بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ عليها السَّلام ولادةُ عيسَ ابنِ مَرْيَم مَرَّت مَرْيَمُ عليها السَّلامُ بِمَرَاحِلِ الحَمْلِ أَلَّتِي تَمُرُّ بِهَا كُلُّ مْرَآةِ وعاشَت آلامَ الحَمْلِ بِتَقَلُّبَاتِهِ الْمَعْرُوفَةِ لَدَ النِّسَاءِ وكانت مَرْيَمُ عليها السَّلام لأن لا يشعروا بحملها قال تعالى فحملته فانتبذت به مكاناً قصيا قال ابن جرير رحمه الله يقول فاعتزلت بالذي حملته وهو عيسى وتنحت به عن الناس مكاناً قصيا يقول مكاناً نائياً قاصياً عن الناس ابتعدت عن الناس حتى لا تبدأ المواجهة معهم قبل الولادة لأن الناس لا يعلمون حقيقة هذا الحمل وأنه آية من آيات الله حتى تلد ثم يقضي الله في الأمر فهي آمنت بكلام الله وصدقت به فلا بد أن يقضي الله لها في أمرها مع الناس وهذا دليل حكمتها في التعامل مع هذا الحدث العظيم والصعب وفي هذا عبرة لكل امرأة أن لا تستعجل مواجهة الناس بما تمر به من أحداث ليس لها فيها يد وخاصة ما يتعلق بحياتها الزوجية لعل الله أن يحدث أمر لم يخطر لها على بال ومثاله الطلاق فقد تطلق المرأة وهي غير راغبة في ذلك فلا تستعجل في نشر الخبر بين الناس وخاصة من لا يعنيهم الأمر فيشاع بين الناس أنها مطلقة وهذا قد يؤذيها نفسيا وتتألم بسبب كلام الناس ثم يحدث الله لها أمر آخر فترجع إلى زوجها قال تعالى يا أيها النبي إذا طلقتموا النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصل عدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا وهذه الآية تعطي الأمل لكل مرأة مطلقة في أن ترجع إلى حياتها الزوجية أحسن مما كانت فلا تستعجلي أخت الكريمة في مواجهة الناس بموضوعاتك الخاصة حتى لا يزيدوك هما على همك لقد اعتزلت مريم الناس وبتعدت عنهم كثيرا لما دنا موعد الولادة كما قال تعالى فحملته فانتبذت به مكانا قصيا قال الشنقيطي رحمه الله وهذا المكان القصي قد وصفه الله تعالى في غير هذا الموضع بقوله وجعلنا ابن مريم وأمه آية وأويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين لقد اختار الله لها مكانا مباركا يناسب وضعها القادمة من الولادة والنفاس قال ابن جرير الطبري رحمه الله وقوله وأويناهما إلى ربوة يقول وضممناهما وصيرناهما إلى ربوة يقال أوى فلان إلى موضع كذا فهو يأوي إليه إذا صار إلي وعلى مثال أفعلته فهو يؤوي وقوله إلى ربوة يعني إلى مكان مرتفع من الأرض على ما حوله وقال ابن كثير رحمه الله قال الضحاق عن ابن عباس الربوة المكان المرتفع من الأرض وهو أحسن ما يكون فيه النبات وقال ابن عطية رحمه الله ومعنى الآية أنها من البقاع التي كملت خصالها فهي أهل أن يستقر فيها وقد يمكن أن يستقر على الكمال في البقاع التي ماؤها آبار فبيّن بعد أن ماء هذه الربوة يرى معينا جاريا على وجه الأرض قاله ابن عباس وهذا كمال الكمال والمعين الظاهر الجري للعين فالمي مزايدة وهو الذي يعاين جريه لا كالبئر ونحوه فاختيار الله وتوفيقه لها في مكان الولادة آية مشعرة بأن التوفيق والعناية الربانية مصاحبة لها حتى بعد الولادة ومواجهة الناس ثم بدأت آلام المخاض وهي في هذا المكان البعيد عن الناس وحيدة لا معين لها في الولادة ولا تعرف من آلام الولادة وأهوالها قبل ذلك ولا كيف تتصرف فاستندت إلى جذع نخلة في تلك الربوة قال تعالى واصفا حالها فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قال ابن كثير رحمه الله أي فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع النخلة كل مرأة جربت الولادة تعرف آلام الطلق ولكن ما مرت به مريم عليه السلام أصعب مما مرت به كل مرأة نعم تتفاوت آلام الطلق بين مرأة وأخرى ولكن هن يشتركن في الفرح بعد الولادة بالمولود فينسين آلام الطلق إلا مريم عليه السلام فإنها كانت تعاني من آلام نفسية تجمعت عليها مع آلام الطلق ولادة من غير زواج وتاريخ لأسرة كلها أهل اصطفاء من الله وخير وصلاح وكفير من الأنبياء ومجاورة لبيت المقدس فكيف ستواجه الناس وماذا ستقول لهم وكيف يصدقونها ويدلك على هذه الآلام قولها يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا قال ابن جرير الطبري رحمه الله ذكر أنها قالت ذلك في حال الطلق استحياء من الناس وقال ابن كثير رحمه الله وقوله تعالى اخبارا عنها قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد ولا يصدقونها في خبرها وبعدما كانت عندهم عابدة الناسكة فقالت يا ليتني مت قبل هذا أي قبل هذا الحال وكنت نسيا منسيا أي لم أخلق ولم أكو شيئا قاله ابن عباس وقال السدي قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس يا ليتني مت قبل هذا هذا الكرب الذي أنا فيه والحزن بولادة المولود من غير بعل وقال الشنقيطي رحمه الله وقوله في هذه الآية الكريمة عنها وكنت نسيا منسيا النسي والنسي بالكسر وبالفتح هو ما من حقه أن يطرح وينسى لحقارته كخرق الحيض كالعصى والعصى ونحو ذلك ومن كلام العرب إذا ارتحلوا عن الدار قولهم انظرو أنساءكم جمع نسي أي الأشياء الحقيرة التي من شأنها أن تترك وتنسى كالعصى والوتد ونحو ذلك فقولها وكنت نسيا أي شيئا تافها حقيرا من حقه أن يترك وقولها منسيا تعني أن ذلك الشي التافه الذي من عادته أن يترك وينسى قد نسي وطرح بالفعل فوجد فيه النسيان الذي هو حقه هل تخيلت الآن أختي الكريمة حجم الابتلاء الذي مرت به مريم عليه السلام حتى تمنت الموت هل استشعرت درجة العفاف في نفس مريم حتى قالت ما قالت إن المرأة العفيفة تتمنى الموت على أن تخدش عفتها إن العفاف خلق هو أعلى أخلاق المرأة وإليه ترجع كثير من أخلاقها وترتبط به ارتباط وثيقا لا تنفك عنه أبدا إن عفاف المرأة يتجلى في لباسها ومشيها وكلامها ونظراتها وزينتها وقرارها في بيتها وابتعادها عن الاختلاق بالرجال في كل ميادين الحياة إن العفاف هو جوهر حياة المرأة ومتى ما خدش سقط الجوهر وبقي الجسد بلا روح ولا رونق نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين