نسيم السحر ولا تهنوا ولا تحزنوا الجراح عميقة والمصيبة كبيرة والآمال منكسرة والقلوب متألمة والبلية لم يكن مثلها من قبل وشماتة الأعداء قد تجلت وطعنة المنافقين الغادرة قد حصلت فكم في هذا الخطب من قتيل مثل به وجريح لم يندم الجرحه بعد وعدد كبير من الأحباب الذين قضوا في يوم واحد في هذا الجو الملبد بغيوم هذه المصائب يقول الله تعالى ولا تهنوا ولا تحزنوا أي تطمين هذا وأي تسلية هذه وأي روح تفاؤلية تنفخ في أرواح المؤمنين المكلومين بقرح يوم أحد فمع هذا كله ينهى الله الصحابة رضي الله عنهم عن الحزن فيربنا ذلك على عدم الهبوط عن قمة التفاؤل إلى سفح اليأس مهما عظم الخطب واشتد الكرب فالنفس الجريحة لا تداوى إلا ببث الأمل في شرايينها وتخفيف الحزن عنها وإعطائها جرعات من الإسعاد حتى لا يقتلها الجرح والغم أو يتأخر برؤها بسبب تفاقم الحزن والهم ولكي تسرع إلى العودة إلى جادة العمل والبناء من جديد وهكذا نزلت التسلية القرآنية على الصحابة معيد غزوة أحد فهونت مصابهم وداوت قروحهم وصححت المسار بعد هذا الانكسار وأعطتهم من هذا الجرح أدوية واقية تحميهم من العودة إلى مثل ما وقع منهم وعليهم إننا لو تتبعنا آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن الحزن فإننا لن نجد آية واحدة تأمر بالحزن بل الآيات جاءت بالنهي عن الحزن ونفيه وحمد الله على زواله ففي النهي عن الحزن قال تعالى إذ يقول لصاحبه لا تحزن وقال ولا تحزن عليهم وقال ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون وقال وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني وقال فناداها من تحتها ألا تحزني وقال وقالوا لا تخف ولا تحزن وقال إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وفي نفي الحزن قال تعالى فأثابكم غمًا بغم لكي لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم وقال فرجعناك إلى أمك كي تقرعينها ولا تحزن وقال يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون وقال فمن تبع هدايا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون وفي حمد الله على ذهاب الحزن قال تعالى وقال الحمد لله الذي أذهب عننا الحزن إن ربنا لغفور شكور والآيات في هذا الباب كثيرة ولو تتبعناها وتدبرناها ونظرنا في موضوعاتها لوجدنا آلاما كثيرة ومع ذلك يأتي التوجيه القرآني بقلع عروق الحزن من طريق السائر إلى الله لأنها لو تركت لأعاقت السائرين عن بلوغ الغاية أو أبطأت سيرهم فأياك أيها العاقل والبقاء في بوتقة الحزن والإقامة بين جدرانه الضيقة فإنه لا فائدة فيه بل المضرة حاصلة بالاستمرار معه واللبيب يدرك هذا فلا تحزن فإن الحزن شين ولا تيأس فإن اليأس مين فسارع في مغادرة أرضه قبل أن تفترسك تبعاته المؤلمة وعلم أنك إن حزنت على فائت دنيوي فدع ذلك الحزن بيقينك بأنك ستخرج من الدنيا بدونه إن تولت عنك دنياك فلا تحزن عليها إنما تخرج منها مثل ما جئت إليها ومهما طغ الحزن واتسع فسيرحل ولا بد فكن أنت من يعجل رحيله اصبر لضر النال منك فهكذا مضت الدهور فرح وحزن تارة لالحزن دام ولا السرور