بسم الله الرحمن الرحيم محمد رسول الله المختصر في السيرة النبوية من تأليف الشيخ موسى بالراشد العازمي حفظه الله الإذن بالهجرة إلى المدينة قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما صدر السبعون من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم طابت نفسه صلى الله عليه وسلم وقد جعل الله له منعة وقوما أهل حرب وعدة ونجدة وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من خروجهم إلى المدينة فضيقوا على أصحابه ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى فشكى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذنوه في الهجرة وقال ابن إسحاق فلما بايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن اتبعه وأوائليهم من المسلمين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها واللحوق بإخوانهم من الأنصار وروا الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان وروا الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب ومعنى ذهب وهلي أي وهمي واعتقادي ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع المسلمين بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار فقال لهم إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها فخرجوا أرسالا متخفين وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة تتابع هجرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم روى الإمام البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وبن أم مكتوم فجعل يقرئاننا القرآن ثم جاء عمار وبلال وسعد ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين أي عشرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وروى بن إسحاق في السيرة بسند صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال اتعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أي تواعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل السهمي التناضب من أضاءة بني غفار فوق سرف والأضاءة هي الماء المستنقع من سيل أو غيره وقلنا أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمضي صاحباه قال فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب وحبس عنا هشام وفتنا ففتت استئذان أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالهجرة قال ابن إسحاق وكان أبو بكر رضي الله عنه كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا فيطمع أبو بكر رضي الله عنه أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الصاحب وروا الإمام البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي فقال أبو بكر رضي الله عنه وهل ترجو ذلك بأبي أنت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلى فراحلتين كانت عنده ورق السمر وهو الخبط أربعة أشهر اجتماع قريش في دار الندوة قال ابن اسحاق ولما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعه فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وعرفوا أنهم قد أجمع لحربهم فاجتمعوا له في دار الندوة يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه فغدوا في اليوم الذي اتعدوا له وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة فقال بعضهم لبعض إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا في من قد اتبعه من غيرنا فقال قائل منهم إحبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم فرفضوا هذا الرأي ثم قال قائل منهم نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا فإذا أخرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت فرفضوا هذا الرأي فقال أبو جهل قبحه الله والله إن لي فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد قالوا وما هو يا أبا الحكم قال أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتا شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا ثم نعطي كل فتا منهم سيفا صارما ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه فإنهم إذا فعلو ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فرضوا منا بالعقل أي الديا فعقلناه لهم فاتفقوا على ذلك وتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له إخبار الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بمكر كفار قريش أخبر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بمكر المشركين به فأنزل عليه قوله تعالى وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية فتأويل الكلام واذكر يا محمد نعمتي عندك بمكر بمن حاول المكر بك من مشرك قومك بإثباتك أو قتلك أو إخراجك من وطنك حتى استنقذتك منهم وأهلكتهم فامضي لأمري في حرب من حاربك من المشركين وتولى عن إجابة ما أرسلتك به من الدين القيم ولا يرعب أنك كثرة عددهم فإن ربك خير الماكرين بمن كفر به وعبد غيره وخالف أمره ونهيه مدة إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنه ما قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين ومات وهو ابن ثلاث وستين قال الإمام النووي اتفقوا أنه صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين ومكة قبل النبوة أربعين سنة وإنما الخلاف في قدر إيقامته بمكة بعد النبوة والصحيح أنها ثلاث عشرة فيكون عمره ثلاثا وستين وهذا الذي ذكرناه أنه بعث على رأس أربعين سنة هو الصواب المشهور الذي أطبق عليه العلماء هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ثم أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا وهي آية الإذن بالهجرة له صلى الله عليه وسلم قال الحافظ بن كثير في تفسير الآية أرشده الله وألهمه أن يدعو بهذا الدعاء وأن يجعل له مما هو فيه فرجا قريبا ومخرجا عاجلا فأذن له تعالى في الهجرة إلى المدينة النبوية حيث الأنصار والأحباب فصارت له دارا وقرارا وأهلها له أنصارا وروا الإمام الترمذي في جامعه والحاكم في مستدركه وصححاه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة فنزلت عليه وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا وروا الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر في الخروج حين اشتد عليه الأذى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أقم قال يا رسول الله أتطمع أن يؤذن لك فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إني لأرجو ذلك قالت فانتظره أبو بكر فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ظهرا فناداه فقال أخرج من عندك فقال أبو بكر رضي الله عنه إنما هم ابنتاي أشار بذلك إلى عائشة وأسماء رضي الله عنهما وفي رواية أخرى في صحيح البخاري إنما هم أهلك قال السهيلي في الروض الأنف وذلك أن عائشة رضي الله عنها قد كان أبوها أنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشعرت أنه قد أذن لي في الخروج قال يا رسول الله الصحبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحبة قال يا رسول الله عندنا قتاني قد كنت أعددتهما للخروج فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم إحداهما وهي الجدعى استأجارهما عبد الله بن أريقط دليلا قالت عائشة رضي الله عنها واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بن الديل وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا والخريت هو الماهر بالهداية وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفع إليه راحلتيهما ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث تطويق المشركين بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله ينتظر مجيء الليل ليخرج إلى بيت أبي بكر الصديق رضي الله عنه ويتوجه إلى غار ثور وهو صلى الله عليه وسلم على علم تام بما اتمرت به قريش من المكر واجتمع أولئك النفر من قريش حول بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتطلعون من صير الباب أي من شق الباب ويرصدونه يريدون بياته ويأتمرون أيهم يكون أشقاها فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم وأخذ حفنة من تراب في يديه فجعل يذره على أرؤوسهم وهم لا يرونه وهو يتلو واجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون توجه الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه إلى غار ثور ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر الصديق رضي الله عنه فلما وصل فإذا بأبي بكر رضي الله عنه قد أعد للهجرة عدته قالت عائشة رضي الله عنها فجهزناهما أحث الجهاز ثم خرجا وتوجها إلى غار ثور وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى مكة شرفها الله نظرة الوداع وهو يقول والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت وروا الإمام الترمذي والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة ما أطيبك من بلد وأحبك إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال وفي رواية أخرى عنها رضي الله عنها قالت فركبا فانطلقا حتى أتي الغار وهو بثور فتواريا فيه خدمة آل أبي بكر الصديق رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم كان عبد الله ابن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما يبيت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيه في فترة وجودهما في الغار قالت عائشة رضي الله عنها يبيت عندهما عبد الله ابن أبي بكر وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌ ثَقِفٌ لَقٍ ثَقِفٌ أي ذُو فِطْنَةٍ وَذَكَاءٍ وَلَقٍ أي فَهِمٌ حَسَنُ التَّلَقُّنِ لِمَا يَسْمَعُهُ فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَى دَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهٍ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامِ رَعْيُ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهِ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَيَرْعَ عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مولى أبي بكر منحةً من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعةٌ من العشاء فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس وينعق أي صيح بغنمه يفعل ذلك في كل ليلةٍ من تلك الليال الثلاث وقال ابن إسحاق فإذا عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما غدا من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفي عليه أي يدرس ويمحي أثره حمل أسماأ رضي الله عنها الطعام إليهما قالت أسماأ رضي الله عنها صنعت سفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر إلى المدينة والسفرة هي طعام يتخذه المسافر وأكثر ما يحمل في جلد مستدير قالت فلم نجد لسفرته ولا لسقائه ما نربطهما به فقلت لأبي بكر رضي الله عنه والله ما أجد شيئاً أربط به إلا نطاقي والنطاق هو ما تشد به المرأة وسطها ليرتفع به ثوبها من الأرض قال فشقيه بثنين فاربطيه بواحد السقاء وبالآخر السفرة ففعلت فلذلك سميت ذات النطاقين وفي لفظ آخر في صحيح مسلم قالت أسماأ رضي الله عنها أنا والله ذات النطاقين أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعام أبي بكر رضي الله عنه من الدواب وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه قال الإمام النووي والأصح أنها سميت بذلك لأنها شقت نطاقها الواحد نصفين فجعلت أحدهما نطاقاً صغيراً وكتفت به والآخر لسفرة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه كما صرحت به في هذا الحديث هنا خروج المشركين في طلب النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه ظل المشركون عند باب بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون خروجه وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتاهم آتٍ فقال ما تنتظرونها هنا قالوا محمدًا قال خيّبكم الله قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته أفما ترون ما بكم فوضع كل رجلٍ منهم يده على رأسه فأيذا عليه تراب ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليًا رضي الله عنه على الفراش متسجيًا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون والله إن هذا لمحمدٌ نائمًا عليه برده فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام عليٌ رضي الله عنه عن الفراش فقالوا والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا وجدت قريش في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه وأخذوا معهم القافة وجعلوا لمن جاء به ماديةً عظيمة مئة ناقه فجد الناس في الطلب والله غالبٌ على أمره روى الإمام البخاري في صحيحه والإمام أحمد في مسنده واللفظ لأحمد عن سراقة ابن مالك قال جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه ذيت كل واحد منهما لمن قتلهما أو أسرهما وفي رواية ابن إسحاق في السيرة بسند حسن عن سراقة ابن مالك قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا إلى المدينة جعلت قريش فيه مئة ناقة لمن رده عليهم إذ هما في الغار انتشر المشركون في كل مكان يبحثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه حتى انتهت مجموعة منهم إلى جبل ثور ووصلوا إلى فم الغار ولم يبقى بينهم وبين العثور على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه إلا أن ينظروا داخل الغار روى الشيخان في صحيحيهما واللفظ لمسلم عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حدثه قال نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار فقلت يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر ما ظنك بثنين الله ثالثهما وفي لفظ آخر في صحيح البخاري قال ابو بكر رضي الله عنه كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم فقلت يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسكت يا أبا بكر اثنان الله ثالثهما قال الحافظ في الفتح ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم الله ثالثهما أي معاونهما وناصرهما وإلا فهو مع كل اثنين بعلمه كما قال ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم وفي هذا الموقف العظيم يقول الله تعالى ونصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا قال الإمام ابن جرير الطبري هذا إعلام من الله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه المتوكل بنصر رسوله صلى الله عليه وسلم على أعداء دينه وإظهاره عليهم دونهم أعانوه أو لم يعينوه وتذكير منه لهم فعل ذلك به وهو من العدد في قلة والعدو في كثرة فكيف به وهو من العدد في كثرة والعدو في قلة قلت صرف الله سبحانه وتعالى قلوب وأبصار المشركين عن النظر داخل الغار فحفظ الله سبحانه بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم من المشركين مغادرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه الغار أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكرين الصديق رضي الله عنه في الغار ثلاث ليال حتى إذا خمدت عنهما نار الطلب وسكن عنهما الناس جاءهما عبد الله بن أريقط بالراحلتين فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة رضي الله عنه قالت عائشة رضي الله عنها وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق الساحل وقال الحافظ بن كثير والظاهر أن بين خروجه عليه الصلاة والسلام من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يوما لأنه أقام بغار ثور ثلاثة أيام ثم سلك طريق الساحل وهي أبعد من الطريق الجادة الطريق إلى المدينة روى الحاكم في المستدرك بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الغار إلى الله تعالى مهاجرا ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة مردفه أبو بكر خلفه وعبد الله بن أريقط الليثي فسلك بهما أسفل من مكة ثم مضى بهما حتى هبط بهما على الساحل أسفل من عسفان ثم استجاز بهما على أسفل أمج ثم عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا ثم سلك بهما الخزار ثم أجازهما ثنية المرة ثم سلك لفتا ثم أجاز بهما مدلجة لقف ثم استبطن بهما مدلجة مجاح ثم سلك بهما مرجح ثم ببطن مرجح من ذي الغضوين ثم ببطن ذي كشد ثم أخذ الجداجد ثم سلك ذي سلم من بطن أعداء مدلجة ثم أحدر القاحة ثم هبط العرج ثم سلك ثنية الغائر عن يمين ركوبه ثم هبط بطن رئم فقدم قباء على بني عمر بن عوف أحداث جرت في الطريق حدثت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه أحداث وهم في طريق هجرتهم إلى المدينة النبوية فمن ذلك روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر وأبو بكر شيخ يعرف ونبي الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف قال فيلقى الرجل أبا بكر فيقول يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك فيقول هذا الرجل يهديني السبيل قال فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق وإنما يعني سبيل الخير الراعي وسقي اللبن روى الشيخان في صحيحيهما واللفظ للبخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال اشترى أبو بكر رضي الله عنه من عازب رحلا بثلاثة عشر درهما فقال أبو بكر لعازب رضي الله عنهما مر البراء فليحمل إلي رحلي فقال عازب لا حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم فقال رضي الله عنه ارتحلنا من مكة فأحيينا أو سرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه فإذا صخرة أتيتها فنظرت بقية ظل لها فسويته ثم فرشت للنبي صلى الله عليه وسلم فيه ثم قلت له اضطجع يا نبي الله فاضطجع النبي صلى الله عليه وسلم ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحدا فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا فسألته فقلت له لمن أنت يا غلام فقال لرجل من قريش سماه فعرفته فقلت هل في غنمك ملبن قال نعم قلت فهل أنت حالب لنا قال نعم فأمرته فاعتقل شاة من غنمه ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار ثم أمرته أن ينفض كفيه فقالها كذا ضرب إحدى كفيه بالأخرى فحلب لي كثبة من لبن أي قليلا من لبن وقد جعلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إداوة على فمها خرقه فصببت على اللبن حتى برد أسفله فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوافقته قد استيقظ فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت ثم قلت قد آن الرحيل يا رسول الله قال بلى فارتحلنا والقوم يطلبوننا مطاردة سراقة بن مالك رضي الله عنه أسلم سراقة بن مالك رضي الله عنه عند النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة حين انصرف من حنين والطائف وحسن اسلامه وقصته في خروجه وراء النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة مشهورة فقد روى الإمام البخاري في صحيحه والإمام أحمد في مسنده واللفظ لأحمد عن سراقة بن مالك رضي الله عنه قال جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتلهما أو أسرهما فبينى أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا فقال يا سراقة إني رأيت آنفا اسودة بالساحل إني أراها محمدا وأصحابه قال سراقة رضي الله عنه فعرفت أنهم هم فقلت إنهم ليسوا بهم ولكن رأيت فلانا وفلانا انطلق آنفا قال ثم لبثت في المجلس ساعة حتى قمت فدخلت بيتي فأمرت جاريتي أن تخرج لي فرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها علي وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت برمح الأرض وخفضت عالية الرمح حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي أي أسرعت بها حتى رأيت اسودتهما فلما دلوت منهم حيث يسمعهم الصوت عثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره ألا أضرهم فركبت فرسي وعصيت الأزلام فرفعتها تقرب بي حتى إذا دنوت منهم عثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فأخرجت الأزلام فاستقسمت بها فخرج الذي أكره ألا أضرهم فعصيت الأزلام وركبت فرسي فرفعتها تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر للتفات ساخت يدى فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين فخررت عنها فزجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلم استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدخان والعثان هو الدخان من غير نار فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره ألا أضرهم فناديتهما بالأمان فوقفا فركبت فرسي حتى جئتهم فوقع في نفسي حين لقيت من الحبس عنهم أنه سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له إن قومك قد جعلوا فيك الديه وأخبرتهم من أخبار سفرهم وما يريد الناس بهم وعرضت عليه مزاد والمتاع فلم يرزأوني شيئا أي لم يأخذوا مني شيئا ولم يسألوني إلا أن أخفي عنا فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي في رقعة من أديم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حديث أنس رضي الله عنه في صحيح البخاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسراقه لا تتركن أحدا يلحق بنا قال فكان أول النهار جاهدا على نبي الله صلى الله عليه وسلم وكان آخر النهار مسلحة له أي حافظ له من العدو قصة الأعرابي وإسلامه روى الحاكم في المستدرك بسند صحيح عن قيس بن النعمان قال لما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مستخفين مروا بعبد يرعى غنما فاستسقاه من اللبن فقال ما عندي شاة تحلب غير أنها هنا عناقا حملت أول الشتاء وقد أخرجت وما بقي لها لبن فقال ادعو بها فدعى بها فاعتق لها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح ضرعها ودعى حتى أنزلت قال وجاء أبو بكر بمحجن أي جاء بحجر أو خشب ذات عمق فحلب فسقى أبا بكر ثم حلب فسقى الراعي ثم حلب فشرب فقال الراعي بالله من أنت فوالله ما رأيت مثلك قط قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتراك تكتم علي حتى أخبرك قال نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني محمد رسول الله فقال أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم ليقولون ذلك قال فأشهد أنك نبي وأشهد أن ما جئت به حق وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي وأنا متبعك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لن تستطيع ذلك يومك فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا مرور الرسول صلى الله عليه وسلم على أم معبد الخزاعية روى الحاكم في المستدرك والبغوي في شرح السنة بسند حسن عن هشام بن حبيش بن خويلد رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة وأبو بكر ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة ودليلهما الليثي عبد الله بن أوريقط مروا على خيمة أم معبد الخزاعية وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة ثم تسقي وتطعم فسألوها لحما وتمرا ليشتروا منها فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك وكان القوم مرملين مسنتين أي نفد زادهم فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شات في كسر الخيمة فقال ما هذه الشات يا أم معبد قالت شات خلفها الجهد عن الغنم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل بها ملبا قالت هي أجهد من ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتأذنين لي أن أحلبها قالت بأبي وأمي إن رأيت بها حلبا فحلبها فدعى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح بيده ضرعها وسمى الله تعالى ودعى لها في شاتها فتفاجت عليه ودرت فاجترت فدعى بإناء يربض الرهط أي يروي الرهط من الرجال فحلب فيه ثجا أي لبنا سائلا كثيرا حتى علاه البهى أي بريق رغوته ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا حتى أراضوا وشرب آخرهم ثم حلب فيه الثانية على بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها ثم بايعها وارتحلوا عنها وصول الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه إلى قبا روى الإمام البخاري في صحيحه عن عروة ابن الزبير قال وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة فانقلبوا يوما بعدما أطال انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمر بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمر بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أُسس على التقوى وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء مسجد قباء وفضله وبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال إقامته في قباء مسجد قباء وهو أول مسجد بني في الإسلام لجماعة المسلمين وقال الله فيه لمسجد أُسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين قال الحافظ في الفتح وهو في التحقيق وهو مسجد صلى النبي صلى الله عليه وسلم فيه بأصحابه جماعة ظاهرة وأول مسجد بني لجماعة المسلمين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور مسجد قباء بعدما أقام في المدينة ويصلي فيه فرو الشيخان في صحيحيهما واللفظ لمسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء راكبا وماشيا فيصلي فيه ركعتين وفي لفظ آخر في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيا وراكبا وروا الحاكم في المستدرك بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الاختلاف إلى قباء ماشيا وراكبا وروا بن ماجه والحاكم واللفظ للحاكم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد بني عمر بن عوف وهو مسجد قباء يصلي فيه فدخل عليه رجالٌ من الأنصار يُسلِّمون عليه وأما ما جاء في فضل الصلاة في مسجد قبا فرو الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه بسندٍ حسن واللفظ لابن ماجه عن سهل ابن حنيف رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تطهَّر في بيته ثم أتى مسجد قبا فصلَّى فيه صلاة كان له كأجر عمره ارتحال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبا ودخوله المدينة فلما كان يوم الجمعة ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته وأردف خلفه أبا بكرين الصديق رضي الله عنه وأرخال راحلته الزمام حتى دخلت المدينة النبوية في جوٍ مشحونٍ بالفرح والسرور ولم تزل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرةً به وبأبي بكرين رضي الله عنه حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار وهو موضع المسجد النبوي اليوم بركت وذلك في بن النجار أمام دار أبي أيوب بن الأنصاري رضي الله عنه روى الإمام البخاري والإمام أحمد واللفظ لأحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأنصار فجاءوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليهما وقالوا إركبا آمين مطاعين قال فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وحفوا حولهما بالسلاح فقيل في المدينة جاء نبي الله فاستشرفوا نبي الله صلى الله عليه وسلم ينظرون إليه ويقولون جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب رضي الله عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بيوت أهلنا أقرب فقال أبو أيوب رضي الله عنه أنا يا نبي الله هذه داري وهذا بابي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق فهيئ لنا مقيلا فذهب فهيئ لهما مقيلا ثم جاء فقال يا نبي الله قد هيئت لكما مقيلا فقوما على بركة الله فقيلا وروا الإمام البخاري في صحيحه عن عروة ابن الزبير قال ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة رضي الله عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته هذا إن شاء الله المنزل وروا الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى قد من المدينة فتلقاه الناس فخرجوا في الطريق وعلى الأجاجير يعني الصطوح فاشتد الخدم والصبيان في الطريق يقولون الله أكبر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء محمد وتنازع القوم أيهم ينزل عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزلوا الليلة على بن النجار أخوال عبد المطلب لأكرمهم بذلك قال الحافظ ابن كثير فهذه منقبة عظيمة لأبي أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه حيث نزل في داره رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك نزوله صلى الله عليه وسلم في دار بن النجار واختيار الله له ذلك منقبة عظيمة وقد كان في المدينة دور كثيرة تبلغ تسعى كل دار محلة مستقلة بمساكنها ونخيلها وزروعها وأهلها كل قبيلة من قبائلهم قد اجتمعوا في محلتهم وهي كالقرى المتلاصقة فاختار الله لرسوله صلى الله عليه وسلم دار بني مالك ابن النجار كانت المدينة النبوية قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم عبارة عن قرى متفرقة وكل فخذ من الأنصار مع بعضهم البعض قال الإمام الذهبي كانت يثرب لم تمصر أي لم تبنى وإنما كانت قرى مفرقة بن مالك ابن النجار في قرية وهي مثل المحلة وهي دار بني فلان كما في الحديث خير دور الأنصار دار بن النجار وكانت بن عدي ابن النجار لهم دار وبن مازن ابن النجار كذلك وبن سالم كذلك وبن ساعدة كذلك وبن الحارث ابن الخزرج كذلك وبن عمر ابن عوف كذلك وبن عبد الأشهل كذلك وسائر بطون الأنصار كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم وفي كل دور الأنصار خير قال الحافظ ابن كثير شرفت المدينة بهجرته صلى الله عليه وسلم إليها وصارت كهفاً لأولياء الله وعباده الصالحين ومعقلاً وحصناً منيعاً للمسلمين ودار هداً للعالمين والأحاديث في فضلها كثيرة جدا وروا الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها ويأرز أن ينضم إليها ويجتمع بعضه إلى بعض فيها أول عمل قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد استقراره في المدينة النبوية هو بناء المسجد النبوي فروا الشيخان في صحيحيهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ثم إنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ بني النجار فجاؤوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بني النجار ثامنوني حائطكم هذا فقالوا لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى وفي رواية أخرى في صحيح البخاري قال عروة ابن الزبير بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة أي بركت ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد ابن زرارة رضي الله عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته هذا إن شاء الله المنزل ثم دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقال لا بل نهبه لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منه ماهبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا ثم شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في بناء المسجد النبوي فروى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان موضع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لبن النجار وكان فيه نخل وحرث وقبور من قبور الجاهلية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل فقطع وبالحرث فأفسد وبالقبور فنبشت وفي صحيح البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت وبالخرب فسويت وبالنخل فقطع فصف النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه حجارة وجعلوا ينقلون ذاك الصخرة وهم يرتجزون ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم يقولون اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة وبني المسجد النبوي في أبسط صورة فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن نافع أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أخبر أن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنيا باللب وسقفه الجريد وعمده خشب النخل بناء حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم حول مسجده الشريف حجرا لتكون مساكن له ولأهله وكانت في أبسط صورة فكان لسودة بنت زمعة رضي الله عنها بيت وآخر لعائشة رضي الله عنها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن تزوج في ذلك الوقت غيرهما روى الإمام البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح عن داوود بن قيس قال رأيت الحجرات من جريد النخل مغشيا من خارج بمسوح الشعر أي كساء الشعر وأظن عرض البيت من باب الحجرة إلى باب البيت نحو من ست أو سبع أذرع وأحزر البيت الداخل عشر أذرع وأظن سمكه بين الثمان والسبع نحو ذلك ووقفت عند باب عائشة فإذا هو مستقبل المغرب وروى الإمام البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح عن محمد بن هلال أنه رأى حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من جريد مستور بمسوح الشعر فسألته عن بيت عائشة فقال كان بابه من وجهة الشام فقلت مصراعا كان أو مصراعين قال كان بابا واحدا قلت من أي شيء كان قال من عرعر أو ساج المؤاخات بين المهاجرين والأنصار ثم آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم وعقدت المؤاخات في دار أنس بن مالك رضي الله عنه فقد روى الشيخان في صحيحيهما والإمام أحمد في مسنده واللفظ لأحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا قال سفيان كأنه يقول آخى قال الحافظ في الفتح كان ابتداء المؤاخات أوائل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة واستمر يجددها بحسب من يدخل في الإسلام أو يحضر إلى المدينة وقال الإمام ابن القيم آخى بينهم على المواساة ويتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر فلما أنزل الله عز وجل وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله رد التوارث على الرحم دون عقد الأخوة وروا الحاكم في المستدرك بسند حسن عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال فينا نزلت هذه الآية وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آخى بين رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فلم أشك أننا نتوارث لو هلك كعب أي كعب ابن مالك الأنصاري وليس له من يرثه فظننت أني أرثه ولو هلقت كذلك يرثني حتى نزلت هذه الآية وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض وروا الحاكم في المستدرك بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنه ما قال إنما كان المهاجرون يتوارثون دون الأعراب فنزلت وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض وفي لفظ آخر في سنن أبي داوود بسند حسن عنه رضي الله عنه قال كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما الآخر فنسخ ذلك الأنفال فقال تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض تشريع الأذان شرع الأذان في السنة الأولى من الهجرة روى الشيخان في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس ينادا لها فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى وقال بعضهم بل بوقا مثل بوق اليهود فقال عمر رضي الله عنه أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بلال قم فنادي بالصلاة وفي لفظ آخر في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أنه قال لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه فذكروا أن يوروا نارا أو يضربوا ناقوسا وروا أبو داوود في سننه بسند صحيح عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قال اهتم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها فقيل له انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها آذن بعضهم بعضا فلم يعجبه ذلك رؤيا عبدالله بن زيد رضي الله عنه روى الإمام أحمد في مسنده وأبو داوود وبن ماجة واللفظ لأحمد بسند حسن عن عبدالله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه قال لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضرب بالناقوس يجمع للصلاة الناس وهو كاره لموافقة النصارى طاف بي من الليل طائف وأنا نائم رجل عليه ثوبان أخضران وفي يده ناقوس يحمله فقلت له يا عبدالله أتبيع الناقوس قال وما تصنع به قلت ندعو به إلى الصلاة قال أفلا أدلك على خير من ذلك فقلت بلى قال تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمد رسول الله أشهد أن محمد رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حيّ على الفلاح حيّ على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ثم استأخر غير بعيد فقال ثم تقول إذا أقمت الصلاة الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمد رسول الله حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله قال فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال رسول الله إن هذه لرؤيا حق إن شاء الله ثم أمر بالتأذين فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك وفي رواية ابن ماجة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله ابن زيد رضي الله عنه فخرج مع بلال إلى المسجد فالقها عليه وليناد بلال فإنه أندا صوتا منك فقال فخرجت مع بلال إلى المسجد فجعلت ألقيها عليه وهو ينادي بها فسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالصوت فخرج فقال يا رسول الله والله لقد رأيت مثل الذي رأى زاد أبو داود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلله الحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في القرى روى الإمام الترمذي وأبو داود بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب قال الإمام الترمذي قال سفيان قوله ببناء المساجد في الدور يعني القبائل وقال الإمام الذهبي الدار هي القرية ودار بني عوف هي قبا فوقع بناء مسجده صلى الله عليه وسلم في بني مالك بن النجار وكانت قرية صغيرة وروى الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن عروة بن الزبير عن من حدثه من أصحاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصنع المساجد في دورنا وأن نصلح صنعتها ونطهرها قال السندي قوله وأن نصلح صنعتها بالإحكام وصرف المال الحلال لا بالتزين قلت وكان الأمر بذلك في السنة الأولى كتابة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيفة وموادعة اليهود قال ابن اسحاق كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود وعاهدهم وآقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم وقال الإمام ابن القيم ووادع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بالمدينة من اليهود وكتب بينه وبينهم كتابا وروا الإمام مسلم في صحيحه عن جابر ابن عبدالله رضي الله عنهما قال كتب النبي صلى الله عليه وسلم على كل بطن عقوله والبطن هو ما دون القبيلة وفوق الفخذ والعقول هي الديات قلت ذكر ابن إسحاق بنود هذه الصحيفة وهي وإن كان لا يثبت إسنادها فإنه ثبت في أحداث السيرة النبوية ما يصدق بنودها المغاز النبوية فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأيده الله بنصره رباده المؤمنين وألف بين قلوبهم بعد العداوة والإحن التي كانت بينهم فمنعته أنصار الله وكتيبة الإسلام من الأسود والأحمر وبذلوا نفوسهم دونه وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج وكان أولى بهم من أنفسهم رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة وصاحوا بهم من كل جانب والله تعالى يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة واشتد الجناح فأذن لهم حينئذ في القتال ولم يفرضه عليهم فقال تعالى أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم فقال تعالى وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة وكان محرما ثم مأذونا فيه ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال ثم مأمورا به لجميع المشركين إما فرض عين على أحد القولين أو فرض كفاية على المشهور وروا الحاكم في المستدرك بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنه ما قال إن عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أمرت بالعفو فلا تقاتل القوم فلما حوله إلى المدينة أمره بالقتال وروا الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه عن ابن عباس رضي الله عنه ما قال لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر رضي الله عنه أخرجوا نبيهم ليهلكون فأنزل الله أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير فقال أبو بكر رضي الله عنه لقد علمت أنه سيكون قتال سرية سيف البحر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية سيف البحر في رمضان من السنة الأولى على رأس سبعة أشهر من مهاجره وكانت بقيادة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ومعه ثلاثون راكبا من المهاجرين وعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء أبيض والهدف اعتراض عير لقريش قادمة من الشام وفيها أبو جهل بنهشام في ثلاثمائة رجل فبلغوا سيف البحر فالتقوا واصطفوا للقتال فمشى مجدي بن عمر الجهني وكان حليفا للفريقين جميعا حتى حجز بينهم ولم يقتتلوا سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب إلى رابغ ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبيدة بن الحارث بن المطلب في ستين رجلا من المهاجرين إلى بطن رابغ وذلك في شوال على رأس ثمانية أشهر من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم راية بيضا حملها مصطح بن أوثاثة رضي الله عنه فلقي أبا سفيان بن حرب في مئتي رجل على بطن رابغ على عشرة أميال من الجحفة فلم يكن بينهم قتال وإنما كانت مناوشة فرمى سعد بن أبي وقاصر رضي الله عنه يومئذ بسهم فكان أول سهم رمي به في الإسلام ثم انصرف الفريقان وروا الإمام البخاري عن سعد بن أبي وقاصر رضي الله عنه قال إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله سرية سعد بن أبي وقاصر على الخرار ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاصر رضي الله عنه إلى الخرار وذلك في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمر رضي الله عنه وبعث معه عشرين رجلا من المهاجرين ليعترض عيرا لقريش وعهد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يجاوز الخرار فخرجوا على أقدامهم يكمنون بالنهار ويسيرون بالليل حتى صبح المكان فوجدوا العير قد مرت بالأمس فانصرفوا إلى المدينة ولم يلقوا كيدا السنة الثانية للهجرة غزوة الأبواء أو الدان وهي أول غزوة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الإمام البخاري وقال ابن اسحاق أول ما غز النبي صلى الله عليه وسلم الأبواء ثم بواط ثم العشيرة وكانت في صفر على رأس 12 شهرا من مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وحمل لوائه حمزة ابن عبد المطلب وكان لواء أبيض واستخلف على المدينة سعد ابن عبادة رضي الله عنه وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في 70 رجلا من المهاجرين حتى فيهم أنصاري حتى بلغ الأبواء يعترض عيرا لقريش فلم يلقى كيدا ووادع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة مخشي ابن عمر الضمري وكان سيد بني ضمرة في زمانه على ألا يغزو بني ضمرة ولا يغزوه ويكثر عليه جمعة ولا يعين عليه عدوة وكتب بينه وبينهم كتابا وكانت غيبته صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة 15 ليلة غزوة بواط وهي الغزوة الثانية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت في ربيع الأول على رأس 13 شهرا من مهاجره وحمل لواءه سعد ابن أبي وقاصر رضي رضي الله عنه واستخلف على المدينة سعد ابن معاذر رضي الله عنه وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مئتين من أصحابه المهاجرين يعترض عيرا لقريش فيها أمية ابن خلفن الجمحي ومئة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير فبلغ بواطا من ناحية رضوى ورجع إلى المدينة غزوة العشيرة وهي الغزوة الثالثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت في جماد الآخرة على رأس 16 شهرا من مهاجره صلى الله عليه وسلم وحمل لواءه حمزة ابن عبد المطلب رضي الله عنه وكان لواء أبيض واستخلف على المدينة أبى سلمة ابن عبد الأسد المخزومية رضي الله عنه وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمسين ومائة ويقال في مئتين من المهاجرين ولم يكره أحدا على الخروج وخرجوا على ثلاثين بعيرا يعتقبونها يعترضون عيرا لقريش ذاهبة إلى الشام وكان قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر بخروجها من مكة فيها أموال قريش فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم العشيرة فوجد العير قد مضت قبل ذلك بأيام وهذه العير هي التي خرج في طلبها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجعت من الشام وهي التي وعده الله إياها أو المقاتلة وذات الشوكة وذلك في غزوة بدرن الكبرى غزوة سفوان أو بدرن الأولى لم يقم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة إلا لياليا لا تبلغ العشرة حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة فاستاقى حاج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا من أصحابه المهاجرين وحمل لواءه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان لواء أبيض واستخلف على المدينة زيد بن حارثة رضي الله عنه فطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ وادي يقال له سفوان من ناحية بدر وفاته كرز بن جابر الفهري فلم يلحق ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه إلى نخله ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش الأسدي رضي الله عنه إلى نخله وبعث معه ثمانية من المهاجرين حيث فيهم أنصاري وذلك في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من الهجرة فكان كل اثنين يعتقبان بعيرا وكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره أحدا من أصحابه رضي الله بن جحش رضي الله عنه وبعد مسيرة يومين فتح الكتاب فإذا فيه إذا نظرت في كتابي هذا فمضي حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم فقال رضي الله عنه سمعا وطاعا ثم أخبر أصحابه بذلك وبأنه لا يستكرههم فمن أحب الشهادة فلينهض ومن كره الموت فليرجع وأما أنا فناهض فمضوا كلهم فلما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان رضي الله عنهما بعيرا لهما كان يعتقبانه فتخلفا في طلبه وأكمل عبد الله بن جحش رضي الله عنه وبقية أصحابه حتى نزل نخلة فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة وفيها عمر بن الحضرمي وعثمان ونوفل ابن عبدالله بن المغيرة والحكم بن كيسان مولاه شام بن المغيرة فتشاور المسلمون وقالوا نحن في آخر يوم حيب الشهر الحرام فإن قاتلناهم انتهكن الشهر الحرام وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم ثم أجمعوا على ملاقاتهم فرمى واقد ابن عبدالله التميمي عمر بن الحضرمي بسهم فقتله وشد المسلمون عليهم فأسروا عثمان بن عبدالله والحكم بن كيسان وأفلت نوفل ابن عبدالله ثم قدموا بالعير والأسيرين إلى المدينة وقد عزلوا من ذلك الخمس فكان في هذه السرية أول خمس في الإسلام وأول قتيل من الكفار في الإسلام وأول أسيرين في الإسلام فلما وصلوا إلى المدينة أنكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلوا وقد كانوا رضي الله عنهم مجتهدين فيما صنعوا فسقط ذلك في أيدي القوم رضي الله عنهم وظنوا أنهم قد هلكوا واشتدت عنت قريش وإنكارهم ذلك وقالوا قد أحل محمد الشهر الحرام فأنزل الله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتبذ منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون قال الحافظ ابن كثير يقول سبحانه هذا الذي وقع وإن كان خطأ لأن القتال في الشهر الحرام كبير عند الله إلا أنما أنتم عليه أيها المشركون من الصد عن سبيل الله والكفر به وبالمسجد الحرام وإخراج محمد وأصحابه الذين هم أهل المسجد الحرام في الحقيقة أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام تحويل القبل حولت القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام في النصف من رجب من السنة الثانية للهجرة فأنزل الله قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولي أنك قبلة ترضاها فولي وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولو وجوهكم شطرة وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم ومن الله بغافل عما يعملون وروا الإمام البخاري ومسلم في صحيح حيهما عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال صلينا مع رسول الله وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ثم صرفنا نحو الكعبة وروا الحاكم في المستدرك بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا شأن القبلة قال الله ولله المشرق والمغرب تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق فقال سيقول السفهاء من الناس ما أولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها يعنون بيت المقدس فنسخها وصرفه الله إلى البيت العتيق فقال ومن حيث خرجت فولي وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولو وجوهكم شطرة قال الإمام ابن القيم في قوله تعالى وحيث ما كنتم فولو وجوهكم شطرة قال يفيد الأمر باستقبالها في أي موضع استقر فيه وهو تعالى لم يقيد الخروج بغاية بل أطلق غايته كما عمّم مبدأه فمن حيث خرج إلى أي مخرج كان من صلاة أو غزو أو حج أو غير ذلك فهو مأمور باستقبال المسجد الحرام هو والأمة كانوا في الأرض فهو مأمور هو والأمة باستقباله فتناولت الآيتان أحوال الأمة كلها في مبدأ تنقلهم من حيث خرجوا وفي غايته إلى حيث انتهوا وفي حال استقرارهم حيث ما كانوا فأفاد ذلك عموم الأمر بالاستقبال في الأحوال الثلاثة التي لا ينفك منها العبد كرر الباري تعال الأمر بالتوجه إلى البيت الحرام في ثلاث آيات لأن المنكرين لتحويل القبلة كانوا ثلاث أصناف من الناس أولا اليهود لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم الثاني وأهل الريب والنفاق اشتد انكارهم له لأنه كان أول نسخ نزل الثالث وكفار قريش لأنهم قالوا ندم محمد على فراق ديننا فسيرجع اليه كما رجع إلى قبلتنا فرض صيام رمضان فرض صيام شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صام تسعة رمضانات يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون وكان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الاخثار من أنواع العبادات وكان جبريل يدارسه القرآن في رمضان وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة وكان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف قال الحافظ ابن كثير يقول الله تعالى مخاطباً للمؤمنين من هذه الأمة وآمراً لهم وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله عز وجل لما فيه من زكاة النفس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاق الرديئة والأخلاق الرذيلة وقعت غزوة بدر الكبرى في صبيحة يوم الجمعة السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة قال الحافظ ابن عبدالبر كانت أشرف غزواته صلى الله عليه وسلم وأعظمها حرمة عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم وعند المسلمين غزوة بدر الكبرى حيث قتل الله صناديد قريش وأظهر دينه وأعزه الله من يومئذ وكانت بدر في السنة الثانية من الهجرة لسبع عشرة من رمضان صبيحة يوم الجمعة وليس في غزواته صلى الله عليه وسلم ما يعدل بها في الفضل ويقرب منها إلا غزوة الحديبية حيث كانت بيعة الرضوان وذلك سنة ست من الهجرة سبب الغزوة بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عيرا قريش مقبلة من الشام على رأسها أبو سفيان صخر بن حرب في ثلاثين أو أربعين رجلا من قريش وفيها أموال عظيمة وهي العير التي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبها في غزوة العشيرة حين خرجت من مكة ندب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه للخروج ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى الخروج فقال لهم هذه عير قريش فيها أموالهم فخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان ظهره حاضرا بالنهوض ولم يحتفل لها احتفالا بليغا لأنه خرج مسرعا فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيسة عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فحدثه الحديث فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم فقال إن لنا طلبة أي شيئا نطلبه فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانيهم في علو المدينة فقال لا إلا من كان ظهره حاضرا فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة يوم السبت لثنتين عشرة ليلة خلت من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجره واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس في المدينة ثم رد أبا لبابا ثم رد أبا لبابا ثم رد أبا لبابا ثم رد أبا لبابا بشير ابن عبد المنذر رضي الله عنه من الروحى واستعمله على المدينة خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن البراء ابن عازب رضي الله عنه ما قال كنا نتحدث أن أصحاب ثلاثمائة وبضعة عشر بعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر وما جاوز معه إلا مؤمن وكان مع المسلمين سبعون بعيرا يتعاقبون عليها كل ثلاثة على بعير وعامتهم مشات على أقدامهم وفرس واحد للمقداد ابن عمر رضي الله عنه فقد روى الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير كان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال نحن نمشي عنك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنتما بأقوى مني ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما وروا الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد وروا الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح رضي الله عنه قال لقد شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون أنا صاحبه أحب إلي مما على الأرض من شيء قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم وكان رجلا فارس ثم ذكر موقفه يوم استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال الحافظ في الإصابة والتهذيب المقداد بن عمر رضي الله عنه أسلم قديما وشهد بدرا والمشاهد وكان فارس يوم بدر ولم يثبت أنه ممن شهدها فارس غيره توزيع الرايات دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء إلى مصعب بن عمير رضي الله عنه وراية المهاجرين إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وراية الأنصار إلى سعد بن معاذ رضي الله عنه وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصة رضي الله عنه طريق المسلمين إلى بدر سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه حتى بلغ الروحى فنزل بها ثم ارتحل وسار فلما قرب من الصفراء بعث بسبسة بن عمر الجهني وعدي بن أبي الزغباء رضي الله عنهما إلى بدر يتحسسان أخبار العير ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ وادي ذفران فنزل به استنفار أهل مكة وخروجهم فلما بلغ أبا سفيان قائد العير مخرج رضي الله صلى الله عليه وسلم وقصده إياها استأجر ضمضم بن عمر الغفاري إلى مكة مستصرخ لقريش بالنفير إلى عيرهم ليمنعوه من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبلغ الصريخ أهل مكة فنهضوا مسرعين وأوعبوا في الخروج ولم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب وبعث مكانه العاصب بن هشام بن المغيرة وكان عدتهم ألف مقاتل ومعهم مئة ثرس وجمال كثيرة لا يعرف عددها خوف أمية بن خلف من القتل روى الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال كان صديقا لأمية بن خلف وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انطلق سعد معتمرا فنزل على أمية بمكة فقال لأمية أنظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت فخرج به قريبا من نصف النهار فلقيهما أبو جهل فقال يا أبا صفوان من هذا معك فقال هذا سعد فقال له أبو جهل ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد آويتم الصباه أنكم تنصرونهم وتعينونهم أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما فقال له سعد ورفع صوته عليه أما والله لإن منعتني هذا لأمن عنك ما هو أشد عليك منه طريقك على المدينة فقال له أمية لا ترفع صوتك يا سعد سيد أهل الوادي فقال سعد دعنا عنك يا أمية فوالله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنهم قاتلوك قال بمكة قال لا أدري ففزع لذلك أمية فزعا شديدا فلما رجع أمية إلى أهله قال يا أم صفوان ألم تري ما قال لي سعد قالت وما قال لك قال زعم أن محمدا أخبرهم أنهم قاتلي فقلت له بمكة قال لا أدري فقال أمية والله لا أخرج من مكة فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل للناس قال أدركوا عيركم فكره أمية أن يخرج فأتاه أبو جهل فقال يا أبا صفوان إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك فلم يزل به أبو جهل حتى قال أما إذ غلبتني فوالله لأشترين أجود بعير بمكة ثم قال أمية يا أم صفوان جهزيني فقالت له يا أبا صفوان وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي قال لا ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلا إلا عقل بعيره فلم يزل بذلك حتى قتله الله عز وجل قال الحافظ في الفتح وفي الحديث معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم ظاهرة وفيه ما كان عليه سعد بن معاذ رضي الله عنه من قوة النفس واليقين وفيه أن شأن العمرة كان قديما وأن الصحابة كان مأذونا لهم في الاعتمار من قبل أن يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف الحج والله أعلم بلوغ الرسول صلى الله عليه وسلم خروج قريش ومشاورته بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروج قريش ليمنع عيرهم فاستشار أصحابه فتكلم المهاجرون فأحسنوا ثم استشارهم مرة ثانية فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان وفي رواية عند الإمام أحمد في مسنده إن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور الناس يوم بدر فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ثم تكلم عمر فأعرض عنه أمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال المقداد يوم بدر يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى فاذهب أنت وربك فقاتل إنا هاهنا قاعدون ولكن امضي ونحن معك فكأنه سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي لفظ آخر للبخاري والإمام أحمد في مسنده واللفظ لأحمد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لقد شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون أنا صاحبه أحب إلي مما على الأرض من شيء قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم وكان رجلا فارس فقال أبشر لن نقل لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى صلى الله عليه وسلم فاذهب أنت وربك فقاتل إنا هاهنا قاعدون ولكن والذي بعثك بالحق لنكونن بين يديك وعن يمينك وعن شمالك ومن خلفك حتى يفتح الله عليك ثم استشار رسول الله عليه وسلم الصحابة رضي الله عنهم فقال أشيروا علي أيها الناس وإنما يريد الأنصار وذلك أنهم عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا يا رسول الله إنا برأاء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرة إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه وقال والله لك أنك تريدنا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل فقال سعد رضي الله عنه آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامضي يا رسول الله لما أردت فنحن معك فوالذي بعثك بالحق أردت بنا هذا البحر فخذته لخذناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ثم قال سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لك أن الآن أنظر إلى مصارع القوم نزول المسلمين بالعدوة الدنيا والكفار بالعدوة القصوى ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بجيشه بالعدوة الدنيا قريبا من بدر ونزل كفار قريش بالعدوة القصوى ولا أحد يعلم مكان الآخر وأما أبو سفيان فلحق بساحل البحر ونجاب القافلة قال الله تعالى إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم قرأوا بالمعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعلا ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم قال ابن إسحاق في تفسير الآية أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآية والعبرة من آمن على مثل ذلك وقال الحافظ ابن كثير معلقا على تفسير ابن إسحاق وهذا تفسير جيد وبست ذلك أنه تعالى يقول إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد على غير ميعاد لينصركم عليهم ويرفع كلمة الحق على الباطل ليصير الأمر ظاهرا والحجة قاطعة لا يبقى لأحد حجة ولا شبه فحينئذ يهلك من هلك أي يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره أنه مبطل لقيام الحجة عليه ويحيا من حي أي يؤمن من آمن عن بينة أي حجة وبصيرة بعث رسول الله عليه وسلم أصحابه إلى بدر بعث رسول الله عليه وسلم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم في نفر من الصحابة إلى ماء بدر يلتمسون خبر قريش فقد روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن علي بن أبي طالب فوجدنا فيها رجلين منهم رجلا من قريش ومولا لعقبة بن أبي معيط فأما القرشي فانفلت وأما مولا عقبة فآخذناه فجعلنا نقول له كم القوم فيقول هم والله كثير عددهم شديد بأسهم فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به فجهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال له كم القوم قال هم والله كثير عددهم شديد بأسهم فجهد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبره كم هم فأبى ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم سأله كم ينحرون من الجزر الجزر جمع جزور وهو البعير عشرا كل يوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم ألف كل جزور لمئة وتبعها وفي رواية أخرى في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وسنن أبي داوود عن أنس رضي الله عنه قال فأيذا هم بروايا قريش فيها عبد أسود لبن الحجاج فأخذه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا يسألون أين أبو سفيان فيقول والله مالي بشيء من أمره علم ولكن هذه قريش قد جاءت فيهم أبو جهل وعتبة وشيبة ابنى ربيعة وأومية ابن خلف فإذا قال لهم ذلك ضربوه فيقول دعوني أخبركم فأيذا تركوه قال والله مالي بأبي سفيان علم ولكن هذه قريش قد أقبلت فيهم أبو جهل وعتبة وشيبة ابنى ربيعة وأومية ابن خلف قد أقبلوا والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يسمع ذلك فلما انصرف قال والذي نفسي بيده إنكم لتضربونه إذا صدقكم وتدعونه إذا كذبكم هذه قريش قد أقبلت لتمنع أبى سفيان قلت وفي ضرب الصحابة رضي الله عنهم لعبد بن الحجاج دليل على كراهيتهم للقتال كما قال تعالى وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين قال الحافظ ابن كثير فكره ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وودوا أن لو كان لعير أبي سفيان وأنه منهم قريب ليفوزوا به لأنه أخف مأونة من قتال النفير من قريش لشدة بأسهم واستعدادهم لذلك فجعلوا يضربونهما فإذا آذاهما الضرب قال نحن لأبي سفيان فإذا سكتوا عنهما واسألوهما قال نحن لقريش نزول الرسول صلى الله عليه وسلم على ماء بدر سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه نحو ماء بدر ليسبق المشركين إليه ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على أفضل بئر من آبار بدر فقد روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وبدر بئر فسبقنا المشركين إليها نزول المطر على الفريقين وحال الله سبحانه بين قريش وبين الماء بمطر عظيم أرسله فكان نقمة على الكفار ونعمة على المسلمين مهد لهم الأرض ولبدها قال تعالى إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام قال الإمام بن القيم وأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرا واحدا فكان على المشركين وابلا شديدا منعهم من التقدم وكان على المسلمين طلا طهرهم به وأذهب عنهم رجز الشيطان ووطأ به الأرض وصلب الرمل وثبت الأقدام ومهد به المنزل وربط به على قلوبهم فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون إلى الماء فنزلوا عليه شطر الليل وصنعوا الحياض ثم غوروا ما عداها من المياه ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الحياض بناء العريش وتعبئة جيش المسلمين وبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش يكون فيه على تل يشرف على المعركة فكان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وفي ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان وهي ليلة المعركة أخذ رسول الله هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعبئ جيشه ثم جعل يمشي في أرض المعركة وجعل يشير بيده هذا مصرع فلان غدا وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله ويضع يده على الأرض ها هنا وها هنا قال أنس رضي الله عنه فوالله ما أماط رجل منهم عن موضع رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ما زال وما بعد وفي لفظ آخر في صحيح مسلم عن عمر رضي الله عنه أنه قال فوالذي بعثه بالحق ما أخطأ الحدود التي حد رسول الله صلى الله عليه وسلم نزول النعاس وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم أصاب المسلمين ليلة الجمعة النعاس أمنة من الله قال تعالى إذ يغشيكم النعاس أمنة منه فناموا جميعا قال الحافظ ابن كثير يذكرهم الله بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم أمانا من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عددهم وروا الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن أبا طلحة الأنصارية رضي الله عنه قال غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم بدر قال أبو طلحة كنت في من غشيه النعاس يومئذ فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ليلة الفرقان يصلي تحت شجرة يتضرع إلى الله سبحانه وتعالى فقد روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ولقد رأيتنا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح وروى ابن حبان في صحيحه بسند حسن عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصبح ببدر من الغد أحيا تلك الليلة كلها نزول جيش المشركين وادي بدر فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم الجمعة السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة وهو يوم الفرقان صف أصحابه وعدل صفوفهم وقال لهم لا يتقدمن أحد منكم على شيء حتى أكون أنا أوذنه وأقبلت قريش في كتائبها وبدأت تأخذ موضعها في أرض المعركة فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيالائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني المبارزة فلما استقرت قريش في أرض المعركة طلبت المبارزة فقد روى الحاكم في المستدرك بسند صحيح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال فبرز عتبة وآخوه شيبة وابنه الوليد فقالوا من يبارز فخرج فتية من الأنصار شببة فقال عتبة لا نريد هؤلاء ولكن يبارزنا من أعمام بني عبد المطلب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قم يا حمزة قم يا عبيدة قم يا علي فبرز حمزة لعتبة وعبيدة لشيبة وعلي للوليد فقتل حمزة عتبة وقتل علي الوليد وقتل عبيدة شيبة وضرب شيبة رجل لعبيدة فقطعها فاستنقذه حمزة وعلي حتى توفي بالصفراء وفي رواية الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه فقتل الله تعالى عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد ابن عتبة وجرح عبيدة قال الإمام الذهبي الصحيح أنما بارز هذا حمزة عتبة وعلي شيبة والله أعلم وقال الحافظ في الفتح وهذا أصح الروايات لكن الذي في السيرة من أن الذي بارزه علي رضي الله عنه هو الوليد هو المشهور وهو اللائق بالمقام لأن عبيدة رضي الله عنه وشيبة كانا شيخين كعتبة وحمزة قال في علي رضي الله عنه والوليد فكان شابين وقال ابن سعد في طبقاته أثبت أن حمزة قتل عتبة وأن علي قتل الوليد وأن عبيدة بارز شيبة وروا الشيخان في صحيحيهما وابن ماجة واللفظ لابن ماجة عن قيس بن عباد قال سمعت أبا ذر رضي الله يقسم لنزلت هذه الآيات في هؤلاء الراهط الستة يوم بدر هذان خصمان اختصموا في ربهم في حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر اختصموا في الحجج قال الإمام ابن جرير صبري وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب وأشبهها بتأويل الآية قول من قال عني بالخصمين جميع الكفار من أي أصناف الكفر كان وجميع المؤمنين وانما قلت ذلك أولى بالصواب لأنه تعالى ذكره ذكر قبل ذلك صنفين من خلقه أحدهما أهل طاعة له والآخر أهل معصية له قد حق عليه العذاب ثم أتبع ذلك صفة الصنفين كليهما وما هو فاعل بهما فان قال قائل فما أنت قائل فيما روي عن أبي ذر رضي الله عنه في قوله إن ذلك نزل في الذين بارزوا يوم بدر قيل ذلك إن شاء الله كما روي عنه فإن الآية قد تنزل بسبب من الأسباب ثم تكون عامة في كل ما كان نظير ذلك السبب وهذه من تلك نشوب القتال ومناشدة النبي صلى الله عليه وسلم ربه ثم حمي الوطيس وتزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض واستدارت رحل حرب القتال وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعاء والابتهال ومناشدة ربه عز وجل فروا الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة يوم بدر اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن تشأ لا تُعبد بعد اليوم فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده فقال حسبك يا رسول الله الححت على ربك وفي رواية الإمام مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آتي ما وعدتني اللهم إن تُهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض فما زال يهتف بربه مادًا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداؤه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من وراءه وقال يا نبي الله كذاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك نزول الملائكة ثم أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءه ثم رفع رأسه وهو يقول أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع أي على قوائم فرسه ورأسه الغبار وروا الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب قال الله تعالى إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرا ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم وقال تعالى إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان وروا الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول أقدم حيزوم فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقي فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربه بالسوط فخضر ذلك أجمع فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة رمي النبي صلى الله عليه وسلم المشركين بالحصب فلما أنزل الله سبحانه ملائكته خرج رسول الله الله عليه وسلم من العريش وهو يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر ثم أخذ حفنة من الحصب فاستقبل بها الكفار وقال شاهت الوجوه ثم رمى بها في وجوههم فما بقي أحد منهم إلا وامتلأت عيناه من الحصب وفي ذلك يقول الله تعالى قولوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى قال الإمام ابن القيم الآية من أكبر معجزات النبي صلى الله عليه وسلم والخطاب بها خاص لأهل بدر وكذلك القبضة التي رمى بها النبي صلى الله عليه وسلم فأوصلها الله سبحانه إلى جميع وجوه المشركين وذلك خارج عن قدرته صلى الله عليه وسلم وهو الرمي الذي نفاه عنه وأثبت له الرمي الذي هو في محل قدرته وهو الحذ وكذلك القتل الذي نفاه عنهم هو قتل لم تباشره أيديهم وإنما باشرته أيدي الملائكة فكان أحدهم يشتد في أثر وإذا برأسه قد وقع أمامه من ضربة الملك وقال في مدارج السالكين وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه أقام أسبابا ظاهرة لدفع المشركين وتولى دفعهم وأهلاكهم بأسباب باطنة غير الأسباب التي تظهر للناس فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصرة مضافا إليه وهو خير الناصرين وأنزل الله سبحانه نصره على رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ومنحهم أكتاف المشركين أسرا وقتلا فقتلوا منهم 70 وأسروا 70 فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر 40 و 100 70 أسيرا 70 قتيلا وروا الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال فقتلوا يومئذ 70 وأسروا 70 قال الحافظ في الفتح هذا هو الحق في عدد القتلى فكان من جملة من قتل من المشركين ممن سما رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو جهل وهو أبو الحكم عمر بن هشام وعتبة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وغيرهم من سادات الكفر وقوف النبي صلى الله عليه وسلم على قتل الكفار ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكفار فسحبوا إلى قليب من قلوب بدر فطرحوا فيه فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنسر رضي الله عنه عن أبي طلحة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش والطوي من أطواء بدر خبيث مخبث والطوي هي البئر التي طويت وبنيت بالحجارة لتثبت ولا تنهار وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى وتبعه أصحابه وقالوا ما نرى ينطلق حتى قام على شفة الركي أي طرف البئر فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان أي سركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا رضي الله عنه يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم قال قتاده أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما وروا الإمام مسلم في صحيحه عن أنس ابن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلا بدر ثلاثا ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم فقال يا أبا جهل ابن هشام يا أمية ابن خلف يا عتبة ابن ربيعة يا شيبة ابن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا فسمع عمر رضي الله عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف يسمعوا وأنى يجيبوا وقد جيفوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم لكنهم لا يقدرون أن يجيبوا عدد شهداء المسلمين استشهد من الصحابة الكرام رضي الله عنهم في غزوة بدر الكبرى أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وستة من الخزرج واثنان من الأوس تبشير أهل المدينة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه وعبد الله بن رواحة بالبشرى لأهل المدينة فقد روى الحاكم في المستدرك والبيهقي في دلائل النبوة بسند حسن لغيره عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وصالح بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قالا لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر بعث بشيرين إلى أهل المدينة بعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة وبعث عبد الله بن رواحة رضي الله عنه إلى أهل العالية يبشرونهم بفتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم فوافق زيد بن حارثة ابنه أسامة حين سوى على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له لا كأبوك حين قدم قال أسامة فجئت وهو واقف للناس يقول قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام ونبيه ومنبه وأمية بن خلف فقلت يا أبه أحق قال نعم والله يا بني رجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بالأسارة ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام إلى المدينة النبوية مؤيدا منصورا قرير العين بنصر الله له ومعه الأسارة والمغانم ودخل المدينة وقد خافه كل عدو له بالمدينة وحولها فأسلم بشر كثير من أهل المدينة وحين اذن دخل عبد الله بن أبين المنافق وأصحابه في الإسلام ظاهرا وفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأن بدر والأسارة في شوال قال موسى بن عقبة وأذل الله بوقعة بدر رقاب المشركين والمنافقين فلم يبق بالمدينة منافق ولا يهودي إلا وهو خاضع عنقه وكان ذلك يوم الفرقان يوم فرق الله بين الشرك والإيمان نزول سورة الأمثال قال ابن اسحاق فلما انقضى أمر بدر أنزل الله عز وجل فيه من القرآن الأمثال بأسرها وروا الإمام البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس رضي الله عنهما سورة الأمثال قال نزلت في بدر وفي لفظ آخر في صحيح مسلم قال سعيد بن جبير قلت لابن عباس رضي الله عنهما سورة الأمثال قال تلك سورة بدر وقال الإمام السهيلي الأمثال هي الغنائم فضل أهل بدر روا الإمام البخاري في صحيحه عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزراقي عن أبيه وكان أبوه من أهل بدر قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما تعدون أهل بدر فيكم قال من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها قال وكذلك من شهد بدر من الملائكة وروا الشيخان في صحيحيهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قد شهد بدر يعني حاطب بن أبي بلتعه رضي الله عنه وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم قال الحافظ في الفتح هي بشارة عظيمة لم تقع لغيرهم وقال الإمام بن القيم والذين ظنوا في ذلك والله أعلم أن هذا الخطاب لقوم قد علم الله سبحانه أنهم لا يفارقون دينهم بل يموتون على الإسلام وأنهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب ولكن لا يتركهم لأنه مصرين عليها بل يوفقهم لتوبة النصوح واستغفار وحسنات تمحو أثر ذلك ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم لأنه قد تحقق ذلك فيهم وأنهم مغفور لهم ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم كما لا يقتضي ذلك أن يعطل الفرائض وما كانت قد حصلت بدون الاستمرار على القيام بالأوامر لم احتاج بعد ذلك إلى صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة ولا جهاد وهذا محال ومن أوجب الواجبات التوبة بعد ذلك فضمان المغفرة لا يوجب تعطيل أسباب المغفرة وكذلك من بشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة أو أخبره لأنهم مغفور له لم يفهم منه ولا غيره من الصحابة إطلاق الذنوب والمعاصي له ومسامحته بترك الواجبات بل كان هؤلاء أشد اجتهادا وحذرا وخوفا بعد البشارة منهم قبلها كالعشرة المشهود لهم بالجنة وروا الإمام مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال إن عبدا لحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطبا فقال يا رسول الله ليدخلن حاطبني النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدرا والحديبية وروا الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن أم الربيع بنت البرى وهي أم حارثة بن سراقه أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب أي لا يعرف راميه فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى قال الحافظ ابن كثير وفي هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر وروا الإمام البخاري في صحيحه عن معاذ ابن رفاعة ابن رافع وكان رفاعة من أهل بدر وكان رافع من أهل العقبة فكان يقول ما يسرني أني شهدت بدر بالعقبة قال الحافظ في الفتح والذي يظهر أن رافع لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم التصريح بتفضيل أهل بدر على غيرهم فقال ما قال باجتهاد منه وشبهته أن العقبة كانت من شاء نصرة الإسلام وسبب الهجرة التي نشأ منها لغزوات كلها لكن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله أعلم غزوة بني سليم لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مرجعه من بدر وكان فراغه منها في عقب شهر رمضان لم يقم بها إلا سبع ليال حتى غزى بنفسه يريد بني سليم حتى بلغ ماء من مياههم يقال له الكدر فأقام عليه ثلاث ليال ثم رجع إلى المدينة ولم يلقى كيدا غزوة بني قينقاع قال ابن اسحاق حدثني عاصم ابن عمر ابن قتادة أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاربوا فيما بين بدر وأحد لما رأى يهود بني قينقاع أن الله سبحانه نصر رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين نصرا مؤزرا في ميدان بدر وأنهم قد صارت لهم عزة وشوكة وهيبة في قلب القاص والدان ظهر غيظهم وكاشفوا بالعداوة والشر وجاهروا بالبغي والأذى قال الحافظ في الفتح فكان أول من نقض العهد من اليهود بني قينقاع فحاربهم في شوال بعد وقعة بدر وروا أبو داوود في سننه وابن اسحاق في السيرة بسند حسن بالشواهد واللف لأبي داوود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشا قالوا يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال إنك لو قاتلتنا لعرفت أننا نحن الناس وأنك لم تلقى مثلنا فأنزل الله في ذلك قل للذين كفروا ستغلبون إلى قوله تعالى فأت تقاتل في سبيل الله ببدر وأخرى كافرة حصار بني قينقاع ثم جلاؤهم فلما نقض بني قينقاع العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعمل على المدينة أبا لبابة بشير بن عبد المنذر رضي الله عنه ودفع لواء المسلمين إلى حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه فحاصرهم خمس عشرة ليلة حتى قذف الله الرعب في قلوبهم فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتفوا فقام عبد الله بن أبي بن سلول وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم مؤلح عليه لأنهم حلفاء فوهبهم له فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها فخرجوا إلى أذرعات الشام من الشيخان في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال إن يهود بن النظير وقريضة حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بن النظير وأقر قريضة ومن عليهم حتى حاربت قريضة بعد ذلك فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم بين المسلمين إلا أن بعضهم لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنهم وأسلموا وأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود المدينة كلهم بني قينقاع وهم قوم عبد الله بن سلام ويهود بن حارثة وكل يهودي كان بالمدينة غزوة السويق أو قرقرة القرقرة الكدر وقعت غزوة السويق في شهر ذي الحجة من السنة الثانية للهجرة والسويق هو طعام يتخذ من مدقوق الحنطة والشعير وسمي بذلك لانسياقه في الحلق قال ابن هشام في السيرة وإنما سميت غزوة السويق فيما حدثني أبو عبيدة أن أكثر ما طرح القوم من أزوادهم السويق فهجم المسلمون على سويق كثير فسميت غزوة السويق والقرقر هي الأرض المستوية والكدر ماء لبني سليم سبب الغزوة لما رجع فل المشركين من بدر موتورين نذر أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء من جنابه حتى يغزو محمدا صلى الله عليه وسلم فخرج في مائتي راكب من قريش حتى أتى بني النظير تحت الليل وبات ليلة واحدة عند سلام ابن مشكمين اليهودي فسقاه الخمر وبطن له من خبر الناس أي أعلمه بخبرهم ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه فبعث رجالا من قريش حتوا ناحية من المدينة يقال لها العريض فحرقوا في أصوار من نخل بها ووجدوا بها رجلا من الأنصار وحليفا له فقتلوهما ثم انصرفوا راجعين خروج النبي صلى الله عليه وسلم في طلبه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب أصحابه وخرج في مئتي رجل من المهاجرين والأنصار في أثرهم يطلبهم وجعل أبو سفيان وأصحابه يتخففون فيلقون جرب السويق وهي عامة أزوادهم فجعل المسلمون يأخذونها فسميت غزوة السويق وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرقرة الكدر ولم يدرك أبا سفيان ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكان غاب خمسة أيام السنة الثالثة للهجرة غزوة ذي أمر أو غطفان لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة السويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجة أو قريبا منها ثم غزى نجدا يريد غطفان وسبب ذلك ما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا من بني ثعلبة ومحارب بذي أمر قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف المدينة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أربعمائة وخمسون رجلا وفي أثناء الطريق يقال له جبار من بني ثعلبة فأدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره من خبرهم وقال لن يلاقوك لو سمعوا بمسيرك لهربوا في رؤوس الجبال وأنا سائر معك فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فأسلم رسول الله عليه وسلم حتى بلغ ماء يقال له ذو أمر فعسكر به وتفرقت غطفان في رؤوس الجبال ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلقى كيدا وكانت غيبته 11 ليلة غزوة أحد وقعت غزوة أحد يوم السبت من السنة الثالثة للهجرة قال الحافظ في الفتح وكانت عنده الوقعة المشهورة أي عند جبل أحد في شوال سنة ثلاث باتفاق الجمهور ونزل في هذه الغزوة العظيمة آيات كثيرة من سورة آل عمران ابتداءا من قوله تعالى تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذن له فاتقوا الله لعلكم تشكرون قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآيات المراد بهذه الوقعة يوم أحد عند الجمهور قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وغير واحد وعن الحسن البصري المراد بذلك يوم الأحزاب رواه ابن جرير وهو غريب لا يعول عليه قال ابن إسحاق في السيرة كان يوم أحد يوم بلاء ومصيبة وتمحيص اختبر الله به المؤمنين ومحن به المنافقين كان يظهر الإيمان بلسانه وهو مستخف بالكفر في قلبه ويوما أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته سبب الغزوة قال ابن إسحاق لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب ورجع فلهم إلى مكة ورجع ابو سفيان ابن حرب مشى عبدالله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان ابن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا يا معشر قريش إن محمدا قد وتركهم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه فلعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منا ففعلوا ففيهم كما ذكر لي بعض أهل العلم أنزل الله تعالى إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية كذا روي عن مجاهد وسعيد ابن جبير والحكم ابن عيينة وقتادة والسدي وابن أبزا أنها نزلت في أبي سفيان تحريض الأموال في أحد لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الضحاك نزلت في أهل بدر وعلى محل تقدير فهي عامة وإن كان سبب نزولها خاصة تحريض القبائل وعدد جيش الكفار تجهزت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثت نفرا يسيرون في العرب يدعونهم إلى نصرتهم ويؤلبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين فاجتمع إليهم ثلاثة آلاف من قريش وحلفائها والأحابيش وجاءوا بنسائهم لألا يفروا وانضم إليهم أبو عامر الفاسق وهو والد حنظلة غسيل في خمسين رجلا من قومه وكان دوره حفر الحفر في أرض المعركة ليسقط بها المسلمون فخرج أبو سفيان بن حرب وهو قائد الناس وأقبل بهم نحو المدينة فنزل قريبا من جبل أحد بمكان يقال له عينين قال ابن إسحاق فاجتمعت قريش لحرب حسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك أبو سفيان بن حرب وأصحاب العير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة وخرجوا معهم بالضعون أي النساء التماس الحفيظة وألا يفروا فأقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة جبير بن مطعم وقتل حمزة رضي الله عنه ودعى جبير بن مطعم رضي الله عنه وكان مشركا غلاما له حبشيا يقال له وحشي يقذف بحربة له قذف الحبشة قل لما يخطئ بها فقال له أخرج من الناس فإن أنت قتلت حمزة عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق وروا الإمام البخاري في صحيحه عن جعفر بن عمر بن أمية الضمري قال وحشي إن حمزة قتل طعيمة بن عدي بن الخيار ببدر فقال لي مولاي جبير بن مطعم إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر ولم تكلي بشئ حاجة غيره رسالة العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه يرقب حركات قريش واستعداداتها العسكرية فلما تحرك هذا الجيش بعث العباس رضي الله عنه رسالة مستعجلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمنها جميع تفاصيل الجيش قال الحافظ بن عبد البر كان العباس رضي الله عنه يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المسلمون يتقوون به بمكة وقال الإمام الذهبي لم يزل عباس رضي الله عنه مشفقا على النبي صلى الله عليه وسلم محبا له صابرا على الأذى ولما يسلم بعد بحيث إنه ليلة العقبة عرف وقام مع ابن آخيه في الليل وتوثق له من السبعين ثم خرج إلى بدر مع قومه مكرهة فأسر فأبدى لهم أنه كان أسلم ثم رجع إلى مكة فما أدري لماذا أقام بها ثم لا ذكر له يوم أحد ولا يوم الخندق ولا خرج مع أبي سفيان ولا قالت له قريش في ذلك شيئا في ما علمت ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرا قبيل فتح مكة فلم يتحرر لنا قدومه استشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وبعدما تأكد رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبر قريش جمع أصحابه واستشارهم أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة وكان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها فإن دخلها المشركون قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت ثم أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم برؤيا رآها في منامه فقد روى الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذالفقار يوم بدر وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد فقال رأيت في سيفي ذالفقار فلا أي ثلمة فيه فأولته فلن يكون فيكم ورأيت أني مردف كبش فأولته كبش الكتيبة ورأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة ورأيت بقرا تذبح فبقر والله خير فبقر والله خير وروا الإمام النسائي في السنن الكبرى بسند صحيح عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما قال استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم أحد فقال إني رأيت فيما يرى النائم أني لفي درع حصينة وكأن بقرا تنحر وتباع ففسرت الدرع المدينة والبقر نفرا والله خير فلو قاتلتموهم في السكك فرماهم النساء من فوق الحيطان وفي رواية الإمام أحمد بسند صحيح عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أننا أقمنا بالمدينة فإن دخلوا علينا فيها قاتلناهم رأي من لم يشهد بدرا فبادر جماعة من فضلاء الصحابة رضي الله عنهم ممن فاته الخروج يوم بدر إلى الإشارة بالخروج إليهم وألحوا على رسول الله في ذلك فقالوا يا رسول الله والله ما دخل علينا فيها في الجاهلية فكيف يدخل علينا فيها في الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم شأنكم إذا وفي رواية النسائي في السنن الكبرى بسند صحيح قالوا فيدخلون علينا المدينة ما دخلت ولكننا نخرج إليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فشأنكم إذا وروا الحاكم في المستدرك بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذالفقار يوم بدر وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه المشركون يوم أحد كان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم بالمدينة يقاتلهم فيها فقال له ناس لم يكون شهدوا بدرا يخرج بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم نقاتلهم بأحد من يصيبوا من الفضيلة ما أصاب أهل بدر قال الحافظ ابن كثير وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدو ولم يتناهوا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيه ولو رضوا بالذي أمرهم كان ذلك ولكن غلب القضاء والقدر وعامة من أشار إليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدرا قد علموا الذي سبق لأصحاب بدر من الفضيلة تهيؤ الرسول صلى الله عليه وسلم للخروج إلى أحد فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بيته ولبس لأمته وظاهر بين درعين فقد روى الإمام الترمذي في جامعه بسند حسن رضي الله عنه قال كان على النبي صلى الله عليه وسلم درعان يوم أحد وفي رواية الإمام أحمد وبن ماجة بسند صحيح عن السائب ابن يزيد رضي الله عنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر بين درعين يوم أحد وقد انثنى عزم أولئك الصحابة رضي الله عنهم وقالوا رددنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه فلما خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله أقم فالرأي رأيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينبغي لنبي أن يضع آداته بعد ان لبسها حتى يحكم بينه وبين عدوه وقال الإمام البخاري في صحيحه فإذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد في المقام والخروج فرأوا له الخروج فلما لبس لأمته قالوا أقم فلم يمل إليهم بعد العزم وقال لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أحد ثم أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بالخروج إلى العدو فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما في ألف مقاتل من الصحابة رضي الله عنهم وفيهم المنافقون على رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول رد من استصغر من الصحابة فلما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكان يقال له الشيخين عسكر فيه ثم أخذ يستعرض جيشه فرد من استصغر ولم يره مطيقا للقتال وكان منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وأوسامة بن زيد والبراء بن عازب وأبو سعيد الخدري وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين وكانوا في سن دون البلوغ روى الشيخان في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله بما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ثم عرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني تمرد عبد الله بن أبي وأصحابه وقبل طلوع فجر يوم السبت أدلج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالشوط صلى الفجر وكان بمقربة جدا من العدو وهناك انسحب عبد الله بن أبي بن سلول بنحو ثلث الجيش ثلاثمائة رجل وهو يقول ما ندري على ما نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب ولحقهم عبد الله بن عمر بن حرام رضي الله عنه فقال لهم يا قوم اذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم فقالوا لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم ولكن لا نرى أنه يكون قتال فلما استعصوا عليه وآبوا إلا لانصراف عنهم فقال رضي الله عنه أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل الله في هؤلاء المنافقين قوله تعالى وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو دفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب من هم للإيمان يقولون بأفواه هم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون ونزل فيهم قوله تعالى فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبو وروا الشيخان في صحيحيهما عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة أحد رجع ناس ممن خرج معه وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين فرقة تقول وفرقة تقول لا نقاتلهم فنزلت فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبو قال الحافظ في الفتح هذا هو الصحيح في سبب نزولها تأثر بني سلمة وبني حارثة بالمنافقين تأثر بني سلمة وبنو حارثة بكلام فهمتا بالرجوع لكن الله عصمهما من ذلك وثبتهما قال تعالى إذ همت الطائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون قال الإمام القرطبي الطائفتان بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس وكانا جناحي العسكر يوم أحد وروا الشيخان في صحيحيهما عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال فينا نزلت إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة وما أحب أنها لم تنزل وقال سوفيان مرة وما يسرني لقول الله والله وليهما متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم مسيره إلى أحد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رجوع المنافقين ببقية الجيش وكانوا سبعمائة مقاتل واختلف هل كان معهم شيء من الخيل أم لا ومضى حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل فعسكر بجيشه مستقبلا المدينة وجاعلا ظهره إلى جبل أحد وجعل جبل عينين عن يساره وعلى هذا صار جيش العدو فاصلا بين المسلمين وبين المدينة رسول صلى الله عليه وسلم جيشه ووصيته للرماه وفي صبيحة يوم السبت الخامس عشر من شوال عبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال واختار منهم أمهر الرماه وعددهم خمسون راميا وأمر عليهم عبدالله بن جبير بن النعمان الأوسي البدري رضي الله عنه وأمرهم بالتمركز على جبل صغير عرف بعد ذلك بجبل الرماه وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأوامر واضحة لا لبس فيها فقال أحمو ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا وروا الإمام البخاري وأبو داود عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرومات يوم أحد وكانوا خمسين رجلا عبدالله بن جبير وقال إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم إن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم وفي لفظ آخر في صحيح البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا وبتعيين هذه الفصيلة في الجبل مع هذه الأوامر العسكرية الشديدة سد رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلمة الوحيدة التي كان يمكن لفرسان المشركين أن يتسللوا من ورائها إلى صفوف المسلمين ويقوموا بحركات الالتفاف وعملية التطويق تشجيع النبي صلى الله عليه وسلم كما أصحابه على القتال دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء إلى مصعب ابن عمير رضي الله عنه ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا قاطعا وعرضه على أصحابه رضي الله عنهم فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم أخذ سيفا يوم أحد فقال من يأخذ مني هذا فبسطوا أيديهم كل إنسان منهم يقول أنا أنا قال من يأخذه بحقه قال فأحجم القوم فقال سماك بن خرشة أبو دجانة أنا آخذه بحقه فأخذه ففلق به هام المشركين وفي رواية الحاكم في مستدركه بسند حسن عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا يوم أحد فقال من يأخذ هذا السيفة بحقه فقمت فقلت أنا يا رسول الله فأعرض عني ثم قال من يأخذ هذا السيفة بحقه فقام أبو دجانة سماك بن خرشة فقال أنا آخذه يا رسول الله بحقه فما حقه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تقتل به مسلما ولا تفر به عن كافر قال أخذه بحقه فقمت فقلت أنا يا رسول الله فأعرض عني ثم قال من يأخذ هذا السيفة بحقه فدفعه إليه وكان إذا أراد القتال أعلم بعصابه قال قلت لأنظرنا اليوم كيف يصنع فجعل لا يرتفع له شيء إلا هتكه وأفراه أي قطعه تعبئة جيش المشركين وعبأت قريش جيشها حسب نظام الصفوف فكانت القيادة العامة إلى أبي سفيان وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل واستعملوا على ميمنة خيلهم خالد بن الوليد ودفعوا اللواء إلى طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدار وقبل بدء القتال حاول أبو عامر للفاسق وهو من الأوس أن يتألف قومه فذهب إليهم وأخذ يناديهم يا معشر الأوس أنا أبو عامر فرد عليه الصحابة من الأوس رضي الله عنهم لا أنعم الله بك عينا يا فاسق فقال لقد أصاب قومي بعد شر فتركهم ورجع إلى المشركين بدء القتال وإبادة حملة لواء المشركين ثم التحم الجيشان وقتتل الناس يومئذ اقتتالاً شديداً في كل مكان من ميدان المعركة واشتد القتال حول لواء المشركين فقطل من حملته سبعة أو تسعة فما يحمله أحد إلا قتل فقد روى الإمام أحمد والحاكم بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة شدة أبي دجانة رضي الله عنه وقاتل أبو دجانة رضي الله عنه بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالاً عظيماً وجعل لا يلقى مشركاً إلا قتله فقد روى الحاكم في المستدرك بسند حسن عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال لأنظرنا اليوم كيف يصنع قال فجعل لا يرتفع له شيء إلا هتكه وأفراه حتى انتهى إلا نسوة في سفح الجبل معهن دفوف لهن فيهن امرأة وهي تقول نحن بنات طارق نمشي على النمارق إن تقبلون عانق ونبسط النمارق أو تدبرون فارق فراق غير وامق قال فأهوا بالسيف إلى المرأة ليضربها ثم كف عنها فلما انكشف القتال قلت له كل عملك قد رأيت ما خلا رفعك السيف على المرأة ثم لم تضربها قال إني والله أكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتل به مرأة استشهاد عبد الله بن عمر رضي الله عنه استشهد عبد الله بن عمر بن حرام والد جابر رضي الله عنهما في غزوة أحد بعد أن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال أصيب أبي يوم أحد فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي وجعلوا ينهونني ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاني وجعلت فاطمة بنت عمر تبكيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تبكيه أو لا تبكيه ما زالت الملائكة تضله بأجنحتها حتى رفعتموه قال الحافظ في الفتح ومحصله أن هذا الجليل القدر الذي تضله الملائكة بأجنحتها لا ينبغي أن يبكى عليه بل يفرح له بما صار إليه انتصار المسلمين الساحق سحق المسلمون عدوهم وانتصروا عليهم والفضل بعد الله جل جلاله يعود لثبات الرومات على الجبل الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبات عليه فأنزل الله نصره على المسلمين وصدقهم وعده فحسوهم بالسيوف حتى كاشفوهم عن المعسكر وكانت الهزيمة التي لا شك فيها روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ما نصر النبي صلى الله عليه وسلم في موقن كما نصر في أحد قال فأنكرنا عليه فقال ابن عباس رضي الله عنهما بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله عز وجل إن الله عز وجل يقول في يوم أحد ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه يقول ابن عباس والحس القتل وروا الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة وروا الحاكم وابن اسحاق في السيرة بسند حسن عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال والله لقد رأيتني أنظر على خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب والخدم جمع خدمة وهو الخلخال وهو نوع من أنواع الحلي تلبسه المرأة في ساقها وروا الإمام البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال فهزموهم فأنا والله رأيت النساء يشددن أي يسرعن في الهرب قد بدت خلاخلهن وأسواقهن رافعات ثيابهن وأسواقهن جمع ساق وسبب رفعهن ثيابهن ليعينهن ذلك على سرعة الهرب مخالفة الرمات أمر النبي صلى الله عليه وسلم كانت الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار فانهزموا راجعين وولوا مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم فلما رأى الرمات هزيمتهم تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه وقالوا يا قوم الغنيمة الغنيمة فذكرهم أميرهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فلم يلتفتوا إليه وظنوا أن ليس للمشركين رجعة وأنهم لا تقوموا لهم قائمة بعد ذلك فذهبوا في طلب الغنيمة وأخلوا الثغر روى الإمام البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال قال أصحاب ابن جبير أي قوم الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنتظرون فقال عبد الله بن جبير رضي الله عنه أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا والله لنأتينا الناس فلنصيبنا من الغنيمة وروا الإمام أحمد والحاكم بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين انكفت الرمات جميعا فدخلوا في العسكر ينتهبون وترك عامة الرمات الخمسين أماكنهم التي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظها وخلوا ظهور المسلمين للعدو وثبت أميرهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه في نفر يسير دون العشرة مكانهم قال تعالى في ذلك حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة التفاف خالد بن الوليد واضطراب المسلمين فلما ترك الرمات الثغرة الذي أوصاهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم كر فرسان المشركين بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه فوجدوا الثغرة خالية قد خلا من الرماة فجازوا منه وتمكنوا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين فأكرم الله سبحانه عددا منهم بالشهادة على رأسهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه ثم التف من وراء المسلمين وصاح فرسانهم صيحة عرف المشركون المنهزمون بسرعة تبدل الحال فانقلبوا على المسلمين روى الإمام أحمد والحاكم بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين أكب الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينهبون وقد التقت صفوف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم هكذا وشبك بين أصابع يديه والتبسوا فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها أي تركوا تلك البقعة دخل الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضا والتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير وروى ابن إسحاق في السيرة بسند حسن عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال مالت الرومات إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه وخلوا ظهورنا للخيل فأتينا من خلفنا وصرخ صارخ ألا إن محمدا قد قتل فانكفأنا أي ملنا وانكفأ علينا القوم وروى الحاكم في المستدرك بسند حسن عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير إذ مالت الرومات إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب وخلوا ظهورنا للخيل فأتينا من أدبارنا وصرخ صارخ ألا إن محمدا قد قتل فانكفأنا وانكفأ القوم بعد أن أصبنا اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم مقتل اليمان والد حذيفة رضي الله عنهما خطأ روى الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت لما كان يوم أحد هزم المشركون فصاح إبليس أي عباد الله أخراكم أي احترزوا من الذين وراءكم متأخرين عنكم فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم فنظر حذيفة رضي الله عنه فإذا هو بأبيه اليمان فقال أي عباد الله أبي أبي فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه فقال حذيفة رضي الله عنه غفر الله لكم وروا الإمام أحمد والحاكم بسند حسن عن محمود بن لبيد رضي الله عنه قال اختلفت سيوف المسلمين على اليمان أبي حذيفة يوم أحد ولا يعرفونه فقتلوه فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه فتصدق حذيفة بديته على المسلمين استشهاد حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه استغل وحشي بن حرب هذه الفوضى التي وقع فيها المسلمون وقتل حمزة رضي الله عنه فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن وحشي قال كمنت لحمزة تحت صخرة فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته أي ما بين سرته وعانته من أسفل البطن حتى خرجت من بين وركيه فكان ذاك العهد به وفي رواية بن إسحاق قال وحشي هززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه وذهب لي نوء نحوي أي لينهض فغلب وتركته وإياها حتى مات ثم أتيته فأخذت حربتي ثم رجعت إلى العسكر فقعدت فيه ولم يكن لي بغيره حاجة وإنما قتلته لأعتق استشهاد حنظلة رضي الله عنه غسيل الملائكة استشهد حنظلة بن أبي عامر رضي الله عنه في هذه الغزوة فقتله شداد بن الأسود فقد روى بن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك بسند حسن عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى بعضهم إلى دون الأعراض إلى جبل بناحية المدينة والأعراض هي قرى المدينة ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان حنظلة بن أبي عامر التقاه هو وأبو سفيان بن حرب فلم استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأسود فعلاه شداد بالسيف حتى قتله وقد كاد يقتل أبا سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان صاحبكم حنظلة تغسله الملائكة فسلوا صاحبته فقالت خرج وهو جنب لما سمع الهائعة اي لما سمع صوت الصارخ للفزع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذاك قد غسلته الملائكة ثبات الرسول صلى الله عليه وسلم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجموعة من أصحابه يراقب الوضع بعدما تغيرت الأحوال فقد روى النسائي في السنن الكبرى والبيهقي في دلائل النبوة بسند جيد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال لما كان يوم أحد وولى الناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية في 12 رجلا من الأنصار وفيهم طلحة بن عبيد الله فأدركه المشركون فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من للقوم فقال طلحة رضي الله عنه أنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنت فقال رجل من الأنصار أنا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت فقاتل حتى قُتل ثم التفت فيذا بالمشركين فقال من للقوم فقال طلحة رضي الله عنه أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنت فقال رجل من الأنصار أنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت فقاتل حتى قتل ثم لم يزل يقول ذلك ويخرج إليهم رجل من الأنصار فيقاتل قتال من قبله حتى يقتل حتى بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلحة ابن عبيد الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من للقوم فقال طلحة رضي الله عنه أنا فقاتل طلحة رضي الله عنه قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه وروا الإمام البخاري في صحيحه عن قيس بن أبي حازم قال رأيت يد طلحة شلا وقابها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد دفاع الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن سعد في طبقاته وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عصابة من أصحابه أربعة عشر رجلا سبعة من المهاجرين فيهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وسبعة من الأنصار وروا الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من المهاجرين فلما رهقوه أي غشوه واقتربوا منه قال من يردهم عننا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ثم رهقوه أيضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يردهم عننا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل فلم يزلك ذلك حتى قتل السبعة فلما قتل هؤلاء الأنصار السبعة رضي الله عنهم لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص رضي الله فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن أبي عثمان النهدي قال لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام يريد يوم أحد التي قاتل فيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير طلحة وسعد وكانت أحرج ساعة بالنسبة إلى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرصة ذهبية بالنسبة إلى المشركين ولم يتوان المشركون في انتهاز تلك الفرصة فقد ركزوا حملتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وطمعوا في القضاء عليه حتى أصيبت رباعيته اليمن السفلا وشج في جبهته وحتى دخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه سئل عن جرح النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقال جرح وجه النبي صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه أي كسرت الخوذة على رأسه وروا عبد الرزاق الصنعاني في بسند مرسل قوي عن الزهري قال ضرب وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالسيف سبعين ضربة وقاه الله شرها كلها نزول الملائكة وفي هذه اللحظات الحرجة أنزل الله سبحانه وتعالى ملائكته لحماية رسوله صلى الله عليه وسلم فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد وفي رواية أخرى في صحيح قال سعد رضي الله عنه رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد يعني جبريل وميكايل عليهم السلام تجمع الصحابة حول النبي صلى الله عليه وسلم وقعت هذه الأحداث كلها بسرعة هائلة في لحظات خاطفة وإلا فقد ثبت أبو بكرين الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ومصعب بن عمير وغيرهم الذين كانوا في الصفوف المتقدمة عند القتال لم يكادوا يرون تطور الموقف أو يسمعون صوته صلى الله عليه وسلم حتى أسرعوا إليه إلا أنهم وصلوا وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقي من الجراحات ودفعوا أولئك الكفار عنه قال الحافظ في الفتح بعد أن جمع أسماء من ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وإن ثبت حمل على أنهم ثبتوا في الجملة وما تقدم في من حضر عنده صلى الله عليه وسلم أولا فأول والله أعلم وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو المسلمين فكان أول من عرفه تحت المغفر كعب بن مالك رضي الله عنه فصاح بأعلى صوت يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليه أنسكت واجتمع إليه المسلمون ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه ومعه أبو بكرين الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة وغيرهم رضي الله عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم يقتل أبي بن خلف قبحه الله روى الحاكم في المستدرك بسند حسن عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال أقبل أبي بن خلف يوم أحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريده فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلوا سبيله فاستقبله مصعب بن أخو بني عبد الدار ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة فطعنه بحربته فسقط أبي عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم فكسر ضلعا من أضلاعه فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا له ما أعجزك إنما هو خدش فذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنا أقتل أبي ثم قال والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين فمات أبي إلى النار فسحقا لأصحاب السعير قبل أن يقدم مكة فأنزل الله وما رميت إذ رميت قال الحافظ ابن كثير وهذا القول عن هذين الإمامين غريب جدا وهما سعيد ابن المسيب والزهري ولعلهما أراد أن الآية تتناوله بعمومها لا أنها نزلت فيه خاصة وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة وهذا مما لا يخفى على أئمة والله أعلم وروا الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد غضب الله على من قتله النبي صلى الله عليه وسلم في سبيل الله قال الإمام النووي قوله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله احتراز ممن يقتله في حد أو قصاص لأن من يقتله في سبيل الله كان قاصدا قتل النبي صلى الله عليه وسلم انحياز النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه نحو الجبل كان الشيطان لعنه الله قد صاح بمقتل الرسول صلى الله عليه وسلم فأثر ذلك على معنويات الصحابة رضي الله عنهم وما ان رأوه معافا حتى دبت فيهم الحياة وانحاز بهم نحو جبل أحد فقد روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال صاح الشيطان قتل محمد فلم نشك فيه انه حق فما زلنا كذلك ما نشك انه قد قتل حتى طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين اي بين سعد ابن معاذ وسعد ابن عبادة رضي الله عنهما نعرفه بتكفؤه اذا مشى اي بتمايله الى قدام اذا مشى فثرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما اصابنا فرقي نحونا وهو يقول اشتد غضب الله على قوم دم وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول مرة اخرى اللهم انه ليس لهم ان يعلونا حتى انتهى الينا صعود الرسول صلى الله عليه وسلم الصخرة في الجبل واراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يعلو الصخرة التي عرضت له من الجبل فنهض إليها ليعلوها فلم يستطع لأنه صلى الله عليه وسلم كان قد بدًا أي من البدانة وظاهر بين درعين وقد أصابه الضعف لكثرة ما نزف من جراحه فجلس تحته طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ظهره حتى استوى روى الإمام أحمد والترمذي والحاكم بسندٍ حسن واللفظ للترمذي عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال كان على النبي صلى الله عليه وسلم درعان يوم أحد فنهض إلى الصخرة فلم يستطع فأقعد طلحة تحته فصعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى استوى على الصخرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب طلحة آخر هجومٍ للمشركين فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب ومعه أصحابه رضي الله عنهم قام المشركون بآخر هجومٍ حاولوا فيه النيل من المسلمين قال ابن اسحاق فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشعب معه أولئك النفر من أصحابه اذ علت عاليةٌ من قريشٍ الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا فقاتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورهطٌ معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل نزول النعاس على ولم انتهت هذه المعركة العظيمة أنزل الله سبحانه وتعالى النعاس على المؤمنين بعد ما نزل بهم من الجراح والقتل لتهدأ نفوسهم فقال تعالى قال ابن اسحاق فأنزل الله النعاس أمنةً منه على أهل اليقين به فهم نيامٌ لا يخافون وروا الإمام البخاري في صحيحه عن أبي طلحة رضي الله عنه قال كنت في من تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه ويسقط وآخذه وروا الإمام الترمذي والحاكم بسند صحيح عن أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه قال رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم أحدٌ إلا وهو يميد تحت حجفته من النعاس أي يتحرك ويميل تحت ترسه فذلك قوله عز وجل ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة النعاس يغشى طائفةً منكم قال ابن عباس رضي الله عنهما فمكث ساعة فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل أعله بل يعني آلهته أي نبن أبي كبشة أي نبن أبي قحافة أي نبن الخطاب قال الإمام البيهقي في دلائل النبوة بلغني أن أبا كبشة أول من عبد الشعر وخالف دين قومه فلما خالف النبي صلى الله عليه وسلم دين قريش وجاء بالحنيفية شبهوه بأبي كبشة ونسبوه إليه فقالوا ابن أبي كبشة فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله ألا أجيبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بلى فقال عمر رضي الله عنه الله أعلى وأجل فقال أبو سفيان يبن الخطاب إنه يوم الصمت فعاد فقال أي نبن أبي كبشة أي نبن أبي قحافة أي نبن الخطاب فقال عمر رضي الله عنه هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أبو بكر وهذا عمر فقال أبو سفيان يوم بيوم بدر والأيام دول والحرب سجال فقال عمر رضي الله عنه لا سوى قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار فقال أبو سفيان إنكم لتزعمون ذلك لقد خبنا إذا وخسرنا ثم قال أبو سفيان أما إنكم سوف تجدون في قتلاكم مثله ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا أي أشرافنا ثم أدركته حمية الجاهلية فقال أما إنه إذا كان ذلك لم نكره مواعدة المشركين اللقاء في بدر قال ابن اسحاق ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادا إن موعدكم بدر للعام القابل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه قل نعم هو بيننا وبينكم موعد مداوات الرسول صلى الله عليه وسلم ولما انتهى أمر المعركة أخذ الصحابة رضي الله عنهم يعالجون جراح الرسول صلى الله عليه وسلم فقد روى ابن حبان في صحيحه بسند قوي عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأتى المهراس وهو ماء بجبل أحد واتاه بماء في درقته أي في ترسه من الجلد فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشرب منه فوجد له ريحا فعافه فغسل به الدم الذي في وجه وهو يقول صلى الله عليه وسلم اشتد غضب الله على من دما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وروا الشيخان في صحيحيهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه سئل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقال رضي الله عنه جرح وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه فكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يسكب عليها بالمجن أي بالترس فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رمادا ثم ألصقته بالجرح فاستمسك الدم تفقد المسلمين شهداءهم ودفنهم ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتفقدون قتلاهم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع شهداء أحد ويدفنوا في مصارعهم ولا يحملوا إلى المدينة فيدفنوا بها فقد روا أبو داوود في سننه بسند صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم فجاء مناد النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم فرددناهم وفي رواية الإمام الترمذي في جامعه بسند صحيح قال جابر رضي الله عنه لما كان يوم أحد جاءت عمتي بأبي لتدفنه في مقابرنا فنادا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم رد القتلى إلى مضاجعها وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع الرجلان والثلاثة في القبر الواحد والسبب في ذلك أنهم كانوا عاجزين عن حفر القبور بسبب ما أصابهم من الجراح فقد روا أبو داوود في سننه والترمذي في جامعه بسند صحيح واللفظ لأبي داوود عن هشام بن عامر رضي الله عنهما قال جاءت الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقالوا أصابنا قرح وجهد فكيف تأمرنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر فقيل فأيهم يقدم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرهم قرآنا قال هشام أصيب أبي يومئذ عامر بين اثنين أو قال واحد وفي لفظ الإمام الترمذي قال هشام فمات أبي فقدم بين يدي رجلين وروى الإمام البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلاء حد في ثوب واحد ثم يقول أيهم أكثر أخذا للقرآن فإذا أشير له إلى أحدهم قدمه في اللحد قال الإمام بن القيم السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم ولا ينقلوا إلى مكان آخر فضل شهداء أحد روى الإمام البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا شهيد على هؤلاء وروا الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذكر أصحاب أحد أما والله لو ددت أني غودرت مع أصحاب نحص الجبل يعني سفح الجبل وروا الإمام أحمد في مسنده وأبو داود والحاكم بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أن أحياء في الجنة نرزق لأن لا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب فقال الله تعالى أنا أبلغهم عنكم قال فأنزل الله عز وجل ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون قال الحافظ ابن كثير أما أرواح الشهداء فهي في حواصل طير خضر فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم فإنها تطير بأنفسها فنسأل الله الكريم المنان أن يثبتنا على الإيمان عدد شهداء غزوة أحد بلغ عدد شهداء غزوة أحد سبعون شهيدا وعامتهم من الأنصار فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن قتادة قال حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قتل منهم يوم أحد سبعون أي من الأنصار قال الحافظ في الفتح ظاهر كلام أنس رضي الله عنه أن الجميع من الأنصار وهو كذلك إلا القليل وروى الإمام الترمذي في جامعه والإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال لما كان يوم أحد قتل من الأنصار أربعة وستون رجلا ومن المهاجرين ستة عدد قتل المشركين قال ابن اسحاق فجميع من قتل الله تبارك وتعالى يوم أحد من المشركين اثنان وعشرون ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم على ربه عز وجل فلما انتهى أمر هذه الغزوة العظيمة وقبل رجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمر أصحابه بالاستواء ليثني على ربه جل جلاله فقد روى الإمام أحمد والحاكم في المستدرك بسند صحيح عن رفاعة ابن رافع الزراقي رضي الله عنه قال لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استوى حتى أثني على ربي عز وجل فصارو خلفه صفوفا فقال اللهم لك الحمد كله اللهم لا قابض لما بسط ولا باسط لما قبض ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت ولا مقرب لما باعت ولا مباعد لما قربت اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول اللهم إني أسألك الأمن يوم الخوف اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك إله الحق آمين عودة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة ودخلها مساء يوم السبت الخامس عشر من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة وأنزل الله سبحانه وتعالى آيات كثيرة من سورة آل عمران لأحداث هذه الغزوة العظيمة من قوله تعالى وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم غزوة حمراء الأسد قال ابن اسحاق فلما كان الغد من يوم الأحد لستة عشرة ليلة من شوال اذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو وأن لا يخرج جن معنا فلم يخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من شهد أحدا سوى جابر رضي الله عنه فقد خلفه أبوه على أخواته واستشهد أبوه يوم أحد رضي الله عنهما فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى حمراء الأسد فأذن له وروا الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال لم أشهد بدرا ولا أحدا من عني أبي فلما قتل عبد الله يوم أحد أي والده عبد الله ابن عمر بن حرام لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة قط سبب هذه الغزوة بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبا سفيان يريد الرجوع إلى المدينة ليستأصل من بقي من المسلمين فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بملاحقة الكفار فقد روى الإمام النسائي في السنن الكبرى بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما انصرف المشركون عن أحد وبلغوا الروحى قالوا لا محمد قتلتم ولا الكواعب أردفتم وبئس ما صنعتم ارجعوا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب الناس فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد وصول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مجروح في وجهه ومشجوج في جبهته ورباعيته ومعه أصحابه الذين شهدوا غزوة أحد وهم مثقلون بالجراح حتى بلغوا حمراء الأسد روى الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت في قوله تعالى الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم قالت لعروة يا ابن أختي كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد وانصرف المشركون خاف أن يرجعوا قال من يذهب في أثرهم فانتدب منهم سبعون رجلا قال كان فيهم أبو بكر والزبير قال الشامي في سبل الهدى والرشاد ولا تخالف بين قول عائشة رضي الله عنها وما ذكر أصحاب المغازي لأنه يمكن أن يكون السبعون سبقوا غيرهم ثم تلاحق الباقون مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد حتى عسكر بها وأقام فيها ثلاث ليال فلما علم بذلك المشركون خافوا وانصرفوا إلى مكة وفي يوم الأربع عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد استرد المسلمون الكثير من هيبتهم بعدما كادت تتزعزع بسبب غزوة أحد نزول الآيات في حمراء الأسد وأنزل الله سبحانه في هذه الغزوة قوله تعالى الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم قال الإمام القرطبي أخبرهم تعالى أن الأجر العظيم قد تحصل لهم بهذه القفلة والقفلة هي المرة من القفول أي إن أجر المجاهد في انصرافه إلى أهله بعد غزوه كأجره في إقباله لأن في قفوله راحة للنفس واستعدادا بالقوة للعود وحفظا لأهله برجوعه إليهم السنة الرابعة للهجرة أهم السرايا والبعوث بين أحد والخندق كان لغزوة أحد أثر سيء على سمعة فقد زالت هيبتهم عن النفوس وطمعت بهم القبائل وكاشفهم اليهود والمنافقون بما كانوا يضمرونه من العداوة والبغض فلم يمضي على غزوة أحد إلا عدة أشهر حتى تهيأت بعض القبائل للإغارة على المدينة وحاول يهود بن النظير قتل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم غافلا عن هذا كله بل كان يواجهه بحكمته حتى استطاع أن يعيد للمسلمين هيبتهم سرية أبي سلمة إلى بني أسد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سلمة عبدالله بن عبد الأسد المخزومية عنه ومعه مئة وخمسون رجلا من المهاجرين والأنصار إلى قطن وهو جبل بناحية فيد به ماء لبني أسد بن خزيمة وذلك في هلال محرم من السنة الرابعة للهجرة وكان سبب بعث هذه السرية ما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طليحة وسلمة بنيخ قد سار في قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج أبو سلمة رضي الله عنه فأغار على سرح لهم وأخذوا رعاء لهم مماليك ثلاثة وأفلت سائرهم فجاءوا جمعهم فتفرقوا في كل ناحية وعاد أبو سلمة رضي الله عنه ومن معه إلى المدينة سالمين غانمين لم يلقوا كيدا وفات أبي سلمة رضي الله عنه فلما دخل أبو سلمة رضي الله عنه المدينة انتفض جرحه الذي أصيب به يوم أحد فمات رضي الله عنه وذلك لثلاث بقيت من جماد الآخرة من السنة الرابعة للهجرة روى الإمام مسلم في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره أي ارتفع بصره فأغمض ثم قال إن الروح إذا قبض تبعه فضج ناس من أهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدعو على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ثم قال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه سرية عبد الله بن أنيس رضي الله عنه وفي الخامس من محرم من السنة الرابعة للهجرة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس رضي الله عنه لقتل خالد بن سفيان الهذلي فقد روى الإمام أحمد في مسنده وبن حبان في صحيحه بسند حسن عن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع لي الناس ليغزوني وهو بعرنة فأتهي فاقتله قلت يا رسول الله إن عته لي حتى أعرفه أي صفه لي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأيته وجدته اق شعريره وهي الرعدة وهي قيام الشعر على الجلد قال فخرجت متوشحا بسيفي حتى وقعت عليه وهو بعرنة مع ضعن يرتاد لهن منزلا أي مع نساء يطلب لهن منزلا وحين كان وقت العصر فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاق شعريره فأقبلت نحوه وخشيت أن يكون بيني وبينه محاولة تشغلني عن الصلاة فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأس الركوع والسجود فلما انتهيت إليه قال من الرجل قلت رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل يعني الرسول صلى الله عليه وسلم فجاءك لهذا قال أجل أنا في ذلك قال قال فمشيت معه شيئا حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف حتى قتلته ثم خرجت وتركت ضعائنه مكبات عليه فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأاني فقال أفلح الوجه قلت قتلته يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقت قال ثم قام معي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بي بيته فأعطاني عصى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك هذه عندك يا عبدالله بن أنيس قال فخرجت بها على الناس فقالوا ما هذه العصى قلت أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرني أن أمسكها قالوا أولا ترجع إلى رسول الله فتسأله عن ذلك قال فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله لما أعطيتني هذه العصى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم آية بيني وبينك يوم القيامة أي علامة بيني وبينك إن أقل الناس المتخصرون يوم إذ والمتخصر من يمسك العصى بيده أو يتكئ عليها قال فقرنها عبد الله بسيفه فلم تزل معه حتى حتى إذا مات أمر بها فضمت معه في كفنه ثم دفنا جميعا كانت هذه السرية في صفر من السنة الرابعة للهجرة روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب حتى إذا كانوا بالهدة بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنوا لحيان فنفروا لهم بقريب من مئة رجل رامي فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا ما أكله التمر في منزل نزلوه فقالوا تمر يثرب فاتبعوا آثارهم فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى موضع فأحاط بهم القوم فقالوا لهم انزلوا فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحدا فقال عاصم بن ثابت رضي الله عنه أيها القوم أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر ثم قال اللهم أخبر عنا نبيك صلى الله عليه وسلم فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق منهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر جاء في رواية ابن إسحاق في السيرة أنه عبد الله بن طارق البلوي رضي الله عنه فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث أي عبد الله بن طارق هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بها أولاء أسوى يريد القتلى فجرروه وعالجوه فأبا أن يصحبهم فانطلق بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بعد وقعة بدر فابتاع بن الحارث بن عامر بن نوفل خبيبا وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا قتله فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده قالت ففزعت فزعة عرفها خبيب فقال أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك قالت والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وإنه موثق بالحديد وما بمكة من ثمره وكانت تقول إنه لرزق رزقه الله خبيبا فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب دعوني أصلي ركعتين فتركوه فركع ركعتين فقال والله لولا أن تحسبوا أنما بي جزع لزد ثم قال اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا ثم أنشأ يقول فلست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزعي ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله روى بن إسحاق في السيرة بسند صحيح عن عقبة بن الحارث قال ما أنا والله قتلت خبيبا لأني كنت أصغر من ذلك ولكن أبا ميسره أخى بني عبد الدار أخذ الحربة فجعلها في يدي ثم أخذ بيدي وبالحربة ثم طعن بها حتى قتله وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صبرا الصلاة وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل أن يؤتوا بشيء منه يعرف وكان قتل رجلا عظيما من عظمائهم قال الحافظ في الفتح لعل العظيم المذكور عقبة بن أبي معيط فإن عاصما قتله صبرا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن انصرفوا من بدر فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر أي مثل السحابة من الزنانير أو النحل فحمته من رسولهم فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئا زاد بن إسحاق فلما حالت بينه وبينه مدبر قالوا دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه فبعث الله الوادي أي السيل فحتمل عاصما فذهب به وقعت هذه الفاجعة في صفر من السنة الرابعة للهجرة اختلف في سبب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السرية على النحو التالي أولا طلب العون من رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدو روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدو فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل ثانيا طلب تعليم القرآن والسنة روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا أن بعث معنا رجالا يعلمون القرآن والسنة فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القراء وقال ابن اسحاق قدم أبو برى عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ودعاه إليه فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام وقال يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أخشى عليهم أهل نجد فقال أبو برى أنا لهم جار فبعثهم فليدعو الناس إلى أمرك فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمر في أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين وصول الصحابة رضي الله عنهم إلى بئر معونة خرج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم السبعون من المدينة وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمر العقبي البدري رضي الله عنه حتى إذا بلغوا بئر معونة عرض لهم حيان من بني سليم فغدروا بهم وقتلوهم فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنسر رضي الله عنه قال فعرض لهم حيان من بني سليم رعل وذكوان عند بئر يقال لها بئر معونة فقال القوم والله ما إياكم أردنا إنما نحن مجتازون في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم فقتلوهم وفي لفظ آخر في صحيح البخاري قال أنسر رضي الله عنه فانطلقوا حتى بلغوا بئر معونة غدروا بهم وقتلوهم وروا الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال فآتوا على حي من بني سليم وفيهم خالي حرام فقال حرام لأميرهم دعني فلأخبر هؤلاء أننا لسنا إياهم نريد حتى يخلو وجهنا فقال لهم حرام إنا لسنا إياكم نريد فاستقبله رجل بالرمح فأنفذه منه فلما وجد الرمح في جوفه قال الله أكبر فزتوا رب الكعبة قال فانطووا عليهم فما بقي منهم أحد فلما قتل هؤلاء القراء رضي الله عنهم قالوا لربهم سبحانه اللهم بلغ عنا نبيك فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان أي ديار بني عامر وهم قوم ملاعب الأسنة فقالوا اللهم بلغ عنا نبيك أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا لم ينجوا من هذه المقتلة إلا رجلان وهما قال أنس بن مالك رضي الله عنه فقتلوهم إلا رجلا أعرج صعد الجبل سم ابن اسحاق في السيرة الرجل الأعرج فقال قتلوا من عند آخرهم إلا كعب ابن زيد أخى بني دينار ابن النجار فإنهم تركوه وبه رمق فرتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا يرحمه الله والرجل الثاني هو عمر بن أمية الضمري رضي الله عنه وكان قد أسر فأطلق كما سيأتي فضل عامر بن فهيرة رضي الله عنه كان من بين قتلى فاجعت بئر معونة عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن عروة ابن الزبير قال لما قتل الذين ببئر معونة وأسر عمر بن أمية الضمري رضي الله عنه قال له عامر بن الطفيل من هذا فأشار إلى قتيل فقال له عمر بن أمية هذا عامر بن فهيرة فقال لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض ثم وضع قال المصنف هذا الرجل عامر بن الطفيل قبحه الله رأس من رؤوس بني سليم الذين غدروا بالقراء رضي الله عنهم فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خاله أخ لأم سليم في سبعين راكبا وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل قال السندي في شرحه للمسند قوله عامر بن الطفيل هو العامري مات كافرا وليس هو عامر بن الطفيل الأسلمي الصحابي حزن النبي صلى الله عليه وسلم على شهداء بئر معونة بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر فاجعة بئر معونة وأصحاب سرية الرجيع في يوم واحد فحزن عليهم حزنا شديدا وأخذ يدعو على من غدر بأصحابه شهرا كاملا في كل صلاة فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عننا وروا الشيخان في صحيحيهما والإمام أحمد في مسنده واللفظ لأحمد عن أنس رضي الله عنه قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على شيء قط ما وجد على أصحاب بئر معونة أصحاب سرية المنذر بن عمر فمكث شهر يدعو على الذين أصابوهم في قنوط صلاة الغدا يدعو على رعل وذكوان وعصية ولحيان وهم من بني سليم وروا الإمام أحمد في مسنده وأبو داوود والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهر متتابع في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو عليهم على حي من بني سليم على رعل وذكوان وعصية ويؤمن من خلفه وكان أرسل إليهم يدعوهم إلى الإسلام فقتلوهم وروا الشيخان في صحيحيهما عن أنسر رضي الله عنه قال أنزل الله عز وجل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآنا قرأناه حتى نسخ بعد أنبلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه عودة عمر بن أمية الضمري رضي الله عنه إلى المدينة أسر عمر بن أمية الضمري رضي الله عنه فلما علموا أنه من مضر أطلقوه لسبب غريب قال ابن اسحاق وأخذوا عمر بن أمية أسيرا فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه قتل العامريين رجع عمر بن أمية الضمري رضي الله عنه إلى المدينة حتى إذا كان بالقرقرة أقبل رجلان من بني عامر وهي قبيلة الذين غدروا بالصحابة القراء رضي الله عنهم حتى نزل معه في ظل هو فيه وكان مع العامريين عقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لم يعلم به عمر بن أمية رضي الله عنه وقد سألهما حين نزل ممن أنتم قال من بني عامر فأمهلهما حتى إذا ناما قتلهما وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثأره من بني عامر فلما قدم عمر بن أمية رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره خبر أصحابه وأخبره خبر قتله الرجلين من بني عامر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد قتلت قتيلين لأدينهما فكان قتل عمر بن أمية الضمري رضي الله عنه هذين الرجلين وجمع النبي صلى الله عليه وسلم ديتهما سببا لغزوة بن النظير كما ذكر ابن إسحاق غزوة بن النظير كانت في ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة اختلف في سبب هذه الغزوة على النحو التالي السبب الأول جمع ديت القتيلين قال ابن إسحاق ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بن النظير يستعينهم في ديت ذينك القتيلين من بني عامر الذين قتل عمر بن أمية الضمري رضي الله عنه للجوار الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما كما حدثني يزيد بن روما وكان بين بن النظير وبين بني عامر عقد وحلف كما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في ديت ذينك القتيلين قالوا نعم يا أبى القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه ثم خلى بعضهم ببعض فقالوا إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ورسول الله إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه فانتدب لذلك عمر بن جحاش بن كعب أحدهم فقال أنا لذلك فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي رضوان الله عليهم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم فقام وخرج راجعا إلى المدينة فلما استلبث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه فقال رأيته داخلا المدينة فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهوا إليه فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيئ لحربهم والسير إليهم السبب الثاني الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله روا أبو داوود في سننه وعبد الرزاق الصنعاني في مصنفه بسند صحيح واللفظ لعبد الرزاق عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال إن كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه يعبد الأوثان من الأوس والخزرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر يقولون إنكم آويتم صاحبنا وإنكم أكثر أهل المدينة عددا وإنا نقسم بالله لتقتلنه أو لتخرجنه أو لنستعين عليكم العرب ثم لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن معه من عبدة الأوثان تراسلوا فاجتمعوا وأجمعوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لقيهم في جماعة فقال لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم فأنتم هؤلاء تريدون أن تقتلوا أبناءكم وإخوانكم فلما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم تفرقوا فبلغ ذلك كفار قريش وكانت وقعة بدر فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود إنكم أهل الحلقة والحصون وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء فلما بلغ كتابهم اليهود أجمعت بن النظير على الغدر فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك ولنخرج في ثلاثين حبرا أي عالما من علمائنا حتى نلتقي بمكان كذا نصف بيننا وبينكم فيسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه وخرج إليه ثلاثون حبرا من يهود حتى إذا برزوا في براز من الأرض قال بعض اليهود لبعض كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلا من أصحابه كلهم يحب أن يموت دونه فأرسلوا إليه كيف تفهم ونفهم ونحن ستون رجلا أخرج في ثلاثة من أصحابك ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا فليسمعوا منك فإن آمنوا بك آمنا كلنا وصدقناك فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت امرأة ناصحة من بن النظير إلى بني أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته خبر ما أراد بن النظير من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أخوها سريعا حتى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فساره بخبرهم قبل أن يصل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فرجع النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان من الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب فحاصرهم قال الحافظ في الفتح فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بن النظير طلبه صلى الله عليه وسلم أن يعينوه في دية الرجلين لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي والله أعلم حصار بن النظير واستسلامهم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم رضي الله عنه فلما رآه يهود بن النظير تحصنوا في حصونهم فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ست ليال وأمر بحرق وبقطع نخيلهم فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بن النظير وقطع وهي البويرة وهي موضع النظير فنزلت وروا الإمام الترمذي في جامعه بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في قول الله عز وجل ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها قال اللينة النخلة وليخزي الفاسقين قال استنزلهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل اشتد الحصار على يهود بن النظير وأيقنوا أن حصونهم لن تمنعهم من الله وقدف الله عز وجل الرعب في قلوبهم فعند ذلك صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأموال والأمتعة إلا السلاح قال الإمام القرطبي في تفسيره الجلاء مفارقة الوطن والفرق بين الجلاء والإخراج وإن كان معناهما واحدا من وجهين أحدهما أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد الثاني أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة والإخراج يكون لواحد ولجماعة روى الحاكم في المستدرك بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت كانت غزوة بن النظير وهم طائفة من اليهود على رأس ست أشهر من وقعة بدر وكان منزلهم ونخلهم بناحية المدينة فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة يعني السلاح وروا الشيخان في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال إن يهود بن النظير وقريضة حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بن النظير وأقر قريضة ومن عليهم حتى حاربت قريضة بعد ذلك فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين أول فيء في الإسلام وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تركه يهود بن النظير من الأموال والسلاح فكانت له خاصة وخص جزء من هذا الفيء في هذه الغزوة للمهاجرين خاصة لفقرهم وجعل باقيها له صلى الله عليه وسلم قال الإمام ابن القيم وكانت بن النظير خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لنوائبه ومصالح المسلمين ولم يخمسها لأن الله عز وجل أفاءها عليه ولم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب وروا الشيخان في صحيحيهما عن عمر رضي الله عنه قال كانت أموال بن النظير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وروا الشيخان في صحيحيهما عن أنس بن مالكر رضي الله عنه قال كان الرجل يجعل للنبي صلى الله عليه وسلم النخلات حتى افتتح قريضة والنظير فكان بعد ذلك يرد عليهم وروا أبو داوود في سننه بسند صحيح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال كان نخل بن النظير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة أعطاه الله إياه وخصه بها فقال وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب يقول بغير قتال فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أكثرها للمهاجرين وقسمها بينهم وقسم منها لرجلين من الأنصار كانا ذوي حاجة سماهم ابن إسحاق في السيرة سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة رضي الله عنهما لم يقسم لأحد من الأنصار غيرهما وبقي منها صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي في أيدي بني فاطمة رضي الله عنها نزول سورة الحشر قال ابن إسحاق ونزل في بن النظير سورة الحشر بأسرها وروا الإمام البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس رضي الله عنهما سورة الحشر قال نزلت في بن النظير وفي لفظ آخر في صحيح البخاري قال سعيد بن جبير قلت لابن عباس رضي الله عنهما سورة الحشر قال قل سورة النظير قال الحافظ في الفتح كأنه كره تسميتها بالحشر لأن لا يظن أن المراد يوم القيامة وإنما المراد به هنا إخراج بن النظير غزوة بدر الآخرة وتسمى بدر الصغرى لعدم وقوع قتال فيها وتسمى أيضا بدر الموعد لموعدة أبي سفيان يوم أحد على اللقاء في بدر من العام القابل وتسمى بدر الثالثة وقعت غزوة بدر الأخرى في شعبان من السنة الرابعة للهجرة واعد أبو سفيان عند انصرافه من غزوة أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم على القتال في العام القابل من أحد في بدر فلما كان في شعبان من العام القابل سنة أربع للهجرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده في ألف وخمسمائة حتى انتهى إلى بدر فآقام بها ثمانية أيام ينتظر المشركين أبو سفيان من مكة ومعه ألفان فلما انتهى إلى مر الظهران قال لمن معه إن العام عام جدب وقد رأيت أن أرجع بكم فانصرفوا راجعين وأخلفوا الموعد ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية وقد سمع الناس بمسيره في السيرة النبوية انطال شوق العالمين لبعضهم فالشوق نحوك لا يحاط مداه صلى عليك الله ما رفع النداه وتحركك بالباقي