نسيم السحر الأسى تخفف الأسى إذا غربت عن عينيك شمس السعادة ونهار عمرك ما زال قائمة فلا تستوحش في ظلام عنائك فإن حولك أناسا يعانونك ما تعاني ويتألمون مثل ما تتألم فلا تظن أنك وحدك المصاب والمتألم والمغموم والمهموم فإنك لو نظرت إلى كثير من الناس وفكرت في حالهم حضر أنسك في بلواك وخف حزنك وشكواك وهانت عليك مصيبتك في دنياك قال حكيم لرجل رآه مغموما لو أحضرت قلبك ما فيه الناس من المصائب لقل همك وهذا من فوائد شمول العناء في هذه الدار ففي ذلك تأس يخفف المصيبة ويطفئ وهجها عن القلوب قال ابن القيم وهو يتحدث عن علاج حر المصيبة وحزنها ومن علاجه أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب وليعلم أنه في كل واد بنو سعد ولينظر يمنة فهل يرى إلا محنة ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة وأنه لو فتش العالم لم ير فيهم إلا مبتلى إما بفوات محبوب أو حصول مكروم وقال المصاب إذا شاركه غيره في مصيبة حصل بالتأسي نوع تخفيف وتسليه والمصائب في الدنيا إذا عمت صارت مسلاة وهذه تماضر بنت عمر الملقبة بالخنساء رضي الله عنها كانت تحب أخاها صخرا حبا عظيما ولما مات بكاه قلبها وعيناها وحروف شعرها بكاء مرا وما زالت تبكيه وتندبه حتى خف حزنها بالتأسي بأهل المصائب حولها حتى قالت ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أعز النفس عنه بالتأسي وقريب من قول الخنساء قول الشاعر كم خليل رزئته وبن عم وحميم قضت عليه المنون فتعزيت بالتأسي وبالصبر وإني بصاحبي لضنين وقول آخر ولولا الأسى ما عشت في الناس بعده ولكن إذا ما شئت جاوبني مثلي وقول آخر إذا لم يكن أحد باقي فإن التأسي دواء الأسى بل إنك لو تأملت لوجدت أن ذكر التأسي مما أكثر القرآن الحديث عنه من أجل أن يخفف الله عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه ما يلقونه من شدة الكفار وإعراضهم وأذاهم لهم فكم من قصص وأخبار ذكرها الله تعالى عن الأنبياء السابقين وأتباعهم المؤمنين حتى يسلي بذلك أهل الإيمان مما يجدونه من الوجع في طريق الإيمان ثم يقول الله لرسوله الكريم فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل حتى صارت تلك القصص القرآنية دواء يخفف بلاء المؤمنين ويتواصون بالاستشفاء به في كل حال وحين فهذا صديق يسلي صديقه المسجون بقوله وقد هذبتك الحادثات وإنما صف الذهب الإبريز قبلك بالسبك أما في رسول الله يوسف أسوة لمثلك محبوسا على الظلم والإفك أقام جميل الصبر في السجن برهة فآل به الصبر الجميل إلى الملك فيا أيها المكروب تسل بمن حولك من أهل المصائب وتذكر أنه لا أحد يسلم من مصيبة فإن سلم منها اليوم لن يسلم غدا وإن انقشعت عنه اليوم فقد نزلت به أمس ففي هذا سلوان لك حتى يهدأ قلق نفسك ذكر ابن الجوزي قال حدثني بعض من قرأ في الكتب أن ذا القرنين لما رجع من مشارق الأرض ومغاربها وبلغ أرض بابل مرضا شديدا فلما أشفق أن يموت كتب إلى أمه يا أما اصنعي طعاما واجمعي من قدرت عليه ولا يأكل طعامك من أصيب بمصيبة وعلمي هل وجدت لشيء قرارا باقي وخيالا دائما إني قد علمت يقينا أن الذي أذهب إليه خير من مكاني قال فلما وصل كتابه صنع الطعاما وجمعت الناس وقالت هذا من أصيب بمصيبة فلم يأكل فعلمت ما أراد فقالت من يبلغك عني أنك وعظتني فاتعظت وعزيتني فتعزيت فعليك السلام حيا وميتا