بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله المثنب بن حارثة الشيباني رضي الله عنه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أسواق مكة يعرض نفسه على الوافدين إليها من أنحاء الجزيرة وكان معه أبو بكر صديق وعلي بن أبي طالب فرأوا مشايخا لهم أقدار عليهم هيئات فتقدم منهم أبو بكر وسلم عليهم وقال من من القوم قالوا من بني شيبان بن ثعلب فمال على الرسول صلى الله عليه وسلم وقال بأبي أنت وأمي ليس فوق هؤلاء من عز في قومهم وكان في القوم المثنب بن حارثة الشيباني ومفروق بن عمر وهان بن قبيصة فالتفت إليهم أبو بكر وقال إن كان بلغكم خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فها هو ذا وأشار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا نعم ثم التفتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون أن يكلموه فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وقام أبو بكر خلفه يضلله بثوبه فقال له مفروق بن عمر وكان أقربهم مجلسا منه إلى أي شيء تدعو يا أخا قريش فقال النبي صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى شهادة ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله وأن تؤووني وتنصروني حتى أؤدي عن الله ما أمرني به فقال مفروق وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش فتل الرسول صلى الله عليه وسلم قوله عز وجل وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض ولو كان كلامهم لعرفناه فتل الرسول صلى الله عليه وسلم قوله عز وجل إن الله يأمر بالعدل وإحسان وإيتاء بالقرب وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغ يعذكم لعلكم تذكروا فقال له دعو تبالله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ثم التفت مفروق إلى المثنب بن حارثة وكأنه أراد أن يشركه في الكلام فقال هذا المثنب بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا فقال المثنى قد سمعتم قالتك واستحسنت كلامك لكن أمرا كهذا لا بد لنا من أن نرجع فيه إلى قومنا ثم إننا نزلنا على ماء مشرف على أرض فارس وقد أخذ علينا كسرى عهدا ألا نحدث حدثا وألا نؤوي محدثا ولعل هذا الذي تدعونا إليه مما يكرهه كسرى وقومه ونحن لا قبل لنا بهم ولا طاقة لنا بحربهم ولما هموا بالانصراف التفت إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله بلاد فارس وأموالهم ونساءهم أتسبحون الله وتقدسونه فقالوا اللهم نعم وهل ذلك لك يا أخا قريش فقال نعم قفل المثن ابن حارثة الشيباني راجعا إلى ديار قومه وصورة النبي صلى الله عليه وسلم لا تفارق مخيلته ورنين كلماته لا يبارح أذني وظل يتتبع أخباره ويتذكر قولته أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله بلاد فارس وأموالهم ونساءهم ثم يقول في نفسه ما الذي جعلني أقبض يدي عن بيعة محمد وقد أيقنت بصدقه وصحة دعوته وفي السنة التاسعة للهجرة أذن الله للمثن ابن حارثة الشيباني بأن يتشرف بالانضمام إلى كتائب الإيمان فوفد على النبي صلوات الله وسلامه عليه في جموع غفيرة من بني شيبان وأعلن إسلامه بين يديه وبايعه على السمع والطاعة لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يلبث إلا قليلا حتى لحق بالرفيق الأعلى وطفق العرب يخرجون من دين الله أفواجا كما دخلوا فيه أفواجا فتصدى لهم الصديق رضوان الله عليه ورماهم بمن بقي معه مستمسكا بدينه وكان المثن ابن حارثة الشيباني وقومه من أشد الناس بأسا على المرتدين وأعظمهم أثرا في القضاء على تلك الفتنة المدمرة العمياء خرج المثن ابن حارثة من حروب الردة ضافرا ووجد تحت امرته ثمانية آلاف مقاتل لا يعصون له أمرا وكانت كلمة الرسول صلوات الله وسلامه عليه عن استيلاء المسلمين على بلاد الفرس ما تزال ترن في أذنيه فقال في نفسه لما لا أضرب بهذا الجيش الباس للفرس وأستنقذ من أيديهم سواد العراق ألم يعدنا الصادق المصدوق بأن الله سيملكنا ديارهم ونساءهم وأموالهم وهل تملك الديار وتحرز الأموال إلا بأسنة الرماح وشفرات السيوف فعزم على أن يمضي بقومه إلى سواد العراق دون أن يستأذن الخليفة بذلك حتى لا يحرجه فإذا انتصر كان نصره للمسلمين جميعا وأذا انكسر كان انكساره عليه وحده هاجم المثن ابن حارثة سواد العراق فجعلت مدنه وقراه تتساقط تحت سنابك خيله كما تتساقط أوراق الشجر في فصل الخريف وطفقت أخبار انتصاراته تشرق في أنحاء جزيرة العرب وتغرب فقال الصديق رضوان الله عليه لمن حوله من هذا الذي تأتينا أخبار انتصاراته دون أن نعلم عن أمره شيئا وكان الجواب على هذا التساؤل والمثن نفسه فلقد أسرع إلى المدينة ولقي الصديق وأخبره بغاراته على سواد العراق وعدد له المدن والقرى والحصون التي حررها من الفرس وضمها إلى دولة الإسلام ووصف له جمالة تلك البلاد ووفرة خيراتها وكثرة غلاتها وأطلعه على حالة الفرس واضطرى بأمورهم واختلال ملكهم وما زال به حتى أغراه بفتح بلاد فارس فنشط الصديق لذلك الأمر الكبير وجيش له الجيوش وجعل المثن بن حارثة الشيباني أحد كبار قادته في هذه الحروب خاض المثن بن حارثة مع جيوش الفرس طائفة من المعارك كان أعظمها معركة بابل الشهيرة وكان من خبر هذه المعركة أن شهر ذان ملك الفرس أرسل قبيل المعركة كتابا إلى قائد جيش المسلمين المثن بن حارثة يقول فيه إني قد وجهت لحربك رعاة الدجاج والخنازير وغيرهم من الرعاع ولست أقاتلك إلا بهم فما أنت لمن فوقهم بأهل فرد عليه المثن برسالة جاء فيها من المثن بن حارثة الشيباني إلى شهر ذان أما بعد فإننا نحمد الله الذي رد كيدكم إلى نحركم وأحوجكم إلى رعاة الدجاج والخنازير للدفاع عن أنفسكم وغدا حين يلتق الجمعان سيعلم الظالمون أي منقلب ينقلبون ولما لتق الجمعان أقبل هرمز قائد جيش الفرس على رأس الآلاف المؤلفة من جنوده يتقدمهم الفيل الأعظم الذي كانوا يحتفظون به لكبريات المعارك فطفق ذلك الحيوان الرهيب المدرب يضرب جنود المسلمين بخرطومه الطويل الغليض يمنة ويسرة فوجلت منه قلوبهم وجفلت من رؤيته خيولهم وتصدع بسببه نظامهم أدرك المثنب بن حارثة أن النصر محال عليه مادام هذا الحيوان الجبار يفتك بجنوده ذلك الفتك الذريع فتجرد له مع نفر من رجاله الأشداء وحمل على العسكر المحيطين به حملة صادقة زلزلت أقدامهم وكشفتهم عنه ثم عاجله بطعنة نجلاء من رمحه فأصابت منه مقتلى وأتبعه بطعنات أخرى مميتات فما لبث أن خر الفيل صريعا على الأرض يسبح بدمائه فعلى تكبير المسلمين وتهليلهم وتدفقوا على ساحة القتال تدفق السيل وأعملوا رماحهم وسيوفهم في نحور الأعداء وما هو إلا قليل حتى ولا رعاة الدجاج والخنازير الأدبار ولا ذقائدهم هرمز بالفرار واحتل المثن ابن حارثة الشيباني بابل فأحرز ما حوته من الغنائم وسبا ما اجتملت عليه من النساء فجعل يسبح الله العظيم ويقول صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق نبي الله صلى الله عليه وسلم لقد ملكنا الأرض وأخذنا المال وسبينا النساء محمد وبصحبه قد غسلت الصرح المشيد يا شيار وأسعقني أفض في مدحهم هل من مزيد