بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله رافع بن عمير الطائي رضي الله عنه هل أتاك نبأ رافع بن عمير الطائي داهية الصحراء وفاتكها الكبير لقد طلع الإسلام على رافع فلم يلقي إليه بالا ولم يعره أي التفاتة ذلك لأنه كان مشغولا عنه بالإغارة على أحياء العرب واستلاب كرائم إبلهم ولا تحسبن أن رافعا كان زعيم قبيلة من قبائل العرب أو كانت له سرية يغزو بها أو عصبة تشد أزرى لم يكن رافع شيئا من ذلك ولا قريبا من ذلك وإنما كان بدويا من أبناء الصحراء كون لنفسه جيشا من نفسه وجعل يشن غاراته على بيوت العرب وحيدا فريدا ويرزأ الناس بأعز ما يملكونه ثم يعود سالما غانما موفورا وقد تقول ألم يكن في هذه الأحياء التي يغير عليها رافع أبطال أنجاد قادرون على مطاردة هذا الفاتك واستنقاذ كرائم إبلهم منه والقضاء عليه بلى إنه كان في أبناء الصحراء من لا يقلون عن رافع شجاعة وجرأة وإقداما ولكنه لم يكن بينهم من يماثله في معرفة أسرار هذه الصحراء والقدرة على النفوذ إلى أغوارها حتى عرف بين العرب بأنه أهدا بدوي برمال الصحراء وأدل الناس على طرقها وقد كان من شأن رافع أنه إذا عزم على غزو قوم أن يستحضر عددا كبيرا من بيض النعام وأن يملأه بالماء وأن يدفنه في الأماكن البعيدة التي لا تطأها قدم في بطن الصحراء ثم يشن غارته على من يشاء من أحياء العرب ويسوق الإبل التي يستلبها أمامه ويمضي بها إلى تلك المفاوز التي لم تعطي سرها لأحد غيره فإذا دخل فيها وأوغل في متاهاتها كف أصحابها عن مطاردته وعادوا أدراجهم خشية على أنفسهم من الهلاك عطشا أو ضياعة وفي سنة التاسعة للهجرة بعث الرسول صلوات الله وسلامه عليه عمر بن العاص على رأس سرية من سرايا المسلمين إلى بلاد طيء وأمره بأن يستنفر من أسلم من العرب للخروج معه إلى الشام لقتال الروم وأن يستألف من لم يسلموا منهم حتى لا ينضموا إلى أعدائه وكان في السرية أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وطائفة من جلة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلقوا حتى إذا بلغوا جبل طيء عميت عليهم الطرق وخافوا على أنفسهم من الضياع والهلاك فقال عمر بن الخطاب هاتوا لنا رجلا خبيرا يكون دليلا لنا في هذه المفاوز فقيل له ليس لكم إلا رافع بن عمير الطائي فإنه أعرف الناس بهذه الفيافي وأبصرهم بمسالكها فدعوا رافع واتخذوه دليلا لهم قضى رافع بن عمير مع هذه الصفوة المختارة من أصحاب الرسول صلوات الله وسلامه عليه أياما بلياليها حتى أنجزوا ما أمروا به فرأى رافع من كريم شمائلهم ونبيل خصائلهم وسمو هديهم ما زرع حبهم في قلبه زرعا لقد وجدهم عبادا في الليل فرسانا في النهار زهادا في الدنيا رغابا بما عند الله من حسن الثواب فكان له معهم شأن يرويه لك رافع بنفسه فيقول لقد كنت خلال صحبتي للقوم أتأملهم جميعا وأتفرس منهم أبا بكر خاصة وأتوسمه وأوثره بهتمامي على سائر أصحابه وفي كل خير فلما عدنا إلى المنازل التي خرجنا منها وأوشكوا أن يفارقونا أحسست أنهم سيغدون معهم بقلبي فأتيت أبا بكر وقلت يا رفيق الخير إني توسمتك واخترتك من بين أصحابك فاذكر لي شيئا إذا حفظته كنت منكم ومثلكم فقال أتحفظ أصابعك الخمس؟ قلت نعم فقال عد عليها تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة إن كان لك مال وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ثم قال هل حفظت؟ فقلت نعم واسمع مني إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأما الصلاة فلن أتركها أبدا وأما الزكاة فإن يكلي مال أؤدها وأما رمضان فسأصومه ما حييت وأما الحج فإن استطع حج إن شاء الله ومنذ ذلك اليوم طوالص الصحراء رافع بن عمير تلك الصفحة السوداء من حياته وفتح الصفحة الأخرى الصفحة المشرقة بنور الإيمان المتلألأت بضياء القرآن لقد كان ذلك نبأ رافع بن عمير في جاهليته فإليك طرافا من نبأه بعد إسلامه سير خليفة المسلمين أبو بكر الصديق جيشا مكونا من أربع فرق لغزو الروم في بلاد الشام فاندفع الجيش الغازي في سبيل الله يحرر البلاد ويهدى العباد ويرفع في كل أرض تطأها قدماه صوت الأذان ليعلن للناس أن عهد العبودية للقياصرة قد انقضى وأن العبودية لله وحدة حتى بلغ مشارف دمشق ثم انطلق منها إلى مدينة حمص في أواسط سورية لم يكن الروم يحسبون حسابا لجيش المسلمين أو يأبهون له فلما رأوه يلحق بهم الهزيمة تتلو الهزيمة ويهدد جندهم بالفناء حشدوا جيوشهم في أنطاكية واستقدم النجدات من أطراف الدولة البيزنطية حتى اجتمع لهم مئتان وخمسون ألف محارب ثم دفعوا بهذا الجيش العرمر من لجب في وجه المسلمين فمضى يسترد البلاد التي فقدها الروم ويهدد جند المسلمين بالفناء فطير المسلمون رسلا من عندهم إلى المدينة يصفون للخليفة الموقف ويقولون الغوث الغوث والعجل العجل كان خالد بن الوليد إذاك في العراق على رأس جيشه الكبير الفاتح فأرسل إليه الصديق يأمره بالتوجه توا إلى بلاد الشام لنجدة الجيش المهدد بالفناء ويبصره بالكارثة التي توشك أن تحل بالمسلمين فاستجاب خالد لأمر الخليفة ومضى بعشرة آلاف من صناديد المسلمين فيهم رافع بن عمير الطائي ليكونوا مددًا لجيش المسلمين في الشام لقد كان على خالد بن الوليد أن يصل بجيشه إلى سورية في أقصر وقت وأن يسلك طريقًا يتجنب فيه مواجهة الروم حتى لا تحول دونه ودون الالتقاء مع المسلمين فجعل يستشير أصحابه ويقول مل لي بمثل هذه الطريق فقام إليه رافع بن عمير الطائي وقال أنا لك بها أيها الأمير فقال وكيف فقال نقطع الصحراء ابتداءً من قراقر ومرورًا بسوى وأراك وانتهاءً بتدمر فإذا نحن خلف حمس في أواسط بلاد الشام حيث ترابط جيوش المسلمين فيفاجأوا بن الروم فلا يدرون إن كنا هبطنا عليهم من السماء أو نبعنا لهم من الأرض فقال خالد وكيف لنا بالماء في هذه الصحراء المغفرة ومعنا عشرون ألف نسمة بين إنسان وجواد فقال ما دام الله معنا فأنا لك به استشار خالد أصحاب الرأي من مقدم الجيش فقالوا لا تفعل أيها الأمير فالمسافة بين قراقر وسوى لا تقطع بأقل من خمس ليال وهي مفازة لا ماء فيها ولا مسالك وإن اجتيازها على الراكب الفرد يكاد يكون محالا فكيف بهذا الجيش الكبير فلا تعرض نفسك ونفوس المسلمين إلى الهلاك فقال خالد يا معشر المسلمين لا يختلفن هديكم ولا يضعفن يقينكم وعلموا أن المعونة من الله تأتي على قدر النية وأن الأجر يكون على قدر المشقة وأن المسلم لا ينبغي أن يبالي بشي مادام ينتظر معونة ربه ثم إن رافع بن عمير معنا وليس فيكم من يجهل رافع ابن الصحراء ثم قال والله لا بد من هذا فقد عزمت على انفاذ أمر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستنقاذ جيش المسلمين من براثن الروم فما كان منهم إلا أن استجابوا له طائعين وقالوا أنت رجل قد جمع الله لك الخير فافعل ما بدى لك فقال جزاكم الله خيرا ثم التفت إلى رافع وقال افعل ما بدى لك يا رافع فقال رافع اعتني أيها الأمير بعشرين ناقة عظاما سمانا مسان أي كبيرة السن فأتي له بهن فعمد إليهن رافع فأعتشهن فلما أجهدهن العطش أوردهن الماء فشربن حتى امتلأن ثم قطع مشافرهن أي شفاههن وربط على أفواههن حتى لا يجترن ثم حمل هذه النوق ما تطيق حمله من الماء فأصبح الماء في بطونها وعلى ظهورها وانطلق الجيش العتيد وجعل يغذ السير بخيوله وأثقاله فكان كلما نزل منزلا قام رافع إلى النوق وذبح أربعة منها فأخذ ما في كروشها من الماء ومزجه بلبنها وسقاه الخيل وسق الجيش مما على ظهورها من الماء فلما أتم الجيش المرحلة الخامسة من مراحل سيره واستنفد سائر ما لديه من الماء وأصبح على رافع أن يدل الجند على مصادره شاء الله أن يصاب رافع بالرمد حتى ورمت عيناه فغدا لا يبسر شيئا فأتى إليه خالد وقال ويحك يا رافع لقد ذبحنا النوق جميعها ونفد الماء كله وشارف الجيش على الهلاك فقال أنظروا لعلكم ترون جبلين على هيئة ثديين فأطلق خالد بصره في كل اتجاه ثم قال هاهما نعم هاهما يا رافع فقال رافع أبشروا قوموا التمسوا بينهما شجرة عوسج صفتها كذا وكذا فالتمسوها فلم يجدوها فقال رافع ويحكم أنفضوا عنها الأرض نفضا إنها هنا وعلموا أنكم إن لم تجدوها هلكتم وهلكتم معكم فهبوا يبحثون عن شجرة العوسج في كل بقعة فما لبثوا أن وجدوها وقد اجتثت وبقي أصلها في الأرض فكبروا وكبر رافع معهم ثم قال احفروا في أصلها فحفروا فتفجرت من تحتها عين ماء عذب نمير فازدادوا تهليلا وتكبيرا وأقبلوا على رافع فرحين مستبشرين مهنئين فقال لهم الحمد لله والله لقد مررت بهذه الأرض مع أبي منذ ثلاثين عاما وما أبصرتها عيناي بعد ذلك تابع الجيش مسيرته حتى بلغ الروابي المشرفة على غوطة دمشق فدفع خالد براية رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رافع بن عمير وأمره أن يركزها هناك فركزها وكانت تسمى العقاب ثم التقى جيش خالد مع جيوش المسلمين الأربعة التي كانت تترقب قدومه وخاضوا معركة اليرموك التي أذل الله فيها معاطس الشرك ورفع بها راية الإسلام وكانت إحدى المعارك الفاصلة الكبرى في التاريخ وبعد فهل تعلم أن رافع بن عمير الذي كان يلقب إلى زمن قريب بالص الصحرى قد أصبح يدعى برافع الخير وهل تدري أن السبب في خلع هذا اللقب عليه يرجع إلى وفرة بره بالفقرى وكثرة عطفه على المحتاجين فقد دأب على أن يطعم أهل ثلاث مساجد من كسب يمينه وعرق جبينه وهو قانع من الدنيا بثوب واحد يلبسه في البيت ويخرج به إلى الصلاة ولا يأخذنك العجب من ذلك فقد تتلمد رافع بن عمير ساعة في مدرسة محمد عليه الصلاة والسلام وأضاء في صدره قبس من نور الإيمان رافع بن عمير أهدا بدوي برمال الصحرى وأدل الناس على طرقها المؤرخون بمحمد وبصحبه قد غوثس الصرح المشيد يا شيار أسعفني أفض في مدحهم هل من أزيك