بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله أبو مسلم الخولاني رحمه الله طارت الأخبار في جزيرة العرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثقل عليه المرض بعد عودته من حجة الوداع فسول الشيطان للأسود العنسي أن يعود للكفر بعد الإيمان وأن يفتري على الله الكذب فيزعم لقومه في اليمن أنه نبي مرسل من عند الله كان الأسود العنسي رجلاً شديداً مرة قوي البنية أسود النفس مستطير الشر قد أتقن الكهانة في الجاهلية وحذق الشعب ذت على الناس وكان إلى ذلك فصيح اللسان رائع البيان ذكي الفؤاد قادراً على اللعب بعقول العامة بأباطيله وكسب ولاء الخاصة بهباته وعطاياه وكان لا يظهر للناس إلا مقنعاً بقناع أسود ليحيط نفسه بهالة من الغموض والهيبة وقد انتشرت دعوة الأسود العنسي في اليمن انتشار النار في الهشيم وقد ساعده على ذلك اتباع قبيلته من بني مذهج له وكانت يومئذ من أكثر قبائل اليمن عدداً وأوسعها نفوذاً وأشدها بأساً كما ساعدته على ذلك قدرته على اختراع الكذب وتلفيقه واستعانته بالأذكياء من أتباعه على ذلك فقد زعم للناس أن ملكاً من السماء ينزل عليه بالوحي ويخبره بالمغيبات وسلك لإقناع الناس بصحة زعمه هذا مسالك شتى فكان يبث عيونه في كل مكان ليقفوا له على شؤون الناس وشجونهم ويكشفوا عن أسرارهم وأخبارهم وينفذوا إلى ما يعتلج في خبايا نفوسهم من الأمال والآلام وكانوا في الوقت نفسه شغرون هؤلاء الناس باللجوء إليه وطلب العون منه فكانوا إذا جاؤوا واجه كل الذي حاجة بحاجته وبدأ كل صاحب مشكلة بمشكلته وأراهم أنه مطلع على ما خفي من أسرارهم واقف على ما استتر من خبايا نفوسهم وأتى أمامهم من العجائب والغراء بما يذهل عقولهم ويحير ألبابهم فما لبث أنعظم أمره واستقارت جهرته وكثر أتباعه فوثب بهم على صنعاء ثم وثب من صنعاء على المناطق الأخرى حتى دانت له البلاد الواقعة ما بين حضر موت والطائف وما بين البحرين وعدا ولما استتب الأمر للأسود العنسي ودانت له البلاد والعباد نشط في تتبع معارضيه ومن من آتاهم الله إيمانا راسخا بدينه القويم ويقينا ثابتا بنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم وولاء صادقا لله ولرسوله وجهرا بالحق وتصديا للباطل فجعل يبطش بهم في قسوة قاسية وينزل بهم أشد النكال وكان في طليعة هؤلاء عبد الله بن ثوب المكنى بأبي مسلم الخولاني كان أبو مسلم الخولاني رجلا صلبا في دينه قويا في إيمانه عنيدا في الجهر بالحق قد أخلص نفسه لله فأعرض عن الدنيا وزينتها وزهد في زخر في العيش ومتاعه ونذر حياته لطاعة الله والدعوة إليه وباع الفانية بالباقية بيع السماح فآحله الناس من نفوسهم منزلة رفيعة ورأوا فيه رجلا طاهر النفس والنفس مستجاب الدعوة عند الله وقد أراد الأسود العنسي أن يبطش بأبي مسلم بطشة جبارة تبث الهلع والجزع في نفوس معارض دعوته في السر والعلن وتقمعهم قمعا فأمر بالحطب بأن يكدس في ساحة من ساحات صنعاء وأن تضرم فيه النار ودع الناس إلى أن يشهد استتابة فقيه اليمن وعابدها أبي مسلم الخولاني وإقراره بنبوته وفي الوقت المحدد أقبل الأسود العنسي على الساحة التي اكتضت بالناس اكتضاضا وكان يحف به طواغيته وكبار أتباعه ويحوطه حرسه وقادة جنده فجلس على كرسيه العظيم الذي نصب له قبالة النار وقيد إليه أبو مسلم الخولاني على مرء من الناس ومسمع فلما صار بين يديه نظر إليه الطاغية الكذاب في خيلا ثم نظر إلى النار التي تتأجج أمامه في ضراوة ثم التفت إليه وقال أتشهد أن محمد رسول الله قال نعم أشهد أنه عبد الله ورسوله وأنه سيد المرسلين وأنه خاتم النبيين أيضا فقطب الأسود العنسي وجهه وزم حاجبيه وقال وتشهد أني رسول الله فقال إن في أذني صمما فلا أسمع ما تقول فقال الأسود إذن أقذفك في هذه النار فقال أبو مسلم إن فعلت اتقيت بهذه النار التي وقودها الحطب نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاض شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون فقال الأسود لن أعجل عليك وسأوتيح لك الفرصة لتراجع عقلك ثم أعاد عليه السؤال فقال أتشهد أن محمد رسول الله فقال نعم أشهد أنه عبد الله ورسوله وأنه أرسله بدين الهدى والحق وختم برسالته الرسالات فازداد الأسود حنقا وقال وتشهد أني رسول الله فقال أبو مسلم أما أخبرتك أن في أذني صمما فلا أسمع مقالتك هذه فاستشاط الأسود العنسي غيظا من صرامة إجابته وهدوء نفسه وسكينة جواره وهم بأن يأمر به فيلقى في النار عند ذلك تقدم منه كبير طواغيته وهمس في أذنيه قائلا إن الرجل كما عرفت طاهر النفس مستجاب الدعوة وإن الله لن يخذل مؤمنا لم يخذله في ساعة من ساعات الشدة وإنك إن ألقيته في النار ونجاه الله منها هدمت كل ما بنيته في لحظة واحدة ودفعت الناس إلى الكفر بنبوتك دفعا وإن أحرقته النار إزداد الناس به إعجابا وله إكبارا ورفعوه إلى مصاف في الشهداء فمن عليه بإطلاق سراحه ونفه من البلاد وأرح منه واسترح فأخذ الأسود بمشورة طاغوته وأمره بمغادرة البلاد لساعته يمم أبو مسلم الخولاني وجهه شطر المدينة كان يمني نفسه بلقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو قد آمن به قبل أن تكتحل عيناه برؤيته وتفرح نفسه بصحبته لكنه ما كاد يبلغ حواش يثرب حتى بلغه نعي النبي صلوات الله وسلامه عليه وقيام أبي بكر الصديق على خلافة المسلمين من بعده فحزن على وفاة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حزنا خالط سويداء قلبه بلغ أبو مسلم المدينة وقصد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أقبل على المسجد عقل ناقته قريبا من بابه ودخل إلى الحرم النبوي الشريف وسلم على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ثم وقف إلى سارية من سوار المسجد وجعل يصلي فلما فرغ من صلاته توجه نحوه عمر بن الخطاب حتى صار أمامه وقال له ممن الرجل فقال من اليمن فقال ما فعل الله بصاحبنا الذي سجر له عدو الله النار فأنجاه الله منها فقال هو بخير من الله ونعمه فقال عمر نشدتك الله ألسته فقال بلى فقبل عمر ما بين عينيه وقال أتدري ما فعل الله بعدو الله وعدوك فقال كلا فقد انقطعت أخباره عني منذ غادرت اليمن فقال قتله الله على أيدي البقية الباقية من المؤمنين الصادقين وأدال دولته ورد أتباعه إلى دين الله فقال الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى قرت عيني بمصرعه وعودت المخدوعين من أهل اليمن إلى أكناف الإسلام فقال له عمر وأنا أحمد الله الذي أراني في أمة محمد من فعل به كما فعل بخليل الرحمن أبينا إبراهيم عليه السلام ثم أخذه من يده ومضى به إلى أبي بكر فلما دخل عليه سلم عليه بالخلافة وبايعه فأجلسه الصديق بينه وبين عمر وطفق الشيخان يستعيدان مع أبي مسلم خبره مع الأسود العنسي أقام أبو مسلم الخولاني زمنا في المدينة المنورة لزم خلاله مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ما شاء الله أن يصلي في روضته المطهرة وأخذ ما وسعه الأخذ عن جلة الصحابة من أمثال أبي عبيدة بن الجراح وأبي ذرن الغفاري وعبادة بن الصامت ومعاذ بن جبل وعوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنهم أجمعين ثم بدى لأبي مسلم أن يرحل إلى بلاد الشام وأن يتخذها له مقاما وكانت غايته من ذلك أن يكون قريبا من الثغور الشامية ليشارك جيوش المسلمين في غزو الروم ويفوز بأجر المرابطة في سبيل الله ولما آلت الخلافة إلى أمير المؤمنين معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه أكثر أبو مسلم من التردد عليه وشهود مجالسه فكانت له معه مواقف مذكورة مشهورة تشهد للرجلين بسمو المنزلة وتنبئ عما يتحليان به من جليل الشمائل من ذلك أن أبا مسلم دخل على معاوية رضي الله عنه فرآه يتصدر مجلسا من مجالسه العامرة وقد حف به رجال دولته وقادة جيشه ووجوه قومه ورأى الناس يبالغون في إعظامه وإجلاله فخشي عليه من ذلك أشد الخشية وبادره قائلا السلام عليك يا أجير المؤمنين فالتفت إليه الناس وقالوا أمير المؤمنين يا أبا مسلم فلم يأبه لهم وقال السلام عليك يا أجير المؤمنين فقال الناس أمير المؤمنين يا أبا مسلم فلم يعرهم سمعه ولم يرم نحوهم بطرفه وقال وقال السلام عليك يا أجير المؤمنين فلما هم الناس بمراجعته التفت إليهم معاوية وقال دعو أبا مسلم فهو أعلم بما يقول فما لأبو مسلم إلى معاوية وقال له إنما مثلك بعد أن ولاك الله أمر الناس كمثل من استأجر أجيرا وأوكل إليه أمر غنمه وجعل له الأجر على أن يحسن رعيها ويحفظ أبدانها ويوفر أصوافها وألبانها فإن هو قام بما عهد إليه حتى تكبر الصغيرة وتسمن العجفاء وتصح السقيمة أعطاه أجره وزاده وإن هو لم يحسن رعيها وغفل عنها حتى هلكت عجافها وهزلت سمانها وضاعت أصوافها وألبانها منع الأجر عنه وغضب عليه وعاقبه فاختر لنفسك ما فيه خيرك وأجرك فرفع معاوية رأسه وكان مطرقا إلى الأرض وقال جزاك الله عننا وعن الرعية خيرا يا أبا مسلم فما علمناك إلا ناصحا لله ولرسوله ولعامة المسلمين وشهد أبو مسلم صلاة الجمعة في جامع دمشق وكان أمير المؤمنين معاوية يخطب الناس ويذكر لهم ما أمر به من كري نهر بردا حتى تصفو لهم مشاربه فناداه أبو مسلم من بين الجموع وقال تذكر يا معاوية أنك هامة اليوم أو غد فإن جئتها بشيء كان لك فيها شيء وإن جئتها صفر اليدين وجدتها قاعا صفصفا وإني أعيذك بالله يا معاوية أن تظن أن الخلافة كري الأنهار وجمع الأموال وإنما الخلافة عمل بالحق وقول بالمعدلة يا معاوية إنا لا نبالي بكدر الأنهار إذا صفت رأس عيننا وإنك رأس عيننا فاجتهد في أن تظل صافيا يا معاوية إنك إن تحف على رجل واحد يذهب حيفك عليه بعدلك فإياك والظلم رأىها أبو مسلم من كلامه نزل إليه معاوية عن المنبر وأقبل عليه وقال يرحمك الله يا أبا مسلم ويجزيك عنا خير الجزاء وفي مرة أخرى صعد معاوية المنبر وشرع في خطبته وكان قد حبس عن الناس عطاياهم شهرين فناداه أبو مسلم وقال يا معاوية إن هذا المال ليس بمالك ولا مال أبيك وأمك فبأي حق تحبسه عن الناس فبدى الغضب على وجه معاوية وجعل الناس يترقبون ما عسى أن يكون منه فما كان منه إلا أن أشار إلى الناس أن امكثوا في أماكنكم ولا تبرحوها ثم نزل عن المنبر وتوضى على نفسه شيئا من الماء ثم صعد المنبر فحمد الله عز وجل وأثنى عليه بما هو أهله وقال إن أبا مسلم قد ذكر أن هذا المال ليس بمالي ولا مال أبي وأمي وقد صدق أبو مسلم فيما قال وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الغضب من الشيطان والشيطان من النار والماء يطفئ النار فإذا غضب أحدكم فليغتسل أيها الناس أغدوا على أعطياتكم على بركة الله عز وجل جزى الله أبا مسلم الخولاني خير الجزاء فقد كان مثلا فذا في الصدع بكلمة الحق ورضي الله أبن أبي سفيان أجزل الرضا فقد كان نموذجا رائعا في الانصياع لكلمة الحق وما أحسن قول القائل أقلوا عليهم لا أبل لأبيكم من اللوم أو سد المكان الذي سدوا لقد تفان أبو مسلم في العبادة حتى صار يقوم لو رأيت الجنة عيانا ما كان عندي مستزاد عثمان بن أبي عاتك رحلوا وألقوا في الضمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأنا