بسم الله الرحمن الرحيم قصة مريم ابنة عمران عليه السلام اصطفاء الله لمريم ابنة عمران الله يصطفي من يشاء من عباده من الملائكة ومن الناس قال تعالى الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير وقال إن الله اصطفى آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ومن جملة من اصطفاهم الله عز وجل وفضلهم على العالمين مريم ابنة عمران عليه السلام قال تعالى وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين قال ابن جرير الطبري رحمه الله اختارك واجتباك لطاعته وما خصك به من كرامته وقال ابن كثير رحمه الله هذا اخبار من الله تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم عليه السلام عن أمر الله لهم بذلك أن الله قد اصطفاها أي اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس واصطفاها ثانيا مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين وقال السعدي رحمه الله الاصطفاء الأول يرجع إلى الصفات الحميدة والأفعال السديدة والاصطفاء الثاني يرجع إلى تفضيرها على سائر نساء العالمين إما على عالم زمانها أو مطلقا وإن شاركها أفراد من النساء في ذلك كخديجة وعائشة وفاطمة لم ينافل اصطفاء المذكور وقال الطاهر بن عاشور رحمه الله وتكرر فعل اصطفاك لأن الاصطفاء الأول اصطفاء ذاتي وهو جعلها منزها تنزكية والثاني بمعنى التفضيل على الغير فلذلك لم يعد الأول إلى متعلق وعدية الثاني ونساء العالمين نساء زمانها أو نساء سائر الأزمنة فالاصطفاء الأول لمريم عليه السلام يرجع إلى الصفات الحميدة والأفعال السديدة التي كانت تتصف بها وهذه صفات يمكن لكل فتاة طموحة محبة لمريم عليه السلام أن تقتدي بها فيها كالاقتداء بها في عبادتها وإخلاصها لله والاقتداء بها في سترها وعفتها وقهرها والله سبحانه وتعالى قد اصطفى هذه الأمة على سائر الأمم فكل من آمن بالله وما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم داخل في هذا الاصطفاء قال تعالى ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير قال ابن كثير رحمه الله يقول تعالى ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المصدق لما بين يديه من الكتب الذين اصطفينا من عبادنا ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع فقال تعالى فمنهم ظالم لنفسه وهو المفرط في فعل الواجبات المرتكب لبعض المحرمات ومنهم مقتصد وهو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض الواجبات يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله وهو الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات فأنت أيتها الفتاة المؤمنة الطموحة من أي المرات بالثلاث لقد فازت مريم بالرتبة الأولى وهي المسابقة إلى الخيرات لكثرة ملازمتها للعبادة فاصطفاها الله عز وجل فإذا أردت الفوز بمرتبة السابقين إلى الخيرات فطبقي ما قاله الأستاذ محمد رشيد رضا رحمه الله في بيان الرتبة الثالثة قال فالظالم لنفسه من يقصر في اتباع الكتاب ولو بترك بعض الفضائل والمقتصد من يترك ما نهي عنه ويفعل ما أمر به من الواجبات القاصرة على نفسه والسابق بالخيرات من يزيد على التقرب بالنوافل والتكمل بالفضائل والجمع بين التعلم والتعليم والتأدب والتأديب حتى يكون إماما للمتقين فهذه درجة المقربين من شهداء الله والصديقين وما قبلها درجة الصالحين من الأبرار أصحاب اليمين أما الاستفاء الثاني وهو تفضيلها على نساء العالمين فقد جاء في حديث أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام رواه البخاري وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول خير نسائها مريم ابنة عمران وخير نسائها خديجة رواه البخاري وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون رواه الترمذي فهذه أحاديث تدل على علو رتبة مريم عليه السلام على نساء العالمين قال ابن بطال رحمه الله وقوله واصطفاك على نساء العالمين يدل على تفضيلها على جميع نساء الدنيا لأن العالمين جمع عالم ألا ترى أن الله جعلها وبنها آية أن ولدت من غير فحل وهذا شيء لم يخص به غيرها من نساء الدنيا وجاءها جبريل ولم يأتي غيرها من النساء نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين قصة مريم ابنة عمران