قِصَّةُ مَلِكَةِ سَبَأِ هذاَ مِنْ فَضْلِ رَبِّي لما أُحْدِرَ عَرْشُ مَلِكَةِ سَبَأِ بينَ يَدَيْ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامِ قال هذاَ مِنْ فَضْلِ رَبِّي وهذه هي أخلاق النبوة وفقه النبوة في التعامل مع الأحداث لقد أُوتِيَ نبيُّ اللهِ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُلْكاً عَظِيمًا جاء وصفه في القرآن الكريم فسخَّرنا له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب والشياطين كل بنائ وغواص وآخرين مُقرَّنين في الأصفاد وفي آية أخرى وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأُوتِينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين وحُشِر لسُليمان جنوده من الجِنِّ والإنس والطير فهم يُوزَعون ومع ذلك لما أمر أحد جنوده بإحضار عرش ملكة سبأ ورآه أمامه لم ينسب إحضار العرش إلى قدراته وإمكاناته ولا إلى نفسه وإنما نسب الفضل لله تعالى وحده وهذا هو الأدب مع الله تعالى في شكر النعم إذ يُنسب الفضل إلى الله تعالى فلولى الله سبحانه وتعالى ما استطعنا أن نقدم أو نؤخر أو نفعل شيئا أبدا فهو سبحانه الذي وهبنا القدرة على ذلك إذ لا حول ولا قوة لنا إلا بالله العلي العظيم إن الإنجازات التي يحققها البشر إنما هي من فضل الله عليهم أن هداهم لهذه الأفكار وأعانهم على تطبيقها وكتب لهم النجاح فيها إن الذي يحرص عليه الملوك والزعماء والأمراء في مختلف الأزمان هو نيل الفخر من أعمال ليست من صنعهم أو يفتخرون بأعمال لا تستحق هذا الفخر الذي يتغنون به بل قد تكون هذه الأعمال هي نوع من الإخفاقات ومع ذلك يعدونها من الإنجاز العظيم ولا يخلو زمان من بطانة سوء تحيط بالسلاطين والأمراء تزين لهم الباطل وتمدحهم على فعله فيمتفشون ويتعاظمون ثم يتكبرون في الأرض فلا يقبلون نصح الناصح ولا يستمعون إلى القلب المشفق فهذا قارون ينصحه المؤمنون من قومه بقولهم إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وبتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسنك ما أحسن الله لا أحسن الله إليك ولا تبغي الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين فرد عليهم بقوله قال إنما أوتيته على علم عندي فنسب الفضل إلى نفسه ولم يقبل نصح الناصحين فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين وفرعون أعجب بنفسه وبما يملك فقال لقومه في مواجهته لدعوة نبي الله موسى عليه السلام ونادا فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترين فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين فلما آسفون انتقمنا منهم فأضرقنا هم أجمعين فجعلنا هم سلفا ومثلا للآخرين قال ابن كثير رحمه الله يقول تعالى مخبرا عن فرعون وتمرده وعتوه وكفره وعناده أنه جمع قومه فنادا فيهم متبجحا مفتخرا بملك مصر وتصرفه فيها أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي قال قتاده قد كانت لهم جنان وأنهار ماء أفلا تبصرون أي أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك يعني وموسى وأتباعه فقراء ضعفا وقال الرازي رحمه الله وحاصل الأمر بكثرة أمواله وقوة جاهه على فضيلة نفسه ولم ينسب الفضل لله فيما هو فيه من النعم وفي قصة الثلاثة الأقرع والأبرص والأعمى الذين امتحنهم الله بما أنعم عليهم من النعم عبرة لكل من ينسب الفضل لنفسه ولا يشكر نعمة الله عليه ولا ينسب عز وجل فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى فأراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال أي شيء أحب إليك قال لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لون حسن وجلد حسنا قال فأي المال أحب إليك قال الإبل فأعطي ناقة عشرا فقال بارك الله لك فيها قال فقال أي شيء أحب إليك قال شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه وأعطي شعر حسنا قال فأي المال أحب إليك قال البقر فأعطي بقرة حاملة قال بارك الله لك فيها قال فأتى الأعمى فقال أي شيء أحب إليك قال أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس قال فمسحه فرد الله إليه بصرة قال فأي المال أحب إليك قال الغنم فقال رجل مسكين القطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله فبلاغلم عبد الله عبد الله عبد الله عبد الله عبد الله عبد الله عبد الله لا غلي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري فقال الحقوق كثيرا فقال له كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقدرك الناس فقيرا فأعطاك الله فقال إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت قال وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا ورد عليه مثل ما رد على هذا فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت قال وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال رجل مسكين وبن سبيل إن قطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاتا أتبلغ بها في سفري فقال قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري فخذ ما شئت ودع ما شئت فبالله لا أجهدك اليوم شيئا أخذته لله فقال أمسك ما لك فإنما ابتليتم فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك رواه مسلم فالأبرص نسب الفضل لنفسه ولم ينسبه لله ومثله الأقرع أما الأعمى فإنه نسب الفضل لله فرضي الله عنه وسخط على صاحبي وإنما ينسب الإنسان لنفسه الفضل إذا أعجب بنفسه وهذه خصلة ذميمة تهلك صاحبها كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مهلكات وثلاث منجيات وثلاث كفارات وثلاث درجات فأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه رواه الطبراني في الأوسط قال الرازي رحمه الله الافتخار بالنفس وبصفاتها من صفات إبليس وفرعون قال إبليس أنا خير منه أليس لي ملك مصر وكل من ادعى الإلهية أو النبوة بالكذب فليس له غرض إلا تزيين النفس وتقوية الحرص والعجب ولهذا قال عليه السلام ثلاث مهلكات وختمها بقوله وإعجاب المرء بنفسه فقول نبي الله سليمان عليه السلام هذا من فضل ربي يبين لنا أخلاق النبوة التي ينبغي أن نتحلى بها في حياتنا الأمر الثاني الذي نتعلمه من رد نبي الله سليمان عليه السلام هو كيفية التعامل مع النعم التي ينعم الله بها علينا فإحضار عرش ملكة سبأ من اليمن إلى مملكة سليمان عليه السلام في طرفة عين نعمة عظيمة تدل على القوة التي يمتلكها نبي الله سليمان عليه السلام ولذلك قال نبي الله سليمان عليه السلام أمام هذه النعمة وبحضرة جنده هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم فبيّن نبي الله سليمان عليه السلام أن النعم ابتلا يحتاج إلى شكر المنعم وهو الله جل في علاه وهذا الشكر يعود نفعه على الشاكر والله غني عنا سبحانه وتعالى فبيّن عليه السلام هذه الحقيقة أمام الجند ليتعلموها وهكذا ينبغي للأباء والأمهات شكر نعمة الله عليهم أمام أبنائهم ليقتدوا بهم في التعامل مع النعم أما ما يفعله بعض الناس من وضع هذه الجملة هذا من فضل ربي على المباني والمحلات والسيارات وغيرها فهو من أخطاء الناس في التعامل مع الآيات القرآنية وليست هذه هي طريقة شكر النعمة التي أنعم الله بها عليهم وإنما يفعلها الناس دفعا للحسد والعين وهذا خطأ آخر فمن أراد أن يشكر النعمة فلينظر إلى الطريقة الصحيحة في شكر النعم فكل نعمة لها طريقة في الشكر فنعمة المال تشكر باستخدامه فيما يرضي الله وبالتصدق على الفقراء والمساكين وهكذا بقية النعم أما تعليق الآيات على الجدران فليس من شكر النعمة ولكن ماذا فعل نبي الله سليمان عليه السلام بعرش ملكة سبأ لما أحضر عنده نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين قصة ملكة سبأ مع نبي الله سليمان عليه السلام