بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ عَلَيْهَا السَّلَامِ آيَةٌ لِّلْعَالَمِينِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد مريم ابنة عمران هي المرأة الوحيدة التي ذكرها الله باسمها في القرآن الكريم قال طاهر ابن عاشور رحمه الله وقد ذكرها الله باسمها في عدة مواضع من القرآن وقال ابن تلمساني في شرح الشفاء لعياض لم يذكر الله مرأة في القرآن باسمها إلا مريم للتنبيه على أنها أمة الله ابطالا لعقائد النصارى وهذا دليل على علو مكانتها وسم الله سورة كاملة باسمها وهي سورة مريم وذكر قصتها في سبع سور من القرآن في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ومريم والأنبياء والمؤمنون والتحريم وقصة مريم آية من آيات الله تعالى للعالمين قال تعالى والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا واجعلناها وبنها آية للعالمين وقال سبحانه واجعلنا ابن مريم وأمه آية وأويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين قال ابن جرير الطبري رحمه الله يقول واجعلنا مريم وبنها عبرة لعالم زمانهما يعتبرون بهما ويتفكرون في أمرهما فيعلمون عظيم سلطاننا وقدرتنا على ما نشاء وقال ابن كثير رحمه الله يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله عيس بن مريم عليهما السلام أنه جعلهما آية للناس أي حجة قاطعة على قدرته على ما يشاء فإنه خلق آدم من غير اب ولا أم وخلق حواء من ذكر بلا أنثى وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى فقصة مريم المراد منها التفكر في أحداثها وأخذ العبرة منها وأدراك عظيم سلطان الله وحجته على البشرية وضرب الله بمريم المثل على إيمان المؤمنين بالله وما أمر به وشرعه فقال سبحانه وضرب الله مثلا للذين آمن امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ومر يم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين قال ابن القيم رحمه الله المثل الثاني للمؤمنين مريم التي لا زوج لها لا مؤمن ولا كافر فذكر ثلاثة أصناف من النساء والمرأة الكافرة التي لها وصلة بالرجل الصالح والمرأة الصالحة التي لها وصلة بالرجل الكافر والمرأة العزب التي لا وصلة بينها وبين أحد فالأولى لا تنفعها وصلتها وسببها والثانية لا تضرها وصلتها وسببها والثالثة، لا يضرها عدم الوصلة شيئًا ثم في هذه الأمثال من الأسرار البديعة، ما يناسب سياق السورة فإنها سيقت في ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم والتحذير من تظاهرهن عليه وأنهن إن لم يطعن الله ورسوله ويردن الدار الآخرة لم ينفعهن اتصالهن برسول الله صلى الله عليه وسلم كما لم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما ولهذا إنما ضرب في هذه السورة مثل اتصال النكاح دون القرابة قال يحيى بن سلام ضرب الله المثل الأول يحذر عائشة وحفصة ثم ضرب لهما المثل الثاني يحرّضهما على التمسك بالطاعة وفي ضرب المثل للمؤمنين بمريم ايضا اعتبار آخر وهو أنها لم يضرها عند الله شيئا قذف أعداء الله اليهود لها ونسبتهم إياها وابنها إلى ما برأهم الله عنه مع كونها صديقة الكبرى المصطفات على نساء العالمين فلا يضر الرجل الصالح قدح الفجار والفساق فيه وفي هذا تسلية لعائشة أم المؤمنين إن كانت السورة نزلت بعد قصة الإفك وتوطين نفسها على ما قال فيها الكاذبون إن كانت قبلها كما في ذكر التمثيل بامرأة نوح ولوط تحذير لها ولحفصة مما اعتمدته في حق النبي صلى الله عليه وسلم فتضمنت هذه الأمثال التحذير لهن والتخويف والتحريض لهن على الطاعة والتوحيد والتسلية وتوطين النفس لمن أوذي منهن وكذب عليه وأسرار التنزيل فوق هذا وأجل منه ولا سيما أسرار الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون وفي هذه السلسلة الرمضانية الرابعة سنتناول قصة مريم بحول الله وتوفيقه وما فيها من الدروس والعبر سائلين المولى عز وجل أن ينفعنا بها وأن يصلح أحوالنا بمدارستها والحمد لله رب العالمين