصبر وتحققه أهمها أولا معرفة أسماء الله تعالى وصفاته العلى وتحقيق الإيمان بها فإن ذلك يثمر ثبات القلب ورباطة جأشه والصبر أمام الابتلاءات والمصائب وكيف لا يصبر من يدرك أن ربه رحيم لطيف حكيم عليم حنان منان ودود غفور إلى آخر ذلك فيفوض أمره إليه ويرضى بما يختاره الله له وليجعل صبره لله وبالله وفي أمر يحب الله الصبر فيه ثانيا توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها لتخف وتسهل إذا وقعت وأن يلوذ المر عندها بقول إنا لله وإنا إليه راجعون قال الله تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْئٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالْثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ثالثا ومما يقوّي الصبر أيضا يقيّن المر أن ما أصابه إما تكفير لخطايا أو لرفع درجته أو لتحصيل نعمة لا تنال إلا بالابتلاء ثمرة الصبر وجزاء الصابرين كما وطّنت آيات سورة البقرة السابقة النفوس على المصائب ودعت إلى الصبر عليها فقد بشّرت الصابرين فكانت البشارة أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون فالثمرة في الدنيا إذن هي نيل رحمة الله وهدايته سبحانه فيال الصبر من دواء عظيم تصير به المحنة منحة وينقلب الجزع والهلع رحمة وهداية وللصبر أيضا ثمرة عظيمة في الآخرة لا تدخل تحت حصر وعد قال تعالى إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب والتوفية إعطاء الشيء وافيا كاملا تاما والأجر من الله الثواب في الآخرة كما هو مصطلح القرآن وقوله بغير حساب أي لا يدخل تحت حصر ولا حد أو عد فهو أجر عظيم في الآخرة لا يدرك مقداره المدارات خلق محمود مأذون فيه وقد يجب في بعض الأحيان بخلاف المداهنة المحرمة فالمدارات أصلها مهموز من الدر أي الدفع برفق قال تعالى ويدرأون بالحسنة السيئة فالمدار يتلطف بصاحبه حتى يستخرج منه الحق أو يرده عن الباطل ويتنازل عن شيء من دنياه أو عرضه ليحافظ بذلك على دينه أو دنياه أو هما معا أما المداهنة فهي من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنة أي أن المداهنة يظهر خلاف ما يبطن أو المداهنة هي من اللين والمصانعة فيصانع المداهن من يداهنه ويتنازل عن شيء من معتقده أو يخفيه إرضاء له فهو يتلطف به مقرا له على الباطل ويتركه على هواه ويفعل ذلك ليحافظ على دنياه وفعله محرم كما قال تعالى فلا تطع المكذبين ودوا لو تدهنوا فيدهنون والخلاصة أن كل من المدارات والمداهنة يخضع لقاعدة سد الذرائع فما كان ذريعة لحفظ الدين وأهله فهو مدارات مأذون فيها وربما كانت واجبة وما كان ذريعة لثلم الدين ونقصه فهو مداهنة محرمة منهي عنها التثبت قبل اتخاذ المواقف وإصدار الأحكام التثبت خلق أصيل من أخلاق الإسلام وأظهر ما يكون التثبت في الأخبار والأمباء كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين وفي قراءة فتثبتوا ولكن التثبت لا يقتصر على ذلك فقط وإنما يكون في كل شيء الأخبار والظواهر والعلوم والنتائج والأحكام إلى آخر ذلك فلا يحكم على شيء بالظن كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم والحامل على هذا التثبت وعمومه في كل شيء هو قول الله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا فأمانة الجوارح والحواص والعقل والقلب هي أن لا تقضي إلا بما تعلم لأنها مسؤولة عن كل ما تصدره فينبغي أن لا يقول اللسان كلمة أو يروي حادثة ولا يحكم العقل حكما ولا يبرم الإنسان أمرا ولا يقف موقفا إلا بعد العلم والتثبت