بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله ذو البجادين رضي الله عنه على يمين الراكب من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة جبل أخضر السفوح نظير الذرى وارف الظلال يدعى جبل ورقان وكان يسكن هذا الجبل بطن من بطون قبيلة مزينة في شعب من شعاب ذلك الجبل القريب من يثرب ولد عبد العزة ابن عبد نهامين المزني لأبوين فقيرين وقد كان ميلاده قبيل مطلع النور في مكة المكرمة بزمن يسير غير أن يدى المنون ما لبثت أن اخترمت والد الطفل المزني فهو لم يدرج بعد فتحالف عليه اليتم والفقر لكنه كان للطفل اليتيم الفقير عم على حظ كبير من وفرة الغنى وبسطة العيش ولم يكن لعمه هذا ولد يزين حياته أو عقب يرث أمواله فأولع ابن أخيه الصغير وأنزله من نفسه وماله منزلة الولد من أبيه شب الغلام المزني في أحضان جبل ورقان المونقة المورقة فقلع عليه الجبل النظير رقة من رقته وأسبغ عليه صفاء من صفائه فنشأ مرهف الحس صافيا النفس نقي الفطرة فكان ذلك سببا آخر لأن يزداد عمه ولعن به وإيثارا له وعلى الرغم من أن الفتا المزني قد بلغ مبلغ الرجال فإنه لم يسمع بالدين الجديد ولم يصل إلى علمه شيء من أخبار صاحبه محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وقد استطال ذلك حتى سعدت يثرب بيومها المبارك الأغر الذي قدم فيه الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم عليها مهاجرا فطفق الفتا المزني المزني يتتبع أخبار الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه ويتسقط أحواله حتى إنه كثيرا ما كان يمكث سحابة نهاره على جانب الطريق المفضية إلى المدينة ليسأل الذاهبين إليها والغادين منها سؤال الملهوف عن الدين الجديد وأنصاره والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم وأخباره لا أن شرح الله صدره الطاهر للإسلام وفتح قلبه الغضة لأنوار الإيمان فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وذلك قبل أن تكتحل عيناه بمرء الرسول صلوات الله وسلامه عليه أو تنعم أذناه بسماع حديثه فكان أول أمر يسلم من بني قومه في جبل ورقان كتم الفتا المزني إسلامه عن قومه عامة وعن عمه خاصة وجعل يخرج إلى الشعاب النائية ليعبد الله عز وجل في أكنافها بعيدا عن أنظار الناس وكان يترقب بلهفة وشوق اليوم الذي يسلم فيه عمه ليتمكن من إعلان إسلامه وليمضي بصحبته إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه بعد أن غدى الشوق إلى لقاء النبي صلى الله عليه وسلم يملك عليه قلبه ويشغل منه لبه ولما وجد الفتا المؤمن أن صبره قد طال وأن عمه بعيد عن الإسلام وأن المشاهد مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه تفوته واحدا بعد آخر حزم أمره غير غافل عن عواق بما أقدم عليه وأقبل على عمه وقال يا عم لقد انتظرت إسلامك طويلا حتى نفد صبري فإن كنت ترغب في أن تسلم ويكتب الله لك السعادة فنعم ما تصنع وإن كانت الأخرى فأذل لي بأن أعلن إسلامي بين الناس ما كادت كلمات الفتا تلامس أذني عمه حتى استشاط غضبا وقال أقسم بالله والعزة لأن أسلمت لأن زعن من يدك كل شي كنت أعطيته لك ولأسلمنك للفاقة ولأتركنك فريسة للعوز والجوع فلم يحرك هذا التهديد في الغلام المؤمن ساكنا ولم يفتت من عزمه شيئا فاستعان عمه عليه بقومه فهبوا يرهبونه ويرغبونه وطفقوا يهددونه ويتوعدونه فكان يقول لهم إفعلوا ما شئتم فأنا والله متبع محمدا وتارك عبادة الأحجار ومنصرف إلى عبادة الواحد القهار وليكن منكم ومن عمي ما يكون فما كان من عمه إلا أن جرده من كل ما أعطاه وقطع عنه رفدة وحرمه من جدوى ولم يترك له غير بجاد يستر به جسد مظلفة المزني مهاجرا بدينه إلى الله ورسوله مخلفا وراءه مغاني الطفولة ومراتع الصبا معرضا عما في يد عمه من الثراء والنعمة راغبا فيما عند الله من الأجر والمثوبة وجعل يحث الخطى نحو المدينة تحدوه إليها أشواق بات التفري فآده فريا فلما غدا قريبا من يثرب شق بجاده شقين فاتزر بأحدهما وارتدا بالآخر ثم مضى إلى مسجد الرسول صلوات الله وسلامه عليه وبات فيه ليلته تلك فلما انبلج الفجر وقف قريبا من باب حجرة النبي عليه الصلاة والسلام وجعل يترقب في لهفة وشوق طلعة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم من حجرته فما ان وقع بصره عليه حتى تهللت على خده دموع الفرح وشعر كأن قلبه يريد أن يقفز من بين جنبيه لتحيته والسلام عليه ولما قضيت الصلاة قام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يتصفح وجوه الناس فنظر إلى الفتى المزني وقال ممن أنت يا فتى فانتسب له فقال له مسمك فقال عبد العزة فقال له بل عبد الله ثم دنا منه وقال انزل قريبا منا وكن في جملة اضيافنا فصار الناس منذ ذلك اليوم ينادونه عبد الله ولقبه الصحابة الكرام بذي البجادين بعد أرأوا بجاديه ووقفوا على قصته فعرف في التاريخ أكثر ما عرف بهذا اللقب لا تسل أيها المستمع الكريم عن سعادة ذي البجادين حين أصبح يعيش في كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشهد مجالسه ويصلي خلفه وينهل من هده ويتملا من شمائله لقد نادته الدنيا فآصم أذنيه عن سماع أصواتها وأقبل على الآخرة يطلبها من كل سبيل لقد طلبها بالدعاء الذي كان يجأر به في خشية وخشوع حتى سماه الصحابة الأواة وطلبها بالقرآن فكان لا يفت أو يعطر بشذا آياته البينات أرجاء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبها بالجهاد فكانت لا تفوته غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي غزوة تبوك سأل ذو البجادين الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن يدعو له بالشهادة فدعى له بأن يعصم دمه من سيوف الكفار قال له بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا أرد فقال له عليه الصلاة والسلام إذا خرجت غازيا في سبيل الله فمرضت فمت فأنت شهيد وإذا جمحت بك دابتك فسقطت فقتلت فأنت شهيد لم يمضي على هذا الحديث غير يوم وليلة حتى حمل فتى المزني المات لقد مات مهاجرا إلى الله مجاهدا في سبيل الله بعيدا عن الأهل والعشير غريبا عن الوطن والدار فعوضه الله عن ذلك كله خير العواب فلقد خط له الصحابة الكرام قبره بسواعد هم الطاهرة ونزل في قبره الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بنفسه وسواه بيديه الشريفتين ولقد دله إلى القبر الشيخان أبو بكر وعمر حيث قال لهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه قربا إلي أخاكما فأنزله إلي فتناوله منهما وأسكنه في لحده وكان عبد الله بن مسعود واقفا يشهد ذلك كله فقال ليتني يا صاحب هذه الحفرة والله وددت لو كنت مكانه وقد أسلمت قبله بخمس عشرة سنة قد نادت الدنيا ذا البجادين فأصم أذنيه عن سماع صوتها واقبل على الآخرة يطلبها من كل سبيل