بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عمر بن أميّة الضمري رضي الله عنه كانت السنة الخامسة للهجرة من أشد السنوات بأسا في الحرب الدائرة بين المشركين ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أن قريشا جن جنونها حين رأت كفة المسلمين ترجح عليها في كل يوم وأن الحرب غدت بالنسبة لها حرب بقاء أو فناء فجردت للقضاء على الرسول صلوات الله وسلامه عليه كل سلاح بما في ذلك الاغتيال والغدر ولم يكن المسلمون غافلين عن كيد قريش ولا أقل منها ضراوة وبأس وقد كان للعيون والفدائيين في كل المعسكرين شأن أي شأن وفي ذات يوم وقف الرسول صلوات الله وسلامه عليه في خواص أصحابه وقال من يذهب إلى مكة متخفيا ويحدث في القوم أثرا تذكره العرب ويأتينا بما جد عندهم من أخبار فقام إليه عمر بن أميّة الضمري وقال أنا يا رسول الله فانبسطت أسارير الرسول صلى الله عليه وسلم وقال أنت لها يا أبا أميّة كان عمر بن أميّة الضمري من أنجاد العرب المعدودين جري القلب ذكيّ الفؤاد شديد المرة حاضر البديهة فما من عقدة إلا لها عنده حل وما من حرج إلا له عنده مخرج من ذلك مثلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعثه برسالة إلى النجاشي ملك الحبشة وكان النجاشي يؤو المسلمين ويحميهم فلما أذن له بالدخول عليه مع الداخلين وجد أن سقف الباب المفضي إلى إيوان الملك قد جعل منخفضا كثيرا حتى لا يدخل منه أحد إلا وهو راقع إعظاما للملك فلما غدا قبالة الباب انفتل ودخل على عقبه فشق ذلك على القوم وهمّوا به فقال النجاشي ما منعك أن تدخل كما يدخل الناس فقال لأننا معشر المسلمين قد نهينا عن أن نركع لغير الله فقبل اعتذاره وبإيجاز فقد كان عمر بن أمية أليق الناس بهذه المهمة التي ندب إليها نفسه لولا عيب واحد فيه هو أن أهل مكة جميعا كانوا يعرفونه لا بسيماه فحسب وإنما بصوته ومشيته أيضا أمد الرسول صلوات الله وسلامه عليه عمرا برجل من الأنصار فمضى هو وصاحبه قاصدين معاقل الشرك في مكة وجعل يواصلان السير في الليل ويكمنان في النهار بشية أن تراهما عين من عيون قريش وكان يمنيان نفسيهما بأن يأتي بأبي سفيان بن حرب إلى المدينة قتيلا أو أسيرا فلما غدوا قريبين من مكة ارتبطا جملهما في شعب من شعابها البعيدة ودخلها متلفعين بأرديات الظلام قاصدين منزل أبي سفيان بن حرب فقال الأنصاري لعمر يا أباء مية ليتنا نطوف بالبيت ونصلي ركعتين ثم نمضي لشأننا فقد يكون هذا آخر العهد بالبيت فقال له عمر إن من عادة قريش إذا تعشوا أن يجلسوا في أفنية بيوتهم وأكثرها مطل على الكعبة والقوم في حالة حرب وهم متيقظون لكل طارق فقال له الأنصاري متوسلا عزمت عليك أن تفعل ولن يصيبنا شر إن شاء الله فلان له عمر ومضي إلى البيت فطاف به سبعة وصل يا ركعتين في الحجر ثم خرج لشأنهما الذي قدمى من أجله قال عمر فما إن أتممنا ركعتين حتى رأيت رجلا يحديق بي في العتمة فلما عرفني قال عمر بن أمية والله ما قدم مكة إلا لشر وأطلق صوته يستصرخ الناس فقلت لصاحبي أن نجاء أن نجاء فإن القوم قد نذروا بنا وإنهم والله إن يضفروا بنا يجعلوا خشبتي صلبنا إلى جانب خشبة خبيب ومضينا مصعدين في الجبل فإذا القوم قد خرجوا في طلبنا مسرعين وكنت أعرف الناس بشعاب مكة فما زلنا نخرج من شعب وندخل في آخر حتى أضاعونا ويأيسوا منا وعادوا أدراجهم دخلت أنا وصاحبي كهفا في ذروة الجبل وبتنا فيه ليلتنا تلك فلما أصبحنا رأينا قريبا من الكهف رجلا يرعى حصانا له فلزمنا مكاننا وسكننا عن الحركة لكي لا يشعر بنا لكنه ما لبث أن أقبل على الكهف وهم بدخوله فقلت في نفسي إن هو رأانا صاح بأعلى صوته مؤذنا قريشا بمكاننا وكان معي خنجر فوثبت عليه وأغمدته في ثديه فصاح صيحة رددت صداها الشعاب فغدت صيحات فما هو إلا قليل حتى رأيت الناس يزحفون نحو مصدر الصوت فعدت إلى مكاني في الكهف وسكنت إلى جانب صاحبي فلما أدركوا صاحبهم وجدوه في آخر رمق فقالوا له من ضربك فقال عمر بن أمية فقالوا أين هو فعاجله الموت قبل أن يدل لهم علينا وعلى الرغم من أننا كنا قابق وسين منهم أو أقل نسمع ما يقولون ونبصر ما يصنعون فإنه لم يخطر لأي منهم أن يلج علينا الكهف وإن من طلقوا يبحثون عننا وراء ذلك فلما لم يقفوا لنا على أثر احتملوا صاحبهم ومضوا به إلى مكة لبثت أنا وصاحبي في الكهف سحابة ذلك النهار فلما جن علينا الليل قلت له أن نجاء أن نجاء فإن عيون القوم تنفض الأرض نفضا بحثا عننا فلما أخذنا في طريق المدينة تذكرت خبيبا وكان المشركون قد ظفروا به وقتلوه وصلبوه على خشبة في ظاهر مكة وأقاموا عليه حرسا ليراه الناس صباح مساء فقلت والله لأن تزعنه منهم ولأوارينه فجعلنا طريقنا على المكان الذي أقيم فيه فلما دنونا من الحرس قال أحدهم والله ما رأيت مشية أشبه بمشية عمر بن أمية قبل هذه الليلة ولولا أنه أصبح في المدينة لقلت إنه هو فتصاممت عن مقالته كأنها لا تعنيني ومضيت في اتجاه خشبة الصلب فلما حاذيتها وثبت عليها واقتلعتها من مكانها وحملتها على عاتقي وانطلقت بها أعدو عدوى فلحق بي الحرس وما زالوا يطردونني حتى بلغت جروفا تحته مسيل ماء عظيم فألقيت خبيبا فيه فكف الحرس عني وانعطفوا إليه ليخرجوه منه فغيبه الله عنهم فلم يجدوه ثم مضيت أنا وصاحبي حتى أوينا إلى غار في جبل صحنان فبينما نحن فيه إذ دخل علينا كهل أعور فسلم ثم التفت إليه وقال ممن الرجل فقلت من بني بكر فممن أنت قال من بني بكر أيضا فقلت مرحبا ثم إنه ما لبث أني الطجع ورفع صوته بالغناء فقال ولست بمسلم ما دمت حيا ولا دان لدين المسلمين فقلت له في نفسي ستعلم ثم أمهلته فلما نام أخذت قوسي فجعلت أحد طرفيها في عينه الصحيحة وتحاملت عليها بثقلي كله حتى بلغت منه العظم ثم أيقظت صاحبي وقلت أن نجاء أن نجاء فقد أحدثت أمرا ومضينا منطلقين نحو المدينة فلما هبطنا النقيع على بعد ليلتين من يثرب إذا نحن برجلين من المشركين بعثتهما قريش ليتحسس أخبار المسلمين فوترت قوسي وقلت استأسر فأبي فرميت أحدهما بسهم فخر صريعة واستأسر الثاني فأوثقته رباطا وقدمت به على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ما معه من أسرار وأخبار فلما رآنا الرسول عليه الصلاة والسلام أسفر وجهه وفتر ثغره وقال أفلحت الوجوه ثم جعل يسألني عن خبرنا وطفقت أقص عليه وهو يضحك