بسم الله الرحمن الرحيم قصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز وشاع الخبر في المدينة هذا هو المشهد الثاني من قصة يوسف مع امرأة العزيز والذي تدور احداثه بين امرأة العزيز والنسوة من اهل المدينة ومراودتهن ليوسف عليه السلام قال تعالى وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين قال ابن جرير الطبري رحمه الله يقول تعالى ذكره وتحدث النساء بامر يوسف وامر امرأة العزيز في مدينة مصر وشاع من امرهما فيها ما كان فلم ينكتم وقلن امرأة العزيز تراود فتاها أي عبدها عن نفسه وقال السعدي رحمه الله يعني ان الخبر اشتهر وشاع في البلد وتحدث به النسوة فجعلن يلمنها ويقول امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا أي هذا امر مستقبح هي امرأة كبيرة القدر وزوجها كبير القدر ومع هذا لم تزل تراود فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها عن نفسه ومع هذا فإن حبه قد بلغ من قلبها مبلغا عظيما إن شيوع الخبر في المدينة يعطينا علامة على طبيعة المجتمع آنذاك وطبيعة مجالس النساء وما يدور فيها من الكلام لقد تناقل الناس الخبر حتى شاع في المدينة كلها ووقع ما كان يخشاه العزيز من شيوع الخبر من جهة يوسف عليه السلام فأوصاه بقوله يوسف اعرض عن هذا فأعرض يوسف عن الحديث في الموضوع ولكن الخبر انتشر وشاع بين الناس من جهة أخرى غير يوسف عليه السلام إن نساء المدينة لما وصلهن الخبر وتناقلنه في مجالسهن انتقدن امرأة العزيز على هذه المراودة وتمثل نقدهن لها في عدة أمور أولها استنكارهن أن يصدر مثل هذا التصرف من مثلها مع مثله ثانيها تعليلهن لهذه المراودة بأنها إنما صدرت منها لأنها شغفت بحبه ثالثها وصفهن لها بأنها في ضلال مبين لا خفاء فيه ولا شبه أما الأمر الأول وهو استنكارهن أن يصدر مثل هذا التصرف من مثلها مع مثله فإن الناس قد تعرفوا على أن كبار القدر من الناس وأصحاب المقامات لهم أخلاق أعلى من أخلاق عوام من الناس وأنهم يتنزهون عن بعض الأفعال المباحة صيانة لأعراضهم لا يتكلم الناس فيهم وفي قصته رقل مع أبي سفيان قبل إسلامه قال هرقل أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فقال أبو سفيان فقلت أنا فأجلسوني بين يديه وأجلسوا أصحابي خلفي ثم دعا بترجمانه فقال قل لهم إني سائل عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فإن كذبني فكذبوه قال أبو سفيان ويم الله لولا أن يؤثروا عليّ الكذب لكذبت فالذي منع أبا سفيان من الكذب وهو سيد قومه فشيت أن يؤثر عنه أنه كذب في يوم من الأيام وفي هذا عبرة لكل أصحاب المقامات العالية في المجتمعات من العلماء والدعاء والخطباء وأئمة المساجد وغيرهم أن يراقبوا أفعالهم وتصرفاتهم مع الناس وأن يترفعوا عن أخلاق عوام من الناس ذلك لأنهم سادة المجتمع الحقيقيون ولأن أنظار الناس مرفوعة إليهم وإنما يأخذ الناس عن هذه الفئة العظيمة التي تمثل القدوة العملية والقيادة الدينية في كل المجتمعات كما أن أعداء الإسلام والمتربصين به إنما يطعنون في الإسلام من خلال الطعن في تصرفات هذه الفئة من المجتمع فلا ينبغي لأحد من العلماء أو الدعاء أو الخطباء أو غيرهم ممن يمثلون هذا الدين أن تصدر منهم تصرفات تكون سببا لصد الناس عن الإسلام أو لفتح باب الطعن في العلماء والدعاء وغيرهم وخاصة ما يتعلق بالعلاقة مع نساء المجتمع بمختلف تخصوصاتهم مثل التعامل مع الإعلاميات والخروج معهن في برامج مرئية فإن هذا يفتح الباب للطعن في الدعاء والعلماء عموما الأمر الثاني تعليلهن لهذه المراودة بأنها إنما صدرت منها لأنها شغفت بحبه قال ابن جرير الطبري رحمه الله يقول قد وصل حب يوسف إلى شغاف قلبها فدخل تحته حتى غلب على قلبها وشغاف القلب حجابه وغلافه الذي هو فيه وهذه هي المرتبة السادسة من مراتب المحبة العشر التي ذكرها ابن القيم رحمه الله في كتابه مدارج السالكين حيث قال السادسة الشغف يقول شغف بكذا فهو مشغوف به وقد شغفه المحبوب أي وصل حبه إلى شغاف قلبه كما قال النسوة عن امرأة العزيز قد شغفها حبا وفيه ثلاثة أقوال أحدها أنه الحب المستولي على القلب بحيث يحجبه عن غيره قال الكلبي حجب حبه قلبها حتى لا تعقل سواه الثاني الحب الواصل إلى داخل القلب قال صاحب هذا القول المعنى أحبته حتى دخل حبه شغاف قلبها أي داخله الثالث أنه الحب الواصل إلى غشاء القلب والشغاف غشاء القلب إذا وصل الحب إليه باشر القلب قال السدي الشغاف جلدة رقيقة على القلب يقول دخله الحب حتى أصاب القلب وقرأ بعض السلف شغفها بالعين المهملة ومعنى ذهب الحب بها كل مذهب وبلغ بها أعلى مراتبه ومنه شغف الجبال لرؤوسها وهذه المرتبة من المحبة هي التي يسعى الرجل الفاسد إلى إيصال الفتاة إليها بكلامه المعسول وبتصرفاته الكاذبة حتى إذا وقعت فيها الفتاة أصبحت أسيرة عنده يفعل بها ما يشاء وهي تستجيب له مثل الأعمى مع قائده فإذا انتهى غرضه منها رماها لينتقل إلى غيرها وفي هذا عبرة لكل فتاة ألا تولج في قلبها غير زوجها وألا تعطي هذه الدرجة من الحب لغير زوجها فإن عاقبة ذلك وخيمة عليها الأمر الثارث وصفهن لها بأنها في ضلال مبين لا خفاء فيه ولا شبه قال ابن جرين الطبري رحمه الله قل إن لنرى مرأة العزيز في مراودتها فتاها عن نفسه وغلبت حبه عليها لفي خطأ من الفعل وجور عن قصد السبيل مبين لمن تأمله وعلم أنه ضلال وخطأ غير صواب ولا سداد وقال الطاهر ابن عاشور رحمه الله والضلال هنا مخالفة طريق الصواب أي هي مفتونة العقل بحب هذا الفتاة فهذا حكم منهن عليها بأنها في ضلال مبين بناء على تصرفاتها المشينة من عدم مراعاة منزلتها في المجتمع ومن الشغف الذي أصاب قلبها في حبها لفتاها يوسف عليه السلام وهكذا يحكم المجتمع ولو كان فاسدا على التصرفات الخاطئة التي يدركها كل العقلاء ولو كانوا ممن يقعون فيها ولكن هل كان نقد النسوة لمرأة العزيز بقصد نصح لها أو بقصد الإنكار عليها أم أن هناك مقصدا آخر خلف هذا الكلام للحديث بقية نكمل في لقاء قادم إن شاء الله قصة يوسف مع مرأة العزيز