بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ كُنُوزُ السِّيرَةِ الدعوة في الطائف وبعد وفاة أبي طالب ووفاة خديجة رضي الله عنها خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الطائف يدعو إلى الله تبارك وتعالى فالنبي صلى الله عليه وسلم ظلت تلك السنوات العشر في مكة يدعو إلى الله تبارك وتعالى ثم رأى صلى الله عليه وسلم أن يخرج من مكة ويبدأ بالدعوة خارجها فأول ما فكر صلى الله عليه وسلم بالطائف فخرج مشيا على قدمي ومعه زيد بن حارثة مولاه وخادمه وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبناه في أول الأمر فكان يسمى بزيد بن محمد حتى نزل قول الله تبارك وتعالى ادعوهم لآبائهم فصار ينادى بعد ذلك بزيد بن حارثة ولما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى ثلاثة إخوة من رؤساء ثقيف وهم عبد ياليل ومسعود وحبيب أبناء عمر بن عمير الثقفي ودعاهم إلى الله وإلى نصرة دينه فقال أحدهم عن نفسه إنه يمزق ثياب الكعبة إن كان الله أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم وقال الآخر لنبي الله صلى الله عليه وسلم أما وجد الله أحدا غيرك وقال الثالث والله لا أكلمك أبدا إن كنت رسولا لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولأن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك هكذا عامل هؤلاء الثلاثة النبي صلى الله عليه وسلم بتلك القسوة وذلك لاستهزاء وهو قد خرج من بلده ودخل إلى بلد هو غريب فيها يدعو إلى الله تبارك وتعالى ولكنهم واجهوه بهذه الكلمات التي ملؤها الاستهزاء والسخرية وليت الأمر بقي على ذلك ولكن الطين زاد بالله فإنهم قالوا له أخرج من بلادنا ثم أغروا به سفهاءهم فلما أراد الخروج تبعه السفهاء والعبيد والصبيان يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس فوقفوا صفين وجعلوا يرمونه بالحجارة وبكلمات من السفه حتى أصابوا عراقيبه واختضب النعال بالدم وكان زيد رضي الله عنه يق النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه فصار النبي صلى الله عليه وسلم يمشي وهؤلاء يضربونه صلى الله عليه وسلم حتى التجأ إلى حائط لعثبة وشيبة ابني ربيعة في الطائف فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحائط فجاء إلى حبلة من عنب فجلس تحت ظلها إلى جدار ودعى بدعاء ملأه اللجوء والرغبة بما عند الله تبارك وتعالى والذي من خلاله يظهر للمؤمن كيف أنه يجب عليه دائما أن يصدق مع الله وأن يلتجئ إليه في كل أمره فقال صلى الله عليه وسلم اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك فلما رآه ابنى ربيعة عتبة وشيبة تحركت له الرحم وذلك أنهما من ولد عبد شمس بن عبد مناف فدعوا غلاما لهما وهو نصراني يقال له عداس وقالا له خذ قطفا من هذا العنب واذهب به إلى هذا الرجل فلما جاء عداس وضعه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فمد يده صلى الله عليه وسلم وقال بسم الله ثم أكل كنوز السيرة شفقة النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته بأمته بعد رجوعه من الطائف صلى الله عليه وسلم أراد الله جل وعلا أن يخفف عنه وأن يبين أنه معه سبحانه وتعالى ولكنه يبتليه ليرفع درجته أخرج الإمامان البخاري ومسلم بسنديهما عن عروة ابن الزبير أن عائشة رضي الله عنها حدثت إنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد قال صلى الله عليه وسلم لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل فلم يجبني إلى ما أرد فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني وقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت فقال النبي الكريم الرحيم الحليم المشفق على أمته صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئا وهكذا يجب على الداعية إلى الله تبارك وتعالى أن ينظر إلى العصاة وإلى الصادين النادين عن أمر الله تبارك وتعالى نظرة المشفق عليهم كنوز السيرة إيمان الجن ثم سلاه الله تبارك وتعالى بأمر آخر وهو أنه في طريق عودته بعث إليه نفرا من الجن والجن كالإنس مكلفون مأمورون بالإيمان منهيون عن الكفر من أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار فبعث الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الجن ذكرهم الله تبارك وتعالى فقال وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم هكذا أرسل الله تبارك وتعالى نفرا من الجن كأنه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم إن كان أحزنك كفر أهل مكة وكفر أهل الطائف وإيذاؤهم لك فقد أرسل الله تبارك وتعالى إليك من آمن بك من الجن وهذه لا شك تفرح النبي صلى الله عليه وسلم وتسعده كنوز السيرة عودته صلى الله عليه وسلم إلى مكة وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دنا من مكة مكث بحرا وبعث رجلا من خزاعة إلى الأخنس بن شريق ليجيره حتى لا يؤذى بعد وفاة عمه أبي طالب فقال الأخنس بن شريق أنا حليف والحليف لا يجير فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى سهيل بن عمر يطلب منه الجوار فقال سهيل إن بني عامر لا تجير على بني كعب فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المطعم بن عدي فقال المطعم نعم ثم تسلح ودعى بنيه وقومه فقال إلبس السلاح وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمدا ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ادخل فدخل الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام فقام المطعم بن عدي على راحلته فناد يا معشر قريش إني قد أجرت محمدا فلا يهجه منكم أحد وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه وصلى ركعتين ثم انصرف إلى بيته والمطعم بن عدي وأولاده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته وقام ابو جهل إلى المطعم بن عدي فقال أم جير أنت أم متابع قال بل مجير فقال ابو جهل قد أجرنا من أجرت وهذا التصرف من المطعم بن عدي يظهر لنا أمرا مهم يجب علينا أن نقف عنده قليلا ألا وهو أن الله تبارك وتعالى لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم إنما بعثه من العرب وذكر أهل العلم في ذلك حكما كثيرة فمن أعظم هذه الحكم أن العرب لهم من الصفات ما ليس لغيرهم فنجد أن العربية كريم يضرب في كرمه المثل شجاع لا يهاب شيئا يحافظ على حق الجار ألم يقل عن ترى ذاك الجاهلي وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مثواها وهم أهل صدق اللسان وسيأتينا في قصة أبي سفيان معه رقل قول أبي سفيان والله لولا أن العرب تحسب علي كذبة لكذبت يقول هذا وهو في جاهليته وفيهم الأنفة والأخوة والأمانة ويموت الرجل في سبيل أن يدافع عن أمانته وقصة السموأ لمعمر القيس مشهورة جدا لما جعل عنده ابنته أمانة مات في سبيل الدفاع عنها وصفات أخرى لأجلها جميعا ولغير ذلك من الحكم اختار الله تبارك وتعالى العرب دون غيرهم فهذا المطعم ابن عدي على الشرك متابع لقومه ومعادل للنبي صلى الله عليه وسلم يبغض دينه قاطع النبي صلى الله عليه وسلم مع من قاطع ومع هذا كله يأتيه النبي صلى الله عليه وسلم فيقول له أجرني حتى أدخل إلى بلدي فيقول نعم ثم ماذا يفعل يأمر أولاده أن يتسلحوا دفاعا عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أجاره فيدخل النبي صلى الله عليه وسلم في جوار المطعم ابن عدي ثم هذا ابو جهل يسأل المطعم ابن عدي أمجير أم متابع قال بل مجير قال قد أجرنا من أجرت كما قال ابن خلدون رحمه الله إن العرب قد اجتمعت فيهم صفات كثيرة من الحسن وإنما كانوا يحتاجون إلى دين يربطهم ويقوموا من سلوكهم فبعث الله تبارك وتعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بهذه الشريعة السمحة وبهذا الدين القويم فلما اختارت العرب هذا الدين نصر الله بهم الدين ونشره في المعمورة وحق لهم ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم ما نسي هذا للمطعم ابن عدي ففي قضية أسرى بدر لما خير بين القتل والمن والفدى قال لو كان المطعم ابن عدي حيا ثم سألني أولئك النتنى لأعطيتهم إياه أو لتركتهم له كنوز السيرة بدء استجابة أهل المدينة دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بلده مرة ثانية إلى مكة إلى البيت الحرام إلى مصدر النور الذي ابتدأه النبي صلى الله عليه وسلم إلى حيث قومه ودعوته في ابتدائها فلما كان موسم الحج في السنة الحادية عشرة من النبوة مر النبي صلى الله عليه وسلم بمنى فسمع أصوات رجال من الحجاج وكانوا ستة نفر من أهل يثرب وكلهم من الخزرج وهم أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث ورافع بن مالك وقطبة بن عامر وعقبة بن عامر وجابر بن عبد الله وكانوا من سعادتهم أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من اليهود أن نبيا مبعوثا في هذا الزمان إذ كانت اليهود دائما تقول للأوس والخزرج هذا أوان خروج نبي وسنتابعه ونقتلكم شر قتلة فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم من أنتم قالوا من الخزرج قال من موالي اليهود قالوا نعم قال أفلا تجلسون أكلمكم قالوا بلى فجلسوا معه فذكر لهم دعوته والدين الذي يدعو إليه وقرأ عليهم بعض آيات من كتاب الله تبارك وتعالى فقال بعضهم لبعض تعلمون والله يا قوم إنه لنبي الذي توعدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه فأسرعوا إلى إجابته وأسلموا فأسلموا وتابعوا النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذه السنة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة رضي الله عنها ابنة أبي بكر واختلف أهل العلم في سودة فقيل تزوجها قبل عائشة وقيل بعد عائشة رضي الله عنهما كنوز السيرة