بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ عَلَيْهَا السَّلَامِ قالت هو من عند الله من المسائل التي تشغل قلب المرأة مسألة الرزق وخاصةً في هذا الزمان مع أن الله عز وجل بيَّنَها في كتابه بشكلٍ واضحٍ فقال ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌ فِي كِتَابٍ مُبِينَ ومع ذلك فقد يضعف توكل المرأة على الله وتنتابها المخاوف من الفقر والعوز لذلك جاءت الآيات الكثيرة التي تطمئن قلب المرأة بأن الرزق من الله وأن الله رازقها وأن الله يرزق من يشاء بغير حساب وفي قصة مريم عبرة لكل فتاة في أن طاعتها لله لا تمنع رزقها بل تزيد في رزقها فالله يرزق من يشاء بغير حساب قال تعالى كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنا لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب لقد تعجب زكريا وجود الطعام عند مريم مع أنه لم يحضره لها فسألها عنه فقالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فانشغل كثير من المفسرين بمعرفة نوع الطعام الذي أكرمها الله به بينما العبرة التي تؤخذ من هذا الحدث وهذا الموقف لا نجدها في كثير من كتب المفسرين إلا من وفقه الله لذلك فما لكثير من المفسرين إلى أن هذا الطعام مخالف للطبيعة فيأتيها طعام الصيف وقت الشتاء وطعام الشتاء وقت الصيف وهذا الكلام وإن ذكره بعض المفسرين ولكن الكرامة لا يلزم منها مغايرة الطبيعة في الطعام وإنما الكرامة أن يأتيها طعام مناسب لها من غير أن تحضره بنفسها أو يحضره لها أحد ولذلك تعجب زكريا من وجود رزق عندها كلما دخل عليها وهي جالسة في مكانها لا تخرج ولا يدخل عليها غيره قال ابن عطية رحمه الله وقوله تعالى وجد عندها رزق معناه طعاما تتغذى به ما لم يعهد ولا عرف كيف جلب إليها وقال محمد رشيد رضا رحمه الله وأنت ترى أنه لا دليل في الآية على أن الرزق كان من خوارق العادات وإسناد المؤمنين الأمر إلى الله في هذا المقام معهود في القديم والحديث قال الأستاذ الإمام ما مثاله مبسوطا إن القرآن نزل سائغا يسهل على كل أحد فهمه من غير حاجة إلى عناء ولا ذهاب في الدفاع عن شيء خلاف الظاهر فعلينا ألا نخرج عن سنته ولا نضيف إليه حكايات إسرائيلية أو غير إسرائيلية لجعل هذه القصة من خوارق العادات والبحث عن ذلك الرزق ما هو ومن أين جاء فضول لا يحتاج إليه لفهم المعنى ولا لمزيد العبرة ولو علم الله أن في بيانه خيرا لنا لبينه لقد قررت مريم عليه السلام في جوابها على نبي الله زكريا ثلاثة أمور الأول أن الرزق من عند الله الثاني أن الله يرزق من يشاء بغير حساب الثالث أن الطعام يسمى رزق وفي هذا عبرة لكل فتاة لم تتزوج ولكل امرأة متزوجة ولكل امرأة مطلقة ولعموم نساء المسلمين أما الفتاة التي لم تتزوج فالتعلم أن الزواج رزق من الله يطلب بالأسباب الشرعية والتي منها الدعاء فتطلب الفتاة الزوجة الصالحة من الله وتلح في الدعاء والله سبحانه هو الرزاق وعلى الفتاة أن توقن أن المعصية لا تجلب رزقا وأن الطاعة لا تمنعه فمن ظنت أن التزامها باللباس الشرعي كما أمر الله في كتابه وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته يمنعها من الزواج فقد أساءت الظن بالله وكذلك الأم التي تظن أن تستر ابنتها سيحرمها من الزواج قد أساءت الظن بالله وهل جاء الرزق لمريم وهي في محرابها إلا كرامة لها لطاعتها وعبادتها فالتزامك بما أمر الله من الستر والحياء والعفة لا يحرمك من الزواج ولا يؤخره عنك وأما المرأة المتزوجة فقد تصاب بلوثة أهل الجاهلية وهي ترك الإنجاب بحجة قلة الرزق وقد نهى الله عن هذا الفعل ووعد الزوجين بالرزق فقال ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم وقال سبحانه ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا ففي حال الفقر قدم رزق الزوجين على رزق المولود وفي حال الخوف من الفقر قدم رزق المولود على رزق الزوجين وأما المرأة التي تختلف مع زوجها وتشعر أنه قد يطلقها بسبب كرهه لها أو غير ذلك فقد طمأنها الله عز وجل بالرزق ولو وقع الطلاق فقال سبحانه وتعالى وأن يتفرق يغني الله كلًا من سعته وكان الله واسعًا حكيمًا قال ابن كثير رحمه الله أخبر الله تعالى أنهما إذا تفرق فإن الله يغنيه عنها ويغنيها عنه بأن يعوضه الله من هو خير له منها ويعوضها عنه بمن هو خير لها منه وكان الله واسعًا حكيمًا أي واسع الفضل عظيم المن حكيمًا في جميع أفعاله وأقداره وشرعه فالرزق في هذه الآية أعم من أن يكون مالًا فقد يكون زواجًا ترزق من خلاله بحياة زوجية جديدة وسعادة جديدة ومال وذرية فالطلاق لا يعني الفقر ولا يلزم منه الفقر قال تعالى فإذا بلغنا أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدو ذوي عدل منكم وأقيم الشهادة لله ذلكم يوعد به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا قال محمد رشيد رضا رحمه الله والمتقي يكون دائما أحسن حالا وأكثر احتمالا ومحلا لعناية الله تعالى به فلا يؤلمه الفقر كما يؤلم الفاجر فهو يجد بالتقوى مخرجا من كل ضيق ويجد من عناية الله رزقا غير محتسب وقد ترفض الفتاة الرجل الصالح بسبب فقره فرد الله عليها بقوله وأنكح الأيام منكم والصالحين من عبادكم وإماءكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم قال ابن كثير رحمه الله قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رغبهم الله في التزويج وأمر به الأحرار والعبيد ووعدهم عليه الغنى فقال تعالى إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمود بن خالد الأزرق حدثنا عمر بن عبد الواحد عن سعيد يعني ابن عبد العزيز قال بلغني أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال تعالى إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال إلتمسوا الغنى في النكاح لقد كان من تأثير إجابة مريم عليه السلام لنبي الله زكريا عليه الصلاة والسلام أن بادر زكريا بطلب الذرية من الله وهي رزق فقال قنا لك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاق فاستجاب له ربه سبحانه وتعالى فأرسل له الملائكة تبشره بالمولود فقال فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحرى بأن الله يبشرك بيحيا مصدقا مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين إن إجابة مريم لنبي الله زكريا بهذا الجواب دليل على صلاحها ويقينها بالله عز وجل وهكذا ينبغي للفتاة المسلمة أن تتربى على الإيمان والثقة بوعد الله وإن مسارعة نبي الله زكريا للدعاء وطلب الولد من الله وهو رزق بعد أن سمع إجابة مريم دليل على أن الصالحين يسارعون في فعل الخير إذا ذكروا به والذين أمله من كل فتاة اليوم ومن كل امرأة متزوجة أو غير متزوجة أن توقن أن الله هو الرزاق فتطلب الرزق منه كما قال تعالى فابتغوا عند الله الرزق وعبدوه واشكروا له إليه ترجعون ولا يلزم أن يكون الرزق مالا نقديا بل قد يكون طعاما أو ذرية أو زوجا أو قناعة في النفس أو سعادة وراحة نفسية أو صحة في البدن وعافية من الله أو غير ذلك الأمر الأخير الذي قررته مريم في جوابها لنبي الله زكريا هو أن الله يرزق من يشاء بغير حساب قال أبو زهرة رحمه الله أي أن رزق الله كثير غير محدود بحد ولا مقدر بقدر ولذا لا يحده الحساب ولا تجري عليه الأعداد التي تنتهي فنسأل الله من فضله العظيم من يرزقنا الجنة بغير حساب نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين