بسم الله الرحمن الرحيم مختصر كتاب رمضان أحداث وعبر وفاة الإمام عبد الله بن المبارك الزمان في شهر رمضان من سنة 81 ومائة للهجرة إن الإنسان قد يعرف بين الناس بصفة حسنة من الصفات الحميدة ويشهر فيهم بتلك الخلة الفاضلة حينما يكون حظه منها زائدا على غيره فمن الناس من يشار إليه بالعلم والفهم ومنهم من يشار إليه بالزهد والعبادة ومنهم من يشار إليه بالغزو والرباط ومنهم من يعرف بالسخاء وكثرة الصدقات ومنهم من يعرف بدرايته العربية أو الشعر أو الفروسية أو التجارة ونحو ذلك ولكن أن تجتمع هذه الخلال في شخصية واحدة فهذا من الأمثلة القليلة في الناس غير أن فضل الله تعالى على بعض عباده قد ينيله هذا كله فيجمع فيه ما تفرق في الناس من الفضائل وهو وإن كان جرما صغيرا لكن قد انطوا فيه العالم كله إن من الأمثلة على هذه الشخصية الجامعة لخصال الخير الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله اسمه ونسبه ومولده رحمه الله هو عبد الله بن المبارك بن واضح أبو عبد الرحمن الحنظلي مولاهم التركي ثم المروزي الحافظ الغازي أحد الأعلام الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه وأمير الأتقياء في وقته كان أبوه تركيا مولا لرجل من التجار من بني حنظلة من أهل همذان فكان ابن المبارك إذا قدمها أحسن إلى ولد مولاهم وكانت أمه خوارزمية ولد في إقليم خراسان في مرو سنة ثمانية عشر ومائة للهجرة تتلمذه وطلبه للعلم رحمه الله حرص الإمام ابن المبارك على العلم فبدأ في طلبه وهو ابن عشرين سنة ولا ندري ما سبب تأخره في ذلك فلعل ذلك راجع إلى حال أسرته ومع ذلك فقد حصل علما كثيرا وليست العبرة بالتبكير في طلب العلم ولا طول السنين فيه ولكن بحصول البركة والتوفيق فلما وضع ابن المبارك قدمه على طريق العلم اجتهد اجتهادا عظيما في التحصيل حتى فاق غيره قال أحمد بن حنبل لم يكن في زمانه أطلب للعلم منه جمع أمرا عظيما ما كان أحد أقل سقطا منه كان رجلا صاحب حديث حافظ قال ابن المبارك عن نفسه حملت العلم عن أربعة آلاف الشيخ فرويت عن ألف الشيخ علمه رحمه الله كان الإمام ابن المبارك من كبار العلماء الذين عرف أهل العلم رسوخهم فيه وشهدوا لهم بسمو الرتبة في تحصيله وتعليمه والعمل به وأثنوا عليه بهذه الخصلة العظيمة التي هي واحدة من خصاله الكثيرة قال أبو عمر بن عبد البر أجمع العلماء على قبوله وجلالته وإمامته وعدله وقال ابن معيم كان عبد الله رحمه الله كيسا مستثبتا ثقه وكان عالما صحيح الحديث وكانت كتبه التي يحدث بها عشرين ألفا أو واحدا وعشرين ألفا لقد كان ابن المبارك يرى أن العلم أعظم المكرمات التي لا يحتاج معها إلى مكرمة سواه فقال عجبت لمن لم يطل بالعلم كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة وكان رحمه الله شغوفا بالقراءة محبا للكتب يرى في الجلوس معها أنسه وراحته ويجد في البقاء بينها نجاة من مجالس الغيبة ومقاعد ضياع الأوقات قال شقيق البلخي قيل لابن المبارك إذا أنت صليت لما لا تجلس معنا قال أجلس مع الصحابة والتابعين أنظر في كتبهم وآثارهم فما أصنع معكم أنتم تغتابون الناس وكان رحمه الله لا يقرأ العلم ولا يحفظه ليبز به غيره ويطلب به عرضا من الدنيا بل كان يطلبه للعمل ولذلك أثر عنه إقباله على العبادة والعمل بما تعلم قال نعيم بن حماد ما رأيت أعقل من ابن المبارك ولا أكثر اجتهادا في العبادة ومن أمثلة عمله بعلمه ما قاله الحسن بن عرفة قال قال لي ابن المبارك استعرت قلما بأرض الشام فذهبت على أن أرده فلما قدمت مر نظرت فإذا هو معي فرجعت إلى الشام حتى رددته على صاحبه وهذه غاية سامية في الأمانة وكان محبوبا بين الناس لعلمه وعمله به معروفا بينهم إذا قدم مكانا احتفل به أهله فقد قدم الرشيد الركة فانجفل الناس خلف ابن المبارك وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب فقالت من هذا قالوا عالم من أهل خراسان قدم قالت هذا والله الملك لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان جوده رحمه الله كان الجود والكرم من أظهر قصال الخير في ابن المبارك ومن جهات جوده التي عرف بها إكرامه لإخوانه وجيرانه في نفقات الحج ومن جهات جوده قضاء ديون المدينين فقد بلغ به الكرم في هذه الجهة أنه جاء رجل إليه فسأله أن يقضي دينا عليه فكتب له إلى وكيل الله فلما ورد عليه الكتاب قال له الوكيل كم الدين الذي سألته قضاءه قال سبعمائة درهم وأذا عبد الله قد كتب له أن يعطيه سبعة آلاف درهم فراجعه الوكيل وقال إن الغلات قد فنيت فكتب إليه عبد الله إن كانت الغلات قد فنيت فإن العمر أيضاً قد فني فأجز له ما سبق به قلمي كأنه أراد أن لا يكسر قلب ذلك المدين ولا يبعد عنه الفرح بهذا المبلغ الكبير جهاده رحمه الله قال عبدة ابن سليمان المروزي كنا سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو فلما التق الصفان خرج رجل من العدو فدعى إلى المبارزة فخرج إليه رجل فقتله ثم آخر فقتله ثم آخر فقتله ثم دعى إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله فازدحم إليه الناس فنظرت فإذا هو عبد الله ابن المبارك وأذا هو يكتم وجهه بكمه فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو هو فقال وأنت يا أبا عمر ممن يشنع علينا وهذا من إخلاصه رحمه الله جمعه لخصال الخير التي تفرقت في غيره رحمه الله وبعد استعراض بعض خصال الخير في الإمام ابن المبارك يتبين لنا أن الرجل قد جمع خلالا حميده قل أن تجتمع في غيره فلذلك ذكر بعض أهل العلم السابقين بعض العبارات الدالة على هذا الأمر قال إسماعيل بن عياش ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير إلا وقد جعلها في عبد الله بن المبارك وقال العباس بن مصعب جمع عبد الله الحديث والفق والعربية وأيام الناس والشجاعة والسخاء والتجارة والمحبة عند الفرق وفاته رحمه الله وبعد حياة حميدة قضاها في كل خير وهبه الله إياه وآعانه عليه يسلم أبو عبد الرحمن نفسه لباريها ويغادر الدنيا ويترك الله له في الآخرين لسان صدق يلهج بالثناء ويذكره بالدعاء فمات رحمه الله في هيت على الفرات منصرفا من غزو الروم في رمضان سنة 81 ومئة للهجرة وله ثلاث وستون سنة ولما احتضر ابن المبارك جعل رجل يلقنه قل لا إله إلا الله فأكثر عليه فقال له لست تحسن وأخاف أن تؤذي مسلما بعدي إذا لقنتني فقلت لا إله إلا الله ثم لم أحدث كلاما بعدها فدعني فإذا أحدثت كلاما فلقني حتى تكون آخر كلامي وهذه النصيحة الغالية هي آخر ما نصح بها أمة محمد فما أعظمها من نصيحة في مثل تلك الحال دروس من حياة عبد الله بن المبارك رحمه الله أولا نعم المال الصالح للعبد الصالح وما أجمل العلم حينما يجتمع معه مال حلال يكف به صاحبه وجهه عن الناس ويستعين به على طاعة الله تعالى ويعين به رفاقه في التعلم والتعليم ثانيا لا خير في العلم إذا لم يكن به عمل ثالثا تفقد أهل العلم وقضاء حوائجهم من خير الأعمال رابعا الإخلاص في الأعمال الصالحة هو الذي يرفع قدر صاحبه عند الله وعند الناس خامسا ليكن للمؤمن مشاركة صالحة في مجالات متعددة في الخير ما استطاع لذلك ولا يقتصر على جانب من الجوانب وهو يقدر على تجاوزه إلى غيره رمضان أحداث وعبر