بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ مُحَمَّدُ الرَّسُولُ المُخْتَصَر في السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ من تأليف الشيخ موسى بالرَّاشِدَ العَازْمِ حَفِظَهُ اللَّهِ قِصَّةُ الْإِفْكِ وفي هذه الغزوة وقعت قصةُ الإفك الذي افتراه ابن سلول قبحه الله ومن معه من المنافقين في أم المؤمنين الطاهرة عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وأنزل الله عز وجل عشر آيات من سورة النور في ذلك قال تعالى إن الذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خيرٌ لكم لكل امرءٍ منهم ما اكتسب من الإفك والذي تولى كبره منهم له عذابٌ عظيم إلى آخر الآيات قال الإمام القرطبي وسبب نزول هذه الآيات ما رواه الأئمة من حديث الإفك الطويل في قصة عائشة رضوان الله عليها وهو خبرٌ صحيحٌ مشهور أغنى اشتهاره عن ذكره وقال الحافظ ابن كثير هذه العشر الآيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله تعالى لها ولنبيه صلوات الله وسلامه عليه فأنزل الله عز وجل براءتها صيانةً لعرض الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام فقال إن الذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم أي جماعةٌ منكم يعني ما هو واحدٌ ولثنان بل جماعة فكان المقدم في هذه اللعنة عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين فإنه كان يجمعه ويستوشيه حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به وجوزه آخرون منهم وبقي الأمر كذلك قريباً من شهر حتى نزل القرآن وسياق ذلك في الأحاديث الصحيحة قدوم العرنيين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة رهطٌ من عُكلٍ وعُرينة وذلك في شوال من السنة السادسة للهجرة فأظهروا الإسلام وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة وسقمت أجسامهم فعظمت بطونهم وانتهشت أعضاؤهم قال الحافظ في الفتح والظاهر أنهم قدموا سقاما فلما صحوا من السقم كرهوا الإقامة في المدينة لوخمها فأما السقم الذي كان بهم فهو الهزال الشديد والجهد من الجوع فعند أبي عوانة من رواية غيلان عن أنس رضي الله عنه كان بهم هزال شديد وعنده من رواية ابن سعد عنه مصفرة ألوانهم روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال إن ناسا من عُكل وعُرينة قدموا المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام فقالوا يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحر كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاق الذود فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فبعت الطلب في آثارهم فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم وفي لفظ آخر في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا فقتلوا الراعي وأطردوا الإبل فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعت في آثارهم فأدركوا فجيئ بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا وروا الإمام مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولائك لأنهم سملوا أعين الرعاء قال أبو قلابة فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله وقال الحافظ ابن كثير فكان ما فعل بهم قصاصا والله أعلم وروا أبو داوود في سننه والطحاوي في شرح مشكل الآثار بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال فأنزل الله عز وجل في ذلك إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادة قال الإمام القرطبي اختلف الناس في سبب نزول هذه الآية فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين وقال الحافظ ابن كثير والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات من فوائد قصة العرنيين قال الإمام ابن القيم وفيها من الفق جواز شرب أبوال الإبل طهارة بول مأكول اللحم الجمع للمحارب إذا أخذ المال وقتل بين قطع يده ورجله وقتله وأن يفعل بالجاني كما فعل فإنهم لما سملوا عين الراع سمل أعينهم وقد ظهر بهذا أن القصة محكمة ليست منسوخة وإن كانت قبل أن تنزل الحدود فالحدود نزلت بتقريرها لا بإبطالها والله أعلم المختصر في السيرة النبوية ان طال شوق العالمين لبعضهم فالشوق نحوك لا يحاط مداه صلى عليك الله ما رفع النداه وتحركك بالباقيه شفاه