بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه تناها إلى زعيم قريش عبد المطلب بن هاشم أن هناك امرأة ذات عقل وجمال من بنات ملوك ربيعة تدعى نتيلة فسعى إليها وخطبها لنفسه وبنا بها فولدت له طفلا قسيما وسيما بهي الطلعة ففرح به أشد الفرح ثم دعاه العباس ولم يمضي على فرحة شيخ مكة غير سنتين اثنتين حتى أتيح لبيته أن تغمره الفرحة من جديد فقد ورد لابنه عبد الله مولود يضارع العباس في إشراق الوجه وروعة المجتلى فلما أبصره دمعت عيناه فقد كان يتمنى أن يكون أبوه حيا ليشاركه الفرحة به ثم دعاه محمدا نشأ محمد والعباس في كنف عبد المطلب بن هاشم وهما لا يعلمان إلا أنهما أخوان يغدوان معا ويروحان معا ويأكلان من جفنة واحدة ويلعبان في ملعب واحد ولما بلغ العباس العاشرة من عمره توفي أبوه عبد المطلب ففجعت به مكة كلها وجزع عليه أهلها لكن الغلامين العباس ومحمدا كان أشد الناس جزعا عليه لأنهما ذاقى طعم اليتم بفقده ولما قسمت المناصب المنوطة بعبد المطلب على أبنائه جعلت قريش لابنه العباس سقاية الحاج على الرغم من صغار سنه وذلك لما كانوا يتوسمونه فيه من النجابة وما يتوقعونه له من السيادة وطفق الفتيان العباس بن عبد المطلب ومحمد بن عبد الله ينموان فإذا هما شابان موفور الشباب وإذا فوارق السن بينهما تزول حتى إن الناظر إليهما كان يحسبهما توأمين ولقد سأل أحدهم العباس ذات مرة بعد إسلامه أأنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هو أكبر مني ولكن سني تزيد على سنه سنتين وعلى رأس الأربعين من العمر أكرم الله سبحانه محمد بن عبد الله بالرسالة وبعثه بدين الهدا والحق وأمره بأن ينذر عشيرته الأقربين ومن أقرب إليه من العباس فهو تربه الأثير وصديقه الحميم وعمه أخو أبيه لكن العباس الذي ورث عن أبيه السيادة في قومه وأونيطت به سقاية الحاج وهو منصب يتنافس فيه المتنافسون كان يكره أن يتنكر لقومه ويحرص على أن يستبقي زعامته فيهم فلم يستجب لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه مع ذلك ظل ينزل محمدا صلى الله عليه وسلم من نفسه منزلة الأخي من أخيه والحميم من حميمه فيدفع عنه الأذى ويحترس له أشد الاحتراس من ذلك أنه لما التقى الرسول عليه الصلاة والسلام مع وفوذ الأنصار ليلة العقبة كان معه عمه العباس وهو ما يزال على الشرك وكان العباس أول من تكلم فقال يا معشر الخزرج إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عز من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلا أن ينحاز إليكم ويلحق بكم فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه فأنتم وما تحملتم وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده فقال الأنصار قد سمعنا ما قلت يا أبى الفضل ثم التفتوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقالوا يا رسول الله خذ لنفسك ولربك من البيعة ما أحببت ولما تمت البيعة عاد الرسول صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس إلى مكة تحت جنح الظلام ولما عزمت قريش على غزوة بدر كره العباس أن يشاركها قتال ابن أخيه لكن زعامته في قومه حملته على مشاركتها في ذلك حملا وجعلته أحد الرجال الاثني عشر الذين تكفلوا بإطعام جيش المشركين خلال الغزوة لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم ينس لعمه العباس نصرته له ومؤازرته إياه فقال لأصحابه من لقيا أبل بختري بن هشام فلا يقتله ومن لقيا العباس بن عبد المطلب فلا يقتله فإنهما قد خرجا مكرهين ولما كتب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم النصر في بدر وقتل من المشركين من قتل وأسر منهم من أسر كان العباس بن عبد المطلب في جملة الأسر الذين وقعوا في أيدي المسلمين وكان الذي أسره رجلا ضئيل الجسم ضعيف البنية يكنى بأبي اليسر أما العباس فكان ضخما طوالا كالجمل الأورق ولما عاد العباس إلى مكة عجب أولاده من أمر أسره فاسألوه قائلين يا أبانا كيف أسرك أبو اليسر وأنت لو شئت لجعلته في كم قميصك فقال والله يا بني إنه حين وثب علي كان في عيني أعظم من الفيل ولما قبض على ذراعي بكفه الصغيرة المعروقة ظننت أن الدم يوشك أن يقطر من أظفاري ثم إنه لوى يدي فجعلها خلف ظهري ثم أخذ الأخرى فضمها إلى أختها وشدهما بحبل وأنا مستخزن لا أمنع نفسي منه ولا أقاومه بات العباس بن عبد المطلب ليلته الأولى في معسكر الأسرا قريبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يئن أنينا عميقا متواصلا فلما بلغ أنينه مسامع النبي عليه الصلاة والسلام أرق وبدت على وجهه ملامح الحزن فقال له أصحابه وما يحزنك يا رسول الله جعلنا في ذاك فقال أنين العباس بن عبد المطلب عند إذ قام رجل من المسلمين إليه فوجد أن وثاقه قد شد عليه شدا قاسيا فأرخاه له فسكت فأثار سكوته مخاوف الرسول عليه الصلاة والسلام وقال ما لي لا أسمع أنين العباس فقال الرجل أنا أرخيت وثاقه فقال النبي عليه الصلاة والسلام ففعل مثل ذلك في الأسرا كلهم ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل يأخذ من الأسر الفدا فلما أتي له بعمه جعل العباس يعتذر له بأنه لا مال عنده فقال النبي عليه الصلاة والسلام أين المال الذي وضعته عند زوجتك أم الفضل وقلت لها إن أصبت فلي الفضل كذا ولي عبد الله كذا ولي عبيد الله كذا فبهت العباس لأن ذلك أمر لم يطلع عليه أحد أبدا إلا الله وفي يوم أحد أبى العباس بن عبد المطلب أن يخرج مع المشركين لقتال النبي عليه الصلاة والسلام إنه أرسل يخبره بعزم قريش على الخروج إليه فكان لذلك أثر كبير في استعداد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتأهبهم للقاء العدو مضت عشرون سنة على دعوة الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعمه العباس لا يزال على الشرك وفي ذات يوم جلس العباس مع زوجه أم الفضل يعددان شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم الكريمة ويذكران صفاته النبيلة ويستعيدان قصة معرفته للمال الذي أودعه معها في نجوة من الناس جميعا فما لبث أن وجد نفسه يقول لزوجه ما بالنا يا أم الفضل ما لنا لا نسلم فهشت أم الفضل لكلمته هذه وبشت وكأنما كانت تنتظر منه أن يقول ذلك وفي ساعات معدودات كان العباس بن عبد المطلب قد أعد راحلتين له ولزوجه ومضى يامعا نحو المدينة مهاجرين إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولما بلغ العباس وزوجه الجحفة فوجئا برسول الله صلوات الله وسلامه عليه يقود جيشا جرارا لفتح مكة وفوجئا بهما الرسول عليه الصلاة والسلام أيضا فقد كان لقاء على غير ميعاد وبادر الرسول صلى الله عليه وسلم عمه قائلا ما الذي أقدمك يا عم فقال الرغبة في الله ورسوله وأعلن هو وزوجته كلمة الحق ودخل في دين الله بعد طول جموح فما إن سمع الرسول صلى الله عليه وسلم عمه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله حتى فاضت دموع الفرح من عينيه وقال هجرتك يا عم آخر هجرة كما أن نبوتي آخر نبوة منذ تلك اللحظة عزم العباس بن عبد المطلب على أن يستدرك ما فاته من الخير والأجر فوضع نفسه وما له في طاعة الله ومرضات رسوله صلى الله عليه وسلم ففي يوم حنين لما انهزم المسلمون وتخلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف إلى جانبه وقفة الأسد الهصور فامتشق السيف بيمينه وأمسك بزمام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم بيساره وظل ينافح عنه مع نفر قليل من أصحابه حتى كتب الله على أيديهم النصر ويوم عزم الرسول صلوات الله وسلامه عليه على انفاذ جيش العسرة دعى أصحابه للعطاء والبذل فجاءه العباس وصب المال بين يديه صبا ولما لحق النبي عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى وآل الأمر إلى خليفتيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ظل العباس لهما نعم المشير والنصير وظلهما يجلانه ويعظمانه إقرارا بفضله ووفاءا للنبي عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام من ذلك أنه حين اشتد القحط على المسلمين في عام الرمادة فجف الضرع ويبس الزرع وغدت السماء وكأنها بنيت من نحاس خرج عمر بن الخطاب بالمسلمين فاستسقى لهم فلم يسقوا وكرر ذلك مرات فلم يستجب لهم فقال لجمع من أصحابه لأستسقينا غدا بمن يسقينا الله به إذا شاء فلما كان الصباح مضائر العباس بن عبد المطلب وقد غدا شيخا كبيرا فقال له يا عم أخرج معنا لعل الله أن يسقينا على يديك خرج العباس بن عبد المطلب في جمهور المسلمين خاشعا خاضعا مخبطا لله وكان أمامه علي بن أبي طالب وعن يمينه الحسن وعن شماله الحسين ومن خلفه جموع المسلمين فصلوا ركعتين ثم أخذ عمر بيدي عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودموعه تبلل لحيته وقال أدعو لنا يا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع العباس كفيه إلى السماء وعيناه تفيضان من خشية الله وأخذ يجأر إلى الله بصالح الدعاء وخالص الرجاء والناس يؤمنون من ورائه ضارعين منتحبين فما كاد يتم دعاءه حتى تلبدت الأجواء بالغيوم الدكن وأرسلت السماء غيثا على الأرض مدرارا وأزال الله عن المسلمين الغمة وكشف عنهم الكرب وسقي الناس على يدي ساق الحجيج رضي الله عنه وأرضاه هذا العباس بن عبد المطالب أجود قريش كفا وأوصلها رحما محمد بن عبد الله بمحمد وبصحبه قد غوثس الصرح المشيد يا شيار أسعفني أفض في مدحهم هل هم أسعفني