بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ كُنُوزُ السِّيرَةِ مُكَاتَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُلُوكِ بعد صلح الحديبية راسل النبي ﷺ الملوك والأمراء يدعوهم إلى الله تبارك وتعالى وأرسل ﷺ رسائل كثيرة نذكر منها رسالتين الأولى رسالته إلى كثرة جاء فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ من محمد رسول الله إلى كثرة عظيم فارس سلامٌ على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله أدعوك بدعاية الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك واختار النبي ﷺ لحمل هذا الكتاب عبد الله بن حذافة السهمية رضي الله عنه فدفعه السهمي إلى عظيم البحرين ولما وصل الكتاب إلى كثرة مزقه وقال في غطرسته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدٌ حقيرٌ من رعيتي يكتب اسمه قبلي فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مزق الله ملكه وقد كان كما قال وقد كتب كثرة إلى باذان عامله على اليمن إبعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به فاختار باذان رجلين من عنده وبعثهما بكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن ينصرف معهما إلى كثرة وهذا أمرٌ عجيبٌ من هذا الرجل وهو كثرة فهو استهان بأمر العرب فلم يرسل جيشاً ولا سريةً صغيرةً لتأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يرسل رجلين اثنين ليأتياه برسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا نظرة فارس والروم إلى العرب كانوا يحتقرونهم ولا يعدونهم شيئا فأعزهم الله جل وعلا بالإسلام فما هي إلا سنواتٌ قليلة إلا وقد ظهر الإسلام وأنهى الله جل وعلا دولة فارس كلها فهذا فضل الله سبحانه وتعالى وقد جاء في الحديث أن هذين الرجلين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد حلقا لحيتيهما وأطلقا شاربيهما فلما رأاهما النبي صلى الله عليه وسلم صد عنهما وكره أن ينظر إليهما ثم قال من أمركما بهذا وهو إطلاق الشارب وحلق اللحية قال ربنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما ربي فأمرني أن أعفي لحيتي وأن أحف شاربي فهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هديه الثانية رسالته إلى هرقل أخرج الإمام البخاري رحمه الله عن عبدالله بن عباس أن أبا سفيان بن حرب أخبره قال أبو سفيان كنا تجارا بالشام وأنه أرسل إليه هرقل وإلى من كان معه في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه وهو بإيليا فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ودعا بترجمانه فقال أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فقال أبو سفيان أنا أقرب الناس نسبا فأبو سفيان هو صخر بن حرب بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف والنبي صلى الله عليه وسلم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف فوالد أبي سفيان الرابع عبد شمس ووالد النبي صلى الله عليه وسلم الرابع هاشم وهاشم وعبد شمس أخوان توأم أبوهما عبد مناف فقال أدنوه مني قال وقربوا أصحابه واجعلوهم عند ظهره ثم قال لترجمانه قل لهم إني سائل عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه قال أبو سفيان فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت ثم كان أول ما سألني عنه قال كيف نسبه فيكم قلت هو فينا ذو نسب وفي رواية أنه قال هو من أوسطنا نسبا أي من أفضلنا نسبا وأوسط الشيء أفضله فالجوهرة في العقد واسطة العقد وكذلك يقال عن صلاة العصر الصلاة الوسطى كما قال الله تبارك وتعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى أي الفضلا قال هرقل فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله قلت لا قال هل كان من آبائه من ملك قلت لا قال فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم قلت بل ضعفاؤهم قال أيزيدون أم ينقصون قلت بل يزيدون قال فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه قلت لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال قلت لا قال فهل يغدر قلت لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها قال أبو سفيان ولم تمكنني كريمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكريمة قال فهل قاتلتمه قلت نعم فكيف كان قتالكم إياه قلت الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه قال بماذا يأمركم قلت يقول عبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم وكذلك يأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة قال هرقل للترجمان قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها قال وسألتك هل قال هذا القول منكم أحد قط قبله قلت لا فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت إنه رجل يتأسى بقول قيل قبله وسألتك هل كان من آبائه من ملك قلت لا قلت فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك آبائه وسألتك فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال قلت لا فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله وسألتك أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم قلت بل ضعفاؤهم اتبعوه وهم أتباع الرسل وسألتك أيزيدون أم ينقصون قلت بل يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم وفي رواية وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه قلت لا وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب وسألتك هل يغدر فذكرت ألا وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك بماذا يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والصلة ثم قال فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم قال هرقل فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرا فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثما الأريسيين ثم قال قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أو بابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأننا مسلمون قال أبو سفيان فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا فقلت لأصحابي حين أخرجنا لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه يخافه ملك بن الأصفر يقول فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام وكان ابن الناطور صاحب إيليا سقفا على نصار الشام وهو صديق له رقل وكان ينظران في النجوم يحدث أنه رقل حين قدم إيليا أصبح يوما خبيث النفس فقال بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك قال ابن الناطور وكانه رقل حزاء ينظر في النجوم فقال لهم حين سألوه إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان ظهر فمن يختتن من هذه الأمة قالوا ليس يختتن إلا اليهود فلا يهمنك شأنهم وكتب إلى مدائن ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود يقول فبينما هم على أمرهم أتيه رقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استخبره هرقل قال اذهبوا وانظروا أم اختتن هو أم لا فحدثوه أنه مختتن واسأله عن العرب فقال هم يختتنون فقال هرقل هذا ملك هذه الأمة قد ظهر ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية وكان نظيره في العلم وسار هرقل إلى حمص فلم يرى حمصا حتى آتاه كتاب من صاحبه يوافق رأية يقول فأذنه رقل لعظماء الروم في دسكرة له في حمص والدسكرة بناء مثل القصر يكون للخدم والحواشي فيه بيوت كثيرة ثم أمر بأبواب الدسكرة فغلقت ثم اطلع فقال يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت فلما رآه رقل نفرتهم وأيسى من الإيمان قال ردوهم علي ثم قال إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت فسجدوا له فكان ذلك آخر شأنه رقل وهذا الرجل عزت عليه الدنيا وضن على ملكه وخاف عليه ونسي الآخرة وهكذا الإنسان قد يضيع الخير العظيم ويضيع الآخرة التي هي دار القرار لدنيا تافهة قد يتنعم فيها وقد لا يتنعم ومن تنعم فيها غمس غمسة واحدة في نار جهنم ثم يقال له هل مر بك خير قط هل مر بك نعيم قط هل رأيت نعيم قط فيقول لا لم أر نعيم قط وهنا قد يسأل سائل هل أسلمه رقل ظاهره هنا أنه أراد أن يسلم وأنه صدق بالنبي صلى الله عليه وسلم ولكن لا يكفي مجرد التصديق ولا بد من الإقرار فالإيمان لا يكون بمجرد التصديق فإبليس مصدق أن الله خالقه وأن الله بارئه وأن الله مصوره وأن الله له الأمر وله النهي سبحانه وتعالى ومع هذا لم يستجب وجاء أنه كتب من تبوك أيه رقل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول إني مسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم كذب بل هو على نصرانيته وقال الحافظ بن حجر في كتاب الأموال لأبي عبيد بسند صحيح من مرسل بكر بن عبد الله المزني أنه قال أي النبي صلى الله عليه وسلم عنه رقل كذب عدو الله ليس بمسلم كنوز السيرة عدالة الإسلام أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال إن نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام فاستوخموا الأرض وسقمت أجسامهم وقالوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها فقالوا بلى فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا ولكن كيف كان جزاء هذا المعروف فقتلوا الراعي وطردوا الإبل فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث في آثارهم فأدركوا فجيئ بهم فأمر بهم صلى الله عليه وسلم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا هذا عقاب من يفسدوا في الأرض والله تبارك وتعالى قال وكتبنا عليهم فيها والنفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص قال أنس إنما سمل أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعا فهم بدأوا بهذا فعاملهم النبي صلى الله عليه وسلم بجنس عملهم وذلك أنهم اعتدوا فاعتدى عليهم بمثل ما اعتدوا وإن كان الاعتداء الثاني ليس اعتداء في حقيقته وإنما هو قصاص