بسم الله الرحمن الرحيم محمد رسول الله المختصر في السيرة النبوية من تأليف الشيخ موسى بالراشد العازمي حفظه الله السنة الخامسة للهجرة غزوة الخندق أو الأحزاب وقعت في شوال من السنة الخامسة للهجرة سبب هذه الغزوة كان سبب هذه الغزوة أن نفرا من أشراف يهود بن النظير الذين أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة واستقروا في خيبر منهم سلام بن أبي الحقيق النظري وحيي بن أخطب وكنانة بن أبي الحقيق النظري وسلام بن مشكم وكنانة بن الربيع خرجوا إلى مكة واجتمعوا بأشراف قريش وألبوهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة فأجابوهم إلى ذلك ثم خرجوا إلى غطفان فاستجابوا لهم أيضا وخرجت قريش في أحابيشها ومن تابعها ووافتهم بن سليم بمر الظهران وخرجت بن أسد وفزارة وأشجعوا وبن مرة عدد جيش الأحزاب وخروجهم تجمع عشرة آلاف من الأحزاب وقائدهم أبو سفيان صخر بن حرب وتوجهوا نحو المدينة النبوية على غير ميعاد كانوا قد تعاهدوا عليه فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيرهم إلى المدينة استشار أصحابه رضي الله عنهم فأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه وكانت غزوة الخندق أول مشاهده رضي الله عنه أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق ليحول بين الأحزاب وبين المدينة النبوية فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبادر إليه المسلمون وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه فيه قال الحافظ ابن كثير وكانت في حفره آيات مفصلة يطول شرحها وأعلام نبوة قد تواتر خبرها وروا الإمام البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة فقالوا مجيبين له نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا وروا الشيخان في صحيحيهما عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه وكان كثير الشعر فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل من التراب يقول اللهم لولا أنت مهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلا سكينة علينا وثبت الأقدام إلا قينا إن الأولى قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا قال الإمام القرطبي عمل المسلمون في الخندق مجتهدين ونكص المنافقون وجعلوا يتسللون لواذا فنزلت فيهم آيات من القرآن ذكرها ابن إسحاق وغيره وكان من فرغ من المسلمين من حصته عاد إلى غيره حتى كمل الخندق وكانت فيه آيات بينات وعلامات للنبوات واصل الصحابة رضي الله عنهم حفر الخندق وكانوا يقاسون وهم يحفرون الخندق شدة الجوع والجهد الشديد فقد روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال لما حفر النبي صلى الله عليه وسلم أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي صلى الله عليه وسلم على بطنه حجرا من الجوع وروى الإمام البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة أي قطعة غليضة صلبة لا تعمل فيها الفأس فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق فقال أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب في الكدية فعاد كثيبا أهيلا أو أهيم أي رملا سائلا وروى الإمام بن جرير الطبري في تفسيره بسند صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال أرسلني خالي عثمان بن مضعون ليلة الخندق في برد شديد وريح إلى المدينة قال ائتنا بطعام ولحاف قال فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لي الانتهاء من حفر الخندق انتهى الصحابة رضي الله عنهم من حفر الخندق قبل وصول الأحزاب قال الإمام بن القيم وكان حفر الخندق أمام سلع وجبل سلع خلف ظهور المسلمين والخندق بينهم وبين الكفار وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هناك عسكرة فتحصن بالجبل من خلفه وبالخندق أمامه وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا في آطام المدينة يعني ابنيتها المرتفعة كالحصون وكان شعار المسلمين يومئذ حاميم لا ينصرون فقد روى الإمام الترمذي وأبو داوود بسند صحيح واللفظ لأبي داوود عن المهل بابن أبي صفرة قال أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن بييتم فليكن شعاركم حاميم لا ينصرون وقال ابن اسحاق كان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وبني قريضة حاميم لا ينصرون قدوم الأحزاب ودهشتهم من الخندق وصل الأحزاب إلى أطراف المدينة النبوية وأيذا بهم يتفاجأون بالخندق فنزلت قريش بمجمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة وأقبلت غطفان حتى نزلوا بذنب نقما إلى جانب أحد قال تعالى ولما رأى المؤمنون الأحزاب هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما قال الحافظ ابن كثير هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب هذا قال وصدق الله ورسوله نقض بني قريضة العهد وكانت حصون بني قريضة وهم طائفة من اليهود شرقي المدينة ولهم عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذمة وهم قريب من أربعمائة مقاتل وقيل سبعمائة وصل حيي بن أخطب إلى ديار بني قريضة وطرق على كعب بن أسد سيد بني قريضة طرق عليه الباب فلم يأذن له وأبى أن يقابله فناداه حيي ويحك يا كعب افتح لي فقال ويحك يا حيي وإني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقا فما زال حيي يكلمه حتى فتح له كعب بابه فقال حيي جئتك بعز الدهر وبحر طامي جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة وغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقما إلى أحد قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه فقال له كعب جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد فهو يرعد ويبرق ليس فيه شي والجهام هو السحاب الذي أفرغ ماءه ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب والغارب هو مقدم السنان أراد أنه ما زال يخادعه ويتلطف حتى أجابه حتى سمح له على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا لأن رجعت قريش وغطفان ولم يصيب محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك فنقض كعب بن أسد عهدا وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث النبي صلى الله عليه وسلم الزبير رضي الله عنه لبني قريضة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم غافلا عن تحركات بني قريضة فبعت الزبير بن العوام رضي الله عنه ليتأكد من خبر بني قريضة قَدْرَوَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كُنْتُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءِ فنظرتُ فإذا أنا بالزُّبَيْرِ على فرسه يختلف إلى بني قريضة مرتين أو ثلاثا فلما رجعتُ قلت رأيتُك تختلف قال أَوَ هَلْ رَأَيْتَنِي يَابُنَيْهِ قُلْتُ نَعَمْ قال كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال من يأتِ بني قريضة فيأتيني بخبرهم فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبويه فقال فِي دَاكَ أَبِي وَأُمِّي وفي لفظٍ آخر في الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب من يأتينا بخبر القوم فقال الزُّبَيْر رضي الله عنه أنا ثم قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من يأتينا بخبر القوم فقال الزُّبَيْر رضي الله عنه أنا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير رضي الله عنه أنا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لكل نبي حواريا وإن حواري الزبير والحواري هو الخاصة من أصحابه قال الحافظ في الفتح فقصة الزبير رضي الله عنه كانت لكشف خبر بني قريضة هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين ووافقوا قريشا على محاربة المسلمين بعث السعدين رضي الله عنهما لبني قريضة ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد ابن معاذ وسعد ابن عبادة ومعهما عبد الله ابن رواحة وخوات ابن جبير رضي الله عنهم إلى بني قريضة ليتأكدوا من خبر التزامهم بالعهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أنهم نقضوا العهد وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا فإن كان حقا فألحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم وجاهروهم بالسب والعدوان ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد فانصرفوا عنهم ثم أقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا عضل والقارة أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين اشتداد الخوف وظهور النفاق وعلى الرغم من إخفاء حقيقة نقض بني قريضة العهد فإن الخبر انتشر بين الناس فعظم الخطب وضاق الحال واشتد الخوف وخيف على الذرار والنساء فلم يكن يحول بين المسلمين وبين بني قريضة شيء يمنعهم من الإغارة عليهم والأحزاب بجيشهم العرمرم أمامهم وصار حالهم كما قال تعالى وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنا لكبتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا وروا الإمام أحمد في مسنده وابن إسحاق في السيرة بسند حسن عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة الريح ونجم النفاق أي ظهر وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في نفوسهم قال الله تعالى يقولوا أنه منهم عففة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا قال الحافظ بن كثير أما المنافق فنجم نفاقه والذي في قلبه شبهة أو حسيكة ومجده ضعف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه لضعف إيمانه وشدة ما هو فيه من ضيق الحال سعي النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسالحة غطفان فلما اشتد البلاء على المسلمين وطال عليهم هذا الحال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوفن المري وهما قائدا غطفان وصالحهما على ثلث ثمار المدينة على أن يرجع بمن معهما عنه وعن أصحابه فقبلا وجرت المراوضة على ذلك والمراوضة هي أن تواصف الرجل بالسلعة ليست عندك فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم السعدين سعد ابن معاذ وسعد ابن عبادة رضي الله عنهما في ذلك فقال يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمع وطاعه وإن كان شيئا تصنعه لنا فلا حاجة لنا به فلقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنت وذاك ولم يتم الأمر قال الحافظ ابن كثير وصوب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيهما رضي الله عنهما ولم يفعل من ذلك شيئا إصابة سعد ابن معاذ رضي الله عنه استمرت المناوشات بين المسلمين والكفار فرمى حبان ابن العرقة بسهم فأصاب سعد ابن معاذ رضي الله عنه بأكحله والأكحل هو عرق في وسط الذراع روى الإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت خرجت يوم الخندق أقفوا آثار الناس فسمعت وإيد الأرض ورائي يعني حس الأرض فالتفت فإذا أنا بسعد ابن معاذ رضي الله عنه ومعه ابن أخيه الحارث ابن أوس يحمل ميجنة أي يحمل ترسى قالت فجلست على الأرض فمر سعد وعليه درع من حديد قد خرجت منها أطرافه فأنا أتخوف على أطراف سعد وكان من أعظم الناس وأطولهم قالت رضي الله عنها ورمى سعدا رجل من المشركين يقال له ابن العرق رماه بسهم له فقال له خذها وأنا ابن العرق فأصاب أكحله فقطعه وروا الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه بسند صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ رضي الله عنه فقطعوا أكحله فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنار أي كواه بالنار ليقطع دمه فانتفخت يده فتركه فنزفه الدم فحسمه أخرى فانتفخت يده فلما رأى ذلك قال رضي الله عنه اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريضة فاستمسك عرقه فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحمل سعد بن معاذ رضي الله عنه إلى المسجد ليطبب فيه وليعوده من قريب فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها قالت أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرق رماه في الأكحل فضرب النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب استمرار المناوشات وفوات الصلاة لما طال المقام على المشركين اتعدوا أن يغدوا من الغد أي تواعدوا أن يسيروا أول النهار فباتوا يعبئون أصحابهم وفرقوا كتائبهم في كل وجه من الخندق ووجهوا إلى قبة النبي صلى الله عليه وسلم كتيبة غليضة فيها خالد بن الوليد فتصدى لهم الصحابة رضي الله عنهم وقاتلوهم يومهم ذلك إلى هوي من الليل أي وقت طويل من الليل ما يقدرون أن يزولوا عن موضعهم ولا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه صلاة العصر وفي بعض الروايات صلاة الظهر والعصر والمغرب في وقتها ثم انصرف المشركون إلى منازلهم وعسكرهم ولم يكن بعد ذلك اليوم قتال حتى انصرف المشركون لكنهم لم يكونوا يدعون الطلائع بالليل يطمعون في الغارة وروى الشيخان في صحيحيهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش قال يا رسول الله ما كدت أصل للعصر حتى كادت الشمس تغرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما صليتها فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصل العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب وروى الشيخان في صحيحيهما واللفظ لمسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا ثم صلاها بين العشاءين بين المغرب والعشاء وروى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح على شرط مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل حتى كفينا وذلك قول الله تعالى وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزا قال فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأقام صلاة الظهر فصلها وأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم أمره فأقام العصر فصلها وأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم أمره فأقام المغرب فصلها كذلك قال وذلكم قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف فرجالا أو ركبانا قال الإمام النووي وعلم أنه وقع في هذا الحديث هنا وفي البخاري أن الصلاة الفائتة كانت صلاة العصر وظاهره أنه لم يفت غيرها وفي الموطى أنها الظهر والعصر وفي غيره أنه أخر أربع صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى ذهب هوي من الليل وطريق الجمع بين هذه الروايات أن وقعة الخندق بقيت أياما فكان هذا في بعض الأيام وهذا في بعضها ثم إن الله سبحانه وتعالى نصر رسوله صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين بالدعاء والريح والملائكة فقال تعالى إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم ترواها وكان الله بما تعملون بصيرا قال الحافظ ابن كثير ثم أرسل الله عز وجل على الأحزاب ريحا شديدة الهبوب قوية حتى لم تبقى لهم خيمة ولا شيء ولا توقد لهم نار ولم يقرى لهم قرار حتى ارتحلوا خائبين خاسرين وقوله تعالى وجنودا لم ترواها هم الملائكة زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف فكان رئيس كل قبيلة يقول يا بني فلان إليا فيجتمعون إليه فيقول أن نجاء أن نجاء لما ألقى الله تعالى في قلوبهم من الرعب وروا الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت وبعث الله عز وجل الريح على المشركين فكفى الله عز وجل المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزا وروا الشيخان في صحيحيهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور قال الحافظ في الفتح عرف بهذا وجه إيراد المصنف هذا الحديث هنا وأن الله نصر نبيه صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق بالريح قال تعالى فأرسلنا عليهم ريح وجنود لم تروها وروا الشيخان في صحيحيهما عن عبدالله ابن أبي أوفى رضي الله عنهما قال دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب على المشركين فقال اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم وروا الإمام أحمد في مسنده بسند ضعيف وله شواهد يتقوى بها عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قلنا يوم الخندق يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم اللهم استر عوراتنا وآمر روعاتنا قال فضرب الله عز وجل وجوه أعدائه بالريح فهزمهم الله عز وجل بالريح بعث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما للأحزاب ثم بعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما ليأتيه بخبر الأحزاب بعدما عصفت فيهم الريح فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فسكتنا فلم يجبه منا أحد ثم قال ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فسكتنا فلم يجبه منا أحد ثم قال ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فسكتنا فلم يجبه منا أحد فقال قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم فلم أجد بدًّا إذ دعاني باسمي أن أقوم فقال اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميه فتذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تذعرهم علي ولو رميته لأصبته فرجعت وأنا أمشي في مثل حمام فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت قررت أي مسّني البرد فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال قم يا نوما رجوع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى منازلهم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام إلى منازلهم وذلك بعد ذهاب الأحزاب إلى ديارهم وصدق الله تعالى إذ يقول ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم يلالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزا قال الحافظ ابن كثير ولولا أن جعل الله رسوله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين لكانت هذه الريح عليهم أشد من الريح العقيم على عاد ولكن قال الله تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم فسلط عليهم هواء فرق شملهم كما كان سبب اجتماعهم من الهوى وهم أخلاط من قبائل شتى أحزاب وأرى فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي فرق جماعتهم وردهم خائبين خاسرين بغيظهم وحنقهم لم ينالوا خيرا لا في الدنيا مما كان في أنفسهم من الضفر والمغنم ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة الرسول صلوات الله وسلامه عليه بالعداوة وهمهم بقتله واستئصال جيشه ومن هم بشيء وصدق همه بفعله فهو في الحقيقة كفاعله وروا الإمام البخاري في صحيحه عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول حين أجلي الأحزاب عنه الآن نغزوهم ولا يغزوننا نحن نسير إليهم قال الحافظ في الفتح وفي هذا الحديث علم من أعلى من النبوة فإنه صلى الله عليه وسلم اعتمر في السنة المقبلة فصدته قريش عن البيت ووقعت الهدنة بينهم إلى أن قضوها فكان ذلك سبب فتح مكة فوقع الأمر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بني قريضة وقعت في يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة من السنة الخامسة للهجرة ذكرنا في غزوة الخندق نقض بني قريضة العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتآمرهم مع الأحزاب على حرب المسلمين فجاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره بقتال يهود بني قريضة قال الحافظ ابن كثير فصل في غزوة بني قريضة وما أحل الله تعالى بهم من البأس الشديد معما أعد الله لهم في الآخرة من العذاب الأليم وذلك لكفرهم ونقضهم العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وممالأتهم الأحزاب عليه فما أجدا ذلك عنهم شيئا وباءوا بغضب من الله ورسوله والصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة وروا الشيخان في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها قالت لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل عليه السلام فقال قد وضعت السلاح والله ما وضعناه فخرج إليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإلى أين قال ها هنا وأشار إلى قريضة فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم وروا الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من الأحزاب دخل المغتسل ليغتسل فجاء جبريل عليه السلام فقال أو قد وضعتم السلاح ما وضعنا أسلحتنا بعد إنهض إلى بني قريضة أي إنهض إلى بني قريضة قالت عائشة رضي الله عنها كأني أنظر إلى جبريل عليه السلام من خلال الباب قد عصب رأسه من الغبار قرى والحاكم في المستدرك بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها فسلم علينا رجل ونحن في البيت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا فقمت في أثره فإذا دحية الكلبي فقال هذا جبريل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريضة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من أصحابه متوجه إلى بني قريضة ودفع اللواء إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبعث بلال رضي الله عنه ينادي في الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم ألا تصلوا العصر إلا في بني قريضة فقد روى الحاكم في المستدرك بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه عزمت عليكم ألا تصلوا صلاة العصر حتى تأتوا بني قريضة عمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريضة فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلي فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم وفي رواية الحاكم في مستدركه بسند حسن قالت عائشة رضي الله عنها فغربت الشمس قبل أن يأتوهم فقال الطائفة من المسلمين إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد أن تدعو الصلاة وقال الطائفة إنا لفي عزيمة النبي صلى الله عليه وسلم وما علينا من إثم فصلت طائفة إيمانا واحتسابا وترك الطائفة إيمانا واحتسابا ولم يعب النبي صلى الله عليه وسلم واحدا من الفريقين قال الإمام ابن حزم وعلم الله تعالى أننا لو كنا هناك ما صلينا العصر في ذلك اليوم إلا في بني قريضة ولو بعد أيام وقال الحافظ ابن كثير بينا أن الذين صلوا العصر لوقتها أقرب إلى إصابة الحق في نفس الأمر وإن كان الآخرون معذورين أيضا والحجتها هنا في عذرهم في تأخير الصلاة حصار الناكثين للعهد من الطائفة الملعونة حصار بني قريضة وبعث الله عز وجل جبريل عليه السلام إلى بني قريضة ليزلزلهم ويلقي في قلوبهم الرعب فقد روى الحاكم في المستدرك بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت خرج النبي صلى الله عليه وسلم فمر بمجالس بينه وبين قريضة فقال هل مر بكم من أحد قالوا مر علينا دحية الكلبي على بغلة شهبا تحته قطيفة ديباج فقال النبي صلى الله عليه وسلم ليس ذلك بدحية ولكنه جبريل عليه السلام أرسل إلى بني قريضة ليزلزلهم ويقذف في قلوبهم الرعب وروا الإمام البخري في صحيحه عن أنسر رضي الله عنه قال كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم موكب جبريل حين سار رسول الله إلى بني قريضة وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ الله ورعايته إلى ديار بني قريضة فلما رأوه تحصنوا بحصونهم فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا إخوة القردة والخنازير ثم فرض عليهم الحصار واستمر الحصار خمسا وعشرين ليلة حتى اشتد عليهم الحال وقذف الله الرعب في قلوبهم فأذعلوا ونزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه وكانوا حلفاءه وفي رواية بن اسحاق فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواثبت الأوس فقالوا يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت يعنون يهود بني قينقاع حلفاء الخزرج لما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم بيد عبدالله بن أبي بن سلول وذلك في غزوة بني قينقاع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا بلى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وروا الإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت فلما اشتد حصرهم واشتد البلاء قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشاروا أبال بابة بن عبد المنذر فأشار إليهم أنه الذبح ننزل على حكم سعد بن معاذ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انزلوا على حكم سعد بن معاذ قدوم سعد بن معاذ وحكمه في بني قريضة وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ فأتي به على حمار عليه إيكافٌ من ليف والإيكاف هو الحبل قد حمل عليه وحف به قومه فقالوا يا أبا عمر حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت فلا يرجع إليهم قولا ولا يلتفت إليهم حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال قد آن لسعد لن ي сожалению بلا يبلية في الله لو متلائم فلما طلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا إلى سيدكم فأنزلوه فأنزلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم احكم فيهم فقال سعد رضي الله عنه أن تُقتل مُقاتلتهم، وتُسبى ذراريهم، وتُقسم أموالهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد حكم فيهم بحكم الله عز وجل وحكم رسوله وفي رواية الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن جابر رضي الله عنه قال فحكم أن تُقتل رجالهم وتُستحيا نساؤهم وذراريهم ليستعين بهم المسلمون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبت حكم الله فيهم وفي رواية الحاكم بسند حسن عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد حكم اليوم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات وصدق الله سبحانه إذ يقول وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تقعوها وكان الله على كل شيء قديرا تنفيذ الحكم في بني قريضة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنفيذ حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه في يهود بني قريضة بأن يقتل كل من أمبت منهم ومن لم يكن أمبت ترك فضرب أعناقهم في خنادق حفرت في سوق المدينة وكانوا أربعمائة رجل روى الإمام أحمد في مسنده والترمذي وأبو داود بسند صحيح عن عطية القرضي قال عرضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريضة فكان من أمبت قتل ومن لم ينبت خلي سبيله فكنت في من لم ينبت فخلي سبيلي وفي رواية ابن حبان في صحيحه بسند صحيح قال عطية القرضي كنت أول من حكم فيهم سعد فجي أبي وأنا أرى أنه سيقتلني فكشف عن عانتي فوجدوني لم أنبت فجعلوني في السبي قال الإمام الترمذي في جامعه والعمل على هذا عند بعض أهل العلم أنهم يرون الإنبات بلوغة إن لم يعرف احتلامه ولا سنه وهو قول أحمد وأسحاق وروا الشيخان في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال إن يهود بن النظير وقريضة حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلى بن النظير وأقر قريضة ومن عليهم حتى حاربت قريضة بعد ذلك فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم بين المسلمين لم يقتل من نساء بني قريضة إلا امرأة ولم يقتل من نساء يهود بني قريضة سوى امرأة واحدة فقد روى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم واللفظ للحاكم بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت ما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بني قريضة إلا امرأة واحدة والله إنها لعندي تضحك ظهرا لبطن وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتل رجالهم بالسيوف إذ يقول هاتف باسمها أين فلانة فقالت أنا والله قلت ويلك ما لك فقالت اقتل والله فقلت ولم قالت لحدث أحدثته قال ابن هشام في السيرة هي التي طرحت الرحى على خلاد بن سويد رضي الله عنه فقتله فانطلق بها فضربت عنقها فما أنسى عجبا منها طيبة نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت أنها تقتل وفات السيد الكبير سعد ابن معاذ رضي الله عنه استجاب الله جل جلاله دعوة عبده الصالح سعد ابن معاذ رضي الله عنه وأقر عينه وشفى صدره من يهود بني قريضة فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل رجالهم انتفض جرحه فمات رضي الله عنه روى الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه بسند صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات وروى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها قالت إن سعدا قال اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك صلى الله عليه وسلم وأخرجوه اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها فانفجرت من لبته أي من نحره فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم فقالوا يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم فإذا سعد يغذو جرحه دم فمات منها رضي الله عنه ثم حمل سعد رضي الله عنه بعدما فرغ من جهازه وحملته الملائكة مع الناس فكانت جنازته خفيفة بسبب حمل الملائكة فقد روى الإمام الترمذي والحاكم بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال لما حملت جنازة سعد بن معاذ رضي الله عنه قال المنافقون ما أخف جنازته وما ذاك إلا لحكمه في بني قريضة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا ولكن الملائكة كانت تحمله وروى الشيخان في صحيحيهما واللفظ للبخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتز العرش لموت سعد بن معاذ قال الإمام الذهبي والعرش خلق لله مسخر إذا شاء أن يهتز اهتز بمشيئة الله وجعل فيه شعورا لحب سعد رضي الله عنه كما جعل تعالى شعورا في جبل أحد بحبه النبي صلى الله عليه وسلم وقال تعالى يا جبال أويبي معه وقال تسبح له السماوات السبع والأرض ثم عمم فقال وإن من شيء إلا يسبح بحمده وهذا حق وفي صحيح البخاري قول ابن مسعود رضي الله عنه رضي الله عنه كنا نسمع الطعام وهو يؤكل وهذا باب واسع سبيله الإيمان نزول سورة الأحزاب قال ابن اسحاق وأنزل الله تعالى في أمر الخندق وأمر بني قريضة من القرآن سورة الأحزاب يذكر فيها ما نزل من البلاء ونعمته عليهم وكفايته إياهم حين فرج ذلك عنهم بعد مقالة من قال من أهل النفاق زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش رضي الله عنها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله عنها وفي صبيحة عرسها نزل الحجاب كان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة للهجرة كانت الحكمة من زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها ابطال عادة التبني المنتشرة في ذلك الزمان كما قال تعالى لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعائهم إذا قضوا منهن وطرى وكان أمر الله مفعولا قال الحافظ بن كثير أي إنما أبحنا لك تزويجها وفعلنا ذلك لأن لا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة قد تبنا زيد بن حارثة رضي الله عنه فكان يقال له زيد بن محمد فلما قطع الله هذه النسبة بقوله تعالى ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم لا إي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعاءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ثم زاد ذلك بيانا وتأكيدا بوقوع تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها لما طلقها زيد بن حارثة رضي الله عنه ولهذا قال في آية التحريم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ليتحرز من لابن الدعي فإن ذلك كان كثيرا فيهم خطبة زينب بنت جحش رضي الله عنها خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله عنها فظنت أنه صلى الله عليه وسلم يريدها لنفسه فلما علمت أنه يريدها لزيد بن حارثة رضي الله عنه أبت فقد روى الإمام بن جرير الطبري في تفسيره بسند مرسل صحيح عن قتادة قال في قوله تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم قال نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش رضي الله عنها وكانت بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضيت ورأت أنه يخطبها على نفسه فلما علمت أنه يخطبها على زيد بن حارثة رضي الله عنه أبت وأنكرت فأنزل الله وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم قال فتابعته بعد ذلك ورضيت مكثت زينب رضي الله عنها عند زيد بن حارثة رضي الله عنه قريبا من سنة ثم إنه جاء يشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى الإمام البخاري والترمذي واللفظ للترمذي عن أنس رضي الله عنه قال لما نزلت هذه الآية وتخفي في نفسك ما الله مبديه في شأن زينب بنت جحشر رضي الله عنها جاء زيد رضي الله عنه يشكو فهمّ بطلاقها فاستأمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمسك عليك زوجك واتق الله قال الحافظ في الفتح والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي صلى الله عليه وسلم هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس تزوج امرأة ابنه وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنه ووقع ذلك من إمام المسلمين ليكون أدعى لقبوله وروا الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد اذهب فاذكرها علي قال فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها فوليتها ظهري ونكست على عقبي فقلت يا زينب أبشري أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك قالت ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي عز وجل فقامت في مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن وروا الإمام البخاري في صحيحه والترمذي في جامعه واللفظ للترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال لما نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش رضي الله عنها فلما قضى زيد منها وطرا زوجنا كها قال فكانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول زوجكن أهلكن وزوجن الله من فوق سبع سماوات وليمة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب رضي الله عنها وأولم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بنا بزينب بنت جحش رضي الله عنها فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بنا بزينب بنت جحش رضي الله عنها فأشبع الناس خبزا ولحما وروى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال ما أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه أكثر أو أفضل مما أولم على زينب قال الإمام النووي يحتمل أن سبب ذلك الشكر لنعمة الله في أن الله تعالى زوجه إياها بالوحي لا بولي وشهود بخلاف غيرها ومذهبنا الصحيح المشهور عند أصحابنا صحة نكاحه صلى الله عليه وسلم بلا ولي ولا شهود لعدم الحاجة إلى ذلك في حقه صلى الله عليه وسلم وهذا الخلاف في غير زينب وأما زينب فمنصوص عليها والله أعلم وروى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال بني على النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش بخبز ولحم فأرسلت على الطعام داعيا فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعو نزول الحجاب فلما طعم الناس جلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وزوجته مولية وجهها إلى الحائط فثقلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم على نسائه ثم رجع فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه فقال فابتدروا الباب فخرجوا كلهم وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرخى الستر ودخل فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج عليه وأنزلت هذه الآية فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأهن على الناس يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فدخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستهنسين لحديث إن ذلك كان يؤذي النبي فيستحيي منكم فدع الناس للطعام بعد ارتفاع النهار فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس معه رجال بعدما قام القوم حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشا ومشيت معه حتى بلغ حجرة عائشة رضي الله عنها ثم ظن أنهم خرجوا فرجع ورجعت معه فإذا هم جلوس مكانهم فرجع ورجعت الثانية حتى بلغ باب حجرة عائشة رضي الله عنها فرجع ورجعت معه فإذا هم قد قاموا فضرب بيني وبينه سترا وأنزل الحجاب قال أنس رضي الله عنه أنا أحدث الناس عهدا بهذه الآيات وحجبن نساء النبي صلى الله عليه وسلم وقال الإمام ابن القيم فهؤلاء نساء النبي صلى الله عليه وسلم هن أمهات المؤمنين في التحريم والحرمة فقط لا في المحرمية فليس لأحد أن يخلو بهن ولا ينظر إليهن بل قد أمرهن الله بالاحتجاب عمن حرم عليه نكاحهن من غير آقار بهن ومن بينهن وبينه رضاع فقال تعالى وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب وقال الحافظ ابن كثير فناسب نزول الحجاب في هذا العرص صيانة لها ولأخواتها من أمهات المؤمنين وذلك وفق الرأي العمري السنة السادسة للهجرة مرحلة جديدة للدعوة نستطيع أن نسمي مرحلة ما بعد غزوة الخندق مرحلة التمكين والفتح وعبر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبارة دقيقة فقال الآن نغزوهم ولا يغزوننا نحن نسير إليهم فإنه لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم حسنا من أمر الأحزاب ويهود بني قريضة وهدأ وضع المدينة النبوية أخذ يوجه الحملات التأديبية لكل من غدر بالمسلمين في حوادث سابقه ليعزز قوة الدولة الإسلامية ويفرض هيبتها في الجزيرة العربية سرية عبد الله بن عتيكر رضي الله عنه لقتل سلام بن أبو الحقيق ولما انقضى شأن الخندق وأمر بني قريضة وكان سلام بن أبو الحقيق وهو أبو رافع فيمن حزب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضه عليه استأذنت الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل سلام بن أبو الحقيق وهو بخيبر فأذن لهم قصة قتله روى الإمام البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار فأمر عليهم عبدالله بن عتيك رضي الله عنه وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه وكان في حصن له بأرض الحجاز فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم فقال عبدالله لأصحابه إجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب لعل لي أن أدخل فأقبل حتى دنى من الباب ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة وقد دخل الناس فهتف به البواب يا عبدالله إن كنت تريد أن تدخل فدخل فإني أريد أن أغلق الباب فدخلت فكمنت فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأغاليق على ود أي علق المفاتيح على وتد قال فقمت على الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب وكان أبو رافع يسمر عنده وكان في علالي له فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابا أغلقت علي من داخل قلت إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إليه حتى أقتله فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم واستعياله لا أدري أين هو من البيت فقلت أبا رافع قال من هذا فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش فما أغنيت شيئا وصاح فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد ثم دخلت إليه فقلت ما هذا الصوت يا أبا رافع وفي رواية فغيرت صوتي فقال لأمك الويل إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف قال فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله ثم وضعت ضبيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرا أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة ثم انطلقت حتى جلست على الباب فقلت لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته فلما صاحت ديك قام الناعي على السور فقال أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز فانطلقت إلى أصحابي فقلت أن نجا فقد قتل الله أبا رافع فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال لي أبسط رجلك فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم أشتكها قط وفي رواية بن إسحاق أن جميع النفر دخلوا على أبي رافع واشتركوا في قتله وأن الذي تحامل عليه بالسيف عبد الله بن أنيس رضي الله عنه وفيه أنهم لما قتلوه ليلة وانكسرت ساق عبد الله بن عتيك حملوه وأتوا منهر من عيونهم فدخلوا فيه والمنهر هو خرق في الحصن نافذ يدخل فيه الماء وأوقد اليهود النيران واشتدوا في كل وجه حتى إذا يأيسوا رجعوا على صاحبهم وإنهم حين رجعوا احتملوا عبد الله بن عتيك رضي الله عنه حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة رضي الله عنه في سبعين ومائة راكب وذلك في جماد الأولى من السنة السادسة للهجرة والهدف اعتراض عير لقريش أقبلت من الشام يقودها أبو العاص بن الربيع رضي الله عنه زوج زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم وكان ما زال مشركة فأدركوها فأخذوها وما فيها وأسروا ناسا ممن كان في العير منهم أبو العاص بن الربيع رضي الله عنه وقدمو بهم إلى المدينة فأرسل أبو العاص بن الربيع رضي الله عنه إلى زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وكانت هاجرت إلى المدينة فاستجار بها فآجارت فقد روى الحاكم والطحاوي في شرح مشكل الآثار بسند حسن عن أم سلمة رضي الله عنها قالت إن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليها أبو العاص بن الربيع أنخذي لي أمانا من أبيك فخرجت فأطلعت رأسها من باب حجرتها والنبي صلى الله عليه وسلم في الصبح يصلي بالناس فقالت أيها الناس إني زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني قد أجرت أبو العاص فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة أيها الناس إنه لا علم لي بهذا حتى سمعتموه ألا وإنه يجير على المسلمين أدناهم وطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحاب السرية رد الأموال التي غنموها من قافلة أبي العاص بن الربيع رضي الله عنه من غير أن يكرههم فردوا عليه كلما أخذوه من القافلة حتى إن الرجل ليأتي بالدلو ويأتي بالشنة والإداوة حتى العقال حتى ردوا عليه ما له كله ما يفقد منه شيء عودة أبي العاص رضي الله عنه إلى مكة وإسلامه ثم رجع أبو العاص بن الربيع رضي الله عنه إلى مكة فأدى إلى كل ذي مال من قريش ماله ومن كان أبضى عليه ثم قال يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه قالوا لا فجزاك الله خيرا فقد وجدناك وفي كريما فقال رضي الله عنه فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوفوا أن تظنوا أني إنما أردت أن أكل أموالكم فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت ثم خرج رضي الله عنه حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الإمام الذهبي أسلم قبل الحديبية بخمسة أشهر هل رد النبي صلى الله عليه وسلم زينب لأبي العاصب عقد جديد ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب رضي الله عنها لأبي العاصب بن الربيع رضي الله عنه على النكاح الأول ولم يحدث شهادة ولا صداقا لأن آية تحريم المسلمات على الكفار لم تكن نزلة إذاك روى الإمام الترمذي وأبو داوود وابن ماجة بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رد النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على أبي العاصب بن الربيع رضي الله عنهما بعد ست سنين بالنكاح الأول ولم يحدث نكاحا قال الإمام السندي فإن قيل حديثه أنه صلى الله عليه وسلم ردها عليه بعد ست سنين والعدة لا تبقى إلى هذه المدة غالبا قلنا لم يؤثر إسلامها وبقاؤه على الكفر في قطع النكاح الأول إلا بعد نزول الآية في الممتحنة وذلك بعد صلح الحديبية فتوقف نكاحها على انقضاء العدة من حين النزول وكان إسلام أبي العاص بعد الحديبية بزمان يسير بحيث يمكن أن تكون عدتها لم تنقض في الغالب فيشبه أن يكون الرد بالنكاح الأول لأجل ذلك وقال الإمام بن القيم ولا يعرف اعتبار العدة في شيء من الأحاديث ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل المرأة هل انقضت عدتها أم لا ولا ريب أن الإسلام كان بمجرده فرقة لم تكن فرقة رجعية بل بائنة فلا أثر للعدة في بقاء النكاح وإنما أثرها في منع نكاحها للغير فلو كان الإسلام قد نجز الفرقة بينهما لم يكن أحق بها في العدة ولكن الذي دل عليه حكمه صلى الله عليه وسلم أن النكاح موقوف فإن أسلم قبل انقضاء عدتها فهي زوجته وإن انقضت عدتها فلها أن تنكح من شاءت وإن أحبت انتظرت فإن أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد نكاح ولا نعلم أحدا جدد للإسلام نكاحه البتة بل كان الواقع أحد أمرين إما افتراقهما ونكاحها غيره وإما بقاؤها عليه وإن تأخر إسلامها أو إسلامه تنبيه نهام ذهب موسى بن عقبة إلى أن قصة أبي العاص بن الربيع رضي الله عنه وأسره وقعت بعد هدنة الحديبية وأن الذين تعرضوا لقافلته هم أبو بصير وأبو جندل وأصحابهما زمن هدنة الحديبية ولم يكن ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا منحازين عنه بسيف البحر وكان لا يمر بهم من عير لقريش إلا أخذوها وهذا قول الزهري خلافا لما ذهب إليه الواقدي وبن سعد في طبقاته وغيرهما من أصحاب المغازي من أن سرية زيد بن حارثة رضي الله عنه هي التي اعترضت قافلته وصوب ذلك الإمام بن القيم قال الإمام بن القيم وقول موسى بن عقبة أصوب وأبو العاص إنما أسلم زمن الهدنة وقريش إنما انبسطت عيرها الى الشام في زمن الهدنة وسياق الزهري للقصة بيّن ظاهر أنها كانت في زمن الهدنة الخبط هو ما سقط من ورق الشجر بالخبط والنفض روى الشيخان في صحيحيهما واللفظ لمسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة فقلت كيف كنتم تصنعون بها قال نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر وهي سمكة بحرية كبيرة فقال أبو عبيدة ميته ثم قال لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطرتم فكلوا قال فآقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن ونقطع منه الفدر كالثور أو كقدر الثور فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينه وأخذ ضلعا من أضلاعه فآقامها ثم رحل أعظم بعير منا فمر من تحتها وتزودنا من لحمه وشائق والوشائق جمع وشيقة وهو أن يُأخذ اللحم فيغلى قليلا ولا ينضج ويُحمل في الأسفار فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا قال أرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله وفي لفظ آخر في الصحيحين قال جابر رضي الله عنه وكان فينا رجل فلما اشتد الجوع نحر ثلاث جزائر ثم ثلاث جزائر ثم نهاه أبو عبيدة رضي الله عنه قال الحافظ في الفتح هذا الرجل هو قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه فوائد من سرية الخبط قال الحافظ في الفتح فيستفاد منه إباحة ميتة البحر سواء مات بنفسه أو مات بالاصطياد وهو قول الجمهور وقال الإمام بن القيم وفيها دليل على جواز الاجتهاد في الوقائع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره على ذلك لكن هذا كان في حال الحاجة إلى الاجتهاد وعدم تمكنهم من مراجعة النص وقد اجتهد أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة من الوقائع وأقرهما على ذلك لكن في قضايا جزئية معينة لا في أحكام عامة وشرائع كلية فإن هذا لم يقع من أحد من الصحابة في حضوره صلى الله عليه وسلم البتة وهم أهل المغازي في تاريخ هذه السرية ذهب عامة أهل المغازي إلى أن سرية الخبط وقعت في رجب من السنة الثامنة للهجرة وهذا فيه نظر قال الحافظ بن كثير ومقتضى أكثر هذه السياقات أن هذه السرية كانت قبل صلح الحديبية وقال الإمام بن القيم وهذا السياق يدل على أن هذه الغزوة كانت قبل الهدنة وقبل عمرة الحديبية فإنه من حين صالح أهل مكة بالحديبية لم يكن يرصد لهم عيرا كان زمن أمن وهدنة إلى حين الفتح ويبعد أن تكون سرية الخبط على هذا الوجه مرتين مرة قبل الصلح ومرة بعده والله أعلم وقال أيضا فصل في فقه هذه القصة ففيها جواز القتال في الشهر الحرام إن كان ذكر التاريخ فيها برجب محفوظا والظاهر والله أعلم أنه وهم غير محفوظ إذ لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه غزى في الشهر الحرام ولا أغار فيه ولا بعث فيه سرية وقال الحافظ في الفتح تلقي عير قريش ما يتصور أن يكون في الوقت الذي ذكره ابن سعد في رجب سنة ثمان لأنهم كانوا حينئذ في الهدنة بل مقتضى ما في الصحيح أن تكون هذه السرية في سنة ست أو قبلها قبل هدنة الحديبية تنبيه مهم قلت وقع في صحيح مسلم غزوة للنبي صلى الله عليه وسلم شبيهة أحداثها بأحداث سرية الخبط وهو أيضا عن جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما الذي روا قصة سرية الخبط مع أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما فقال جابر رضي الله عنه سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بطن بواط وهو يطلب المجدي بن عمر الجهني وكان الناضح يعقبه منا الخمسة والستة والسبعة إلى أن قال وكان قوت كل رجل منا في كل يوم تمرة فكان يمصها ثم يصرها في ثوبه وكنا نختبط بقسينا ونأكل حتى قرحت أشداقنا إلى أن قال وشك الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عسى الله أن يطعمكم فأتينا سيف البحر فزخر البحر زخره أي ارتفعت أمواجه فألقى دابه فأورينا على شقها النار فاضطبخنا واشتوينا وآكلنا حتى شبعنا فدخلت أنا وفلان وفلان حتى عد خمسة في حجاج عينها ما يرانا أحد حتى خرجنا فأخذنا ضلعا من أضلاعه فقوسناه ثم دعونا بأعظم رجل في الركب وأعظم جمل في الركب وأعظم كفل في الركب فدخل تحته ما يطاطئ رأسه ذكر الحافظ بن كثير أحداث سرية الخبط مع أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ثم قال وفي بعض روايات مسلم ‑‑- أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حين وجدو هذه السمكة فقال بعضهم هي واقعة أخرى وقال بعضهم بل هي قضية واحدة ولكن كانوا أولا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم بعثهم سرية مع أبي عبيدة رضي الله عنه فوجدوا هذه في سريتهم تلك مع أبي عبيدة رضي الله عنه والله أعلم وقال الحافظ في الفتح وظاهر سياق هذه القصة يقتضي مغايرة القصة المذكورة في الباب وهي من رواية جابر أيضا حتى قال عبد الحق في الجمع بين الصحيحين هذه واقعة أخرى غير تلك فإن هذه كانت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وما ذكره ليس بنص في ذلك لإحتمال أن تكون الفاء في قول جابر رضي الله عنه فأتينا سيف البحر هي الفصيحة وهي معقبة لمحذوف تقديره فأرسلنا النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي عبيده فأتينا سيف البحر فتتحد القصتان وهذا هو الراجح عندي والأصل عدم التعدد ومما ينبه عليه هنا أيضا أن الواقدية زعم أن قصة بعث أبي عبيدة كانت في رجب سنة ثمان وهو عندي خطأ لأن في نفس الخبر الصحيح أنهم خرجوا يترصدون عير قريش وقريش في سنة ثمان كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في هدنة وقد نبهت على ذلك في المغازي وجوزت أن يكون ذلك قبل الهدنة في سنة ست أو قبلها ثم ظهر لي الآن تقوية ذلك بقول جابر رضي الله عنه في رواية مسلم هذه إنهم خرجوا في غزوة بواط وغزوة بواط كانت في السنة الثانية من الهجرة قبل وقعة بدر وكان النبي صلى الله عليه وسلم خرج في مئتين من أصحابه يعترض عيرا لقريش فيها أمية بن خلف فبلغ بواط فلم يلق أحدا فرجع فكأنه أفرد أبا عبيدة فيمن معه يرصدون العير المذكورة ويؤيد تقدم أمرها ما ذكر فيها من القلة والجهد والواقع أنهم في سنة ثمان كان حاله متسع بفتح خيبر وغيرها والجهد المذكور في القصة يناسب ابتداء الأمر فيرجح ما ذكرته والله أعلم وقعت غزوة المريسيع أو بني المصطلق في شعبان ووقع الخلاف في السنة التي وقعت فيها هذه الغزوة على النحو التالي القول الأول وقعت في السنة الخامسة للهجرة القول الثاني وقعت في السنة السادسة للهجرة سبب هذه الغزوة بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحارث ابن أبي ضرار سيد بني المصطلق جمع قومه ومن قدر عليه من العرب لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بريدة ابن الحصيب رضي الله عنه ليعلم علم ذلك فأتىهم ولقي الحارث ابن ضرار وكلمه فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فأسرعوا في الخروج وخرج معه عدد كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزوة قط مثلها واستعمل على المدينة زيد بن حارثة رضي الله عنه وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان فلما بلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم خافوا خوفا شديدا وتفرق عنهم من كان معهم من العرب هل وقع قتال في هذه الغزوة وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع واختلف هل دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام قبل أن يباغتهم أم لا والذي يظهر أنه لم يدعوهم لأن الدعوة قد بلغتهم فقد روى الشيخان في صحيحيهما واللفظ لمسلم عن ابن عون قال كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال قال فكتب إلي إنما كان ذلك أول الإسلام قد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم وأصاب يومئذ جويرية ابن الحارث حدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وكان في ذاك الجيش قال الإمام النووي وفي هذا الحديث جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم الدعوة من غير إنذار وقال الحافظ في الفتح هي مسألة خلافية فذهب طائفة منهم عمر بن عبد العزيز إلى اشتراط الدعاء إلى الإسلام قبل القتال وذهب الأكثر إلى أن ذلك كان في بدء الأمر قبل انتشار دعوة الإسلام فإن وجد من لم تبلغه الدعوة لم يقاتل حتى يدعى نص عليه الشافعي وقال مالك من قرب الدار قوتل بغير دعوة لاشتهار الإسلام ومن بعد الدار فالدعوة أقطع للشك وذهب الواقدي وبن سعد وبن اسحاق إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام ووقع القتال بين الطرفين فقال الواقدي انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع وهو الماء فنزل وضرب صلى الله عليه وسلم قبة له من أدم ومعه من نسائه عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما وقد اجتمعوا على الماء وأعدوا وتهيئوا للقتال وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فنادا في الناس قولوا لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم فأبوا فكان أول من رمى رجل منهم بسهم فرمى المسلمون ساعة بالنبل ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يحملوا فحملوا حملة رجل واحد فما أفلت منهم إنسان وقتل عشرة منهم وأسر سائرهم وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء والذرية والنعم والشاء قال الإمام بن القيم هكذا قال عبد المؤمن بن خلف في سيرته وغيره وهو وهم فإنه لم يكن بينهم قتال وإنما أغار عليهم على الماء فسبى ذراريهم وأموالهم كما في الصحيح وجمع بينهم الحافظ في الفتح فقال يحتمل أن يكون حين الإيقاع بهم ثبتوا قليلا فلما كثر فيهم القتل انهزموا بأن يكون لما دهمهم وهم على الماء ثبتوا وتصافوا ووقع القتال بين الطائفتين ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم قلت والعجب من ابن سعد كيف رجح رواية أهل المغاز المرسلة على رواية البخاري ومسلم فقال بعد أن ذكر رواية أهل المغاز التي ذكرتها قبل قليل وكان ابن عمر رضي الله عنهما يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار عليهم وهم غارون ونعمهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم والأول أثبت وتعقبه الحافظ في الفتح بقوله والحكم بكون الذي في السيار أثبت مما في الصحيح مردود ولا سيما مع إمكان الجمع والله أعلم زواج الرسول صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث رضي الله عنها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث رضي الله عنها وذلك بعد أن أعتقها وقصتها أخرجها الإمام أحمد في مسنده وأبو داوود في سننه بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بن المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه أو لابن عم الله وكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها قالت فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرا منها ما رأيت فدخلت عليه فقالت يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومي وقد أصابني من البلاء ما لم يخفى عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل لك في خير من ذلك قالت وما هو يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقضي كتابتك وأتزوجك قالت نعم يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعلت قالت وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية بنت الحارث فقال الناس أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوهما بأيديهم قالت فلقد اعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بن المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها سعي المنافقين لإثارة الفتنة قدمنا أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة عدد كبير من المنافقين وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ولم يكن خروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة إلا لإثارة الفتن بين المسلمين ووقعت أحداث عظيمة بسببهم منها إثارة نعرات الجاهلية روى الشيخان في صحيحيهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاه كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري يا ل الأنصار وقال المهاجري يا ل المهاجرين فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما بال دعوى الجاهلية قالوا يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوها فإنها منتنى زاد الإمام مسلم في صحيحه في رواية أخرى لينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فلينهى فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصر موقف ابن سلول من ذلك فلما بلغ عبدالله بن أبي بن سلول ذلك غضب وقال قولا منكرا فقد روى ابن اسحاق في السيرة عن شيوخه قالوا فغضب عبد الله بن أبي بن سلول وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم رضي الله عنه غلام حدث فقال أو قد فعلوها قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا والله ما أعدنا وجلا بيب قريش إلا كما قال الأول سمن كلبك يأكلك أما والله لإن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ثم أقبل على من حضره من قومه فقال لهم هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم وروا الإمام البخاري ومسلم والترمذي واللفظ للترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال فسمع ذلك عبد الله بن أبي بن سلول فقال أو قد فعلوها والله لإن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دع لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه زيد بن أرقم رضي الله عنه يخبر بالخبر فلما سمع زيد بن أرقم رضي الله عنه ذلك من هذا المنافق ذهب وأخبر عمه بذلك فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال كنت في غزوة فسمعت عبد الله بن أبي يقول لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ولو رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل فذكرت ذلك لعمي أو لعمر فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فدعاني فحدثته فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي لفظ آخر في الصحيحين قال زيد رضي الله عنه فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل وقال كذب زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية الطحاوي في شرح مشكل الآثار بسند حسن قال زيد رضي الله عنه فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة رضي الله عنه فقال سعد يا رسول الله إنما أخبرنيه الغلام لزيد بن أرقم فجاء سعد فأخذ بيدي فانطلق بي فقال هذا حدثني فانتهرني عبد الله بن أبي فاجهشت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكيت فقلت والذي أنزل عليك النبوة لقد قال قال زيد رضي الله عنه فأصابني هم لم يصبني مثله قط وقال لي عمي ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك تصديق الوحي لزيد بن أرقم رضي الله عنه قال زيد بن أرقم رضي الله عنه فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خفقت برأسي من الهم إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجه فما كان يسرني أن لي بها الخلدة في الدنيا ثم إن أبا بكر لحقني فقال ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت ما قال لي شيئا إلا أنه عرك أذني وضحك في وجه فقال أبشر ثم لحقني عمر رضي الله عنه فقلت له مثل قولي لأبي بكر فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين وروا الإمام البخاري والإمام أحمد واللفظ لأحمد عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال فأرسل إلي نبي الله أو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن الله عز وجل قد أنزل عذرك وصدقك قال فنزلت هذه الآية هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا حتى بلغ لإن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل وروا الإمام البخاري في صحيحه عن أنزل رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الذي أوفى الله له بأذنه قال الحافظ في الفتح أي أظهر صدقه فيما أعلم به والمعنى أوفى صدقه قصة الإفك وفي هذه الغزوة وقعت قصة الإفك الذي افتراه ابن سلول قبحه الله ومن معه من المنافقين في أم المؤمنين الطاهرة عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وأنزل الله عز وجل عشر آيات من سورة النور في ذلك قال تعالى إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شر لكم بل هو خير لكم لكل امرء منهم اكتسب من الإفك والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم إلى آخر الآيات قال الإمام القرطبي وسبب نزول هذه الآيات ما رواه الأئمة من حديث الإفك الطويل في قصة عائشة رضوان الله عليها وهو خبر صحيح مشهور أغنى اشتهاره عن ذكره وقال الحافظ ابن كثير هذه العشر الآيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله تعالى لها ولنبيه صلوات الله وسلامه عليه فأنزل الله عز وجل براءتها صيانة لعرض الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام فقال إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم أي جماعة منكم يعني ما هو واحد ولثنان بل جماعة فكان المقدم في هذه اللعنة عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين فإنه كان يجمعه ويستوشيه حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به وجوزه آخرون منهم وبقي الأمر كذلك قريبا من شهر حتى نزل القرآن وسياق ذلك في الأحاديث الصحيحة قدوم العرنيين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة رهط من عكل وعرينة وذلك في شوال من السنة السادسة للهجرة فأظهروا الإسلام وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتوا المدينة وسقمت أجسامهم فعظمت بطونهم وانتهشت أعضاؤهم قال الحافظ في الفتح والظاهر أنهم قدموا سقاما فلما صحوا من السقم قرهوا الإقامة في المدينة لوخمها فأما السقم الذي كان بهم فهو الهزال الشديد والجهد من الجوع فعند أبي عوانة من رواية غيلان عن أنس رضي الله عنه كان بهم هزال شديد وعنده من رواية ابن سعد عنه مصفرة ألوانهم روى الإمام البخاري في صحيحه رضي الله عنه قال إن ناسا من عُكل وعُرينة قدموا المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام فقالوا يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فبعت الطلب في آثارهم فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم وفي لفظ آخر في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا فقتلوا الراعي وأطردوا الإبل فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعت في آثارهم فأدركوا فجيئ بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا وروا الإمام مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولائك لأنهم سملوا أعين الرعاء قال أبو قلابة فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله وقال الحافظ ابن كثير فكان ما فعل بهم قصاصا والله أعلم وروا أبو داود في سننه والطحاوي في شرح مشكل الآثار بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال فأنزل الله عز وجل في ذلك إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادة قال الإمام القرطبي اختلف الناس في سبب نزول هذه الآية فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين وقال الحافظ ابن كثير والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات من فوائد قصة العرنيين قال الإمام ابن القيم وفيها من الفق جواز شرب أبوال الإبل طهارة بول مأكول اللحم الجمع للمحارب إذا أخذ المال وقتل بين قطع يده ورجله وقتله وأن يفعل بالجاني كما فعل فإنهم لما سملوا عين الراع سمل أعينهم وقد ظهر بهذا أن القصة محكمة ليست منسوخة وإن كانت قبل أن تنزل الحدود فالحدود نزلت بتقريرها لا بإبطالها والله أعلم غزوة الحديبية وقعت غزوة الحديبية في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة بالإجماع روى الإمام البيهقي في دلائل النبوة عن نافع مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال كانت الحديبية سنة ست بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ذي القعدة قال الإمام البيهقي هذا هو الصحيح وإليه ذهب الزهري وقطادة وموسى بن عقبة ومحمد بن اسحاق بن يسار وغيرهم وقال الحافظ بن كثير غزوة الحديبية كانت في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف سبب هذه الغزوة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أري في المنام أنه دخل مكة هو وأصحابه آمين محلقين رؤوسهم ومقصرين فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة ففرح الصحابة بذلك ودعاهم للخروج إلى مكة للعمرة وذكر الله سبحانه هذه الرؤيا في كتابه الكريم فقال تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمين آمين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا قال الحافظ ابن كثير قوله تعالى لا تخافون حال مؤكدة في المعنى فأثبت لهم الأمن حال الدخول ونفا عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد لا يخافون من أحد وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي القعدة رجع إلى المدينة فأقام بهذا الحجة والمحرم فلما كان في ذي القعدة في سنة سبع خرج إلى مكة معتمرا هو وأهل الحديبية فأحرم من ذي الحليفة وساق معه الهدي عدد الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ست للهجرة ومعه زوجته أم سلمة رضي الله عنها وخرج معه من المهاجرين والأنصار ألف وأربعمائة في قول الأكثر فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كنا يوم الحديبية ألف وأربعمائة إحرام النبي صلى الله عليه وسلم من الميقات ولم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معه السلاح إلا سلاح المسافر وهي السيوف في القرب وساق معه الهدي سبعين بدنة فيها جمل لأبي جهل قبحه الله في رأسه أو أنفه برة من فضة ليغيض بذلك المشركين وبعثها مع ناجية بن جند بن الخزاعي الأسلمي رضي الله عنه فلما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ميقات ذي الحليفة قلد هديه ثم أشعره وأحرم بالعمرة روى الإمام البخاري في صحيحه عن المسور بن مخرمة ومروان قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد النبي صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وروى الإمام أحمد في مسنده وأبو داود والحاكم بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان أهدا جمل أبي جهل الذي كان استلب يوم بدر في رأسه برة من فضة عام الحديبية في هديه ليغيض بذلك المشركين وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه بسر بن سفيان الخزاعي عينا له إلى قريش ليأتيه بخبرهم جموع قريش تتصدى للمسلمين سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغ دير الأشطاط أتاه عينه الخزاعي فقال إن قريشا جمعوا لك جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك وفي رواية الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قال حتى إذا كان بعسفان لقيه بسر بن سفيان الكعبي رضي الله عنه فقال يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلودا نمور يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبدا وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس فإن أصابوني كان الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافرون وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فماذا تظن قريش والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله له أو تنفرد هذه السالفة مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أشيروا أيها الناس علي أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عينا من المشركين وإلا تركناهم محروبين وفي رواية أخرى للإمام أحمد في مسنده بسند صحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشيروا علي أترون أن أميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين وإن يجيءون تكون عنقاً قطعها الله أو ترون أن أم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه قال الحافظ في الفتح والمراد أنه صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه هل يخالف الذين نصروا قريشاً إلى مواضعهم فيسبي أهلهم فإن جاءوا إلى نصرهم اشتغلوا بهم وانفرد هو وأصحابه بقريش وذلك المراد بقوله تكن عنقاً قطعها الله فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه وفي رواية الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه يا نبي الله إنما جئنا معتمرين ولم نجئ نقاتل أحدا ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه وقال المقداد بن عمر رضي الله عنه أما والله لا نكون كالملئ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم امضوا على اسم الله نزول الرسول صلى الله عليه وسلم بالحديبية ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق تخرجه على ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة فسلك بالجيش تلك الطريق فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم نكصوا راجعين إلى قريش فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك ثنية المرار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل قال جابر رضي الله عنه فكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج ثم تتام الناس فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثنية ثنية المرار التي يهبط عليهم منها بركت ناقته صلى الله عليه وسلم فقال الناس حل حل فألحت فقالوا خلأت القصوى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خلأت القصوى وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها وفي لفظ آخر في المسند بسند حسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لا تدعوني قريشني اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته فوثبت فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل يتبرضه الناس تبرضا فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه وفي رواية الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالوا قالوا يا رسول الله ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه فيه فجاش الماء بالروا حتى ضرب الناس عنه بعطا وساطة بديل بن ورقاء رضي الله عنه فلم اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزله بالحديبية أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي رضي الله عنه وكان ما زال مشركا في نفر من قومه من خزاعه فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لم نجئ لقتال أحد ولكن ناجئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاءوا ما ددتهم مدة ويخلو بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا وإن هم أبو فوالذي نفسي بيده لو قاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره فقال بديل رضي الله عنه سأبلغهم ما تقول فانطلق بديل بن ورقاء رضي الله عنه ومن معه من خزاعة حتى أتوا قريشا فقال إن ناجئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشي وقال ذو الرأي منهم هات ما سمعته يقول قال سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قال فرجعوا إلى قريش فقالوا يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد وإن محمدا لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحقه فاتهموهم وقالوا وإن كان إنما جاء لذلك فلا والله لا يدخلها أبدا علينا عنوة ولا تتحدث بذلك العرب بعث عثمان بن عفان رضي الله عنه لقريش ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى مكة ليبلغ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى سادة مكة وأنه إنما قدم لآداء العمرى فقد روى الإمام أحمد في مسنده والطحاوي في شرح مشكل الآثار بسند حسن عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه ليبعثه إلى مكة فقال يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بها من بني عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وأنه إنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته فخرج عثمان رضي الله عنه حتى آتى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص فنزل عن دابته وحمله فردفه وأجاره حتى يبلغ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق عثمان رضي الله عنه حتى آتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به فقالوا لعثمان إن شئت أن تطوف بالبيت فطف فقال عثمان رضي الله عنه ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل بيعة الرضوان فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله عنهم للبيعة وعرفت هذه البيعة ببيعة الرضوان لأن الله سبحانه رضي عن أصحابها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس تحت شجرة فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال لقد رأيتنا يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه ونحن أربع عشرة مئة وروى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعنا وعمر رضي الله عنه آخذ بيده تحت الشجرة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه نيابة عن عثمان رضي الله عنه فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنه قال وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى فضرب بها على يده فقال هذه لعثمان وروا الإمام الترمذي في جامعه بسند حسن عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رضي الله عنه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فبايع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم قال الحافظ ابن كثير رضي الله عنه تلك البيعة وأنزل الله سبحانه في ذلك لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فضل أهل بيعة الرضوان أعظم ما ورد في فضل أهل بيعة الرضوان قوله تعالى لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أنتم خير أهل الأرض وكنا ألفا وأربعمائة قال الحافظ في الفتح هذا صريح في فضل أصحاب الشجرة فقد كان من المسلمين إذ ذاك وروا الإمام أحمد في مسنده والترمذي وأبو داوود عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة أسر عدد من المشركين لما علمت قريش بالبيعة بعثت سرية ليلا إلى معسكر المسلمين فوقعوا كلهم في الأسر فقد روى الإمام مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده واللفظ لأحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة من قبل جبل التنعيم فدعا عليهم فأخذوا ونزلت هذه الآية وفي رواية أخرى في المسند والمستدرك بسند صحيح عن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه قال فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاب عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ الله أبصارهم فقمنا إليهم فآخذناهم وأنزل الله عليه وسلم هل جئتم في عهد أحد أو هل جعل لكم أحد أمانا فقالوا اللهم لا فخلى سبيلهم وأنزل الله عز وجل متى وقع أسرهم قلت يظهر أن هذه الحادثة وقعت بعدما تم الصلح أو قبيله بقليل فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال ثم إن المشركين راسلون الصلح حتى مشى بعضنا في بعض واستلحنا وكنت تبيعا لطلحة ابن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه وأخدمه وأكل من طعامه وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلما استلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبغبتهم فتحولت إلى شجرة أخرى وعلقوا سلاحهم والطجعوا فبيناهم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي يالى المهاجرين قتل ابن زنيم ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود فآخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي ثم قلت والذي كرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس مجفف في سبعين من المشركين فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه فعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله قال الحافظ بن كثير في تفسير الآية هذا امتنان من الله على عباده المؤمنين فلم يصل إليهم منهم سوء وكفأيدي المؤمنين من المشركين فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام بل صان كلا من الفريقين وأوجد بينهم صلحا فيه خيرة للمؤمنين وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة فلما أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء السبعين بعثت قريش سهيل بن عمر ومعه حويطب بن عبد العزة ومكرز بن حفص ليصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يرجع عنهم عامهم هذا وأن يعتمر من العام المقبل واتفقوا على أمور أخرى فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قال إن قريشا بعثوا سهيل بن عمر أحد بني عامر بن لؤي فقالوا ائتي محمدا فصالح ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا فبالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم وآطال الكلام وتراجع حتى جرى بينهما الصلح اتفق الطرفان على أمور من أهمها أحمد في مسنده بسند حسن عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قال هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله سهيل بن عمر ترجع عنا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكة وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك معك سلاح راكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب وفي رواية الإمام البخاري في صحيحه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به فقال سهيل والله لا تتحدث العرب أن أخذنا ضغطه ولكن ذلك من العام المقبل روى الإمام أحمد في مسنده وأبو داوود في سننه بسند حسن عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قال إنه مصطلح على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض روى الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن المسور بن مخرمة ومروان وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة فقالوا نحن في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده وتواثبت بنو بكر فقالوا في عقد قريش وعهدهم روى الإمام البخاري في صحيحه عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قال سهيل بن عمر وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته علينا وفي رواية الإمام مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال فاشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن من جاء منكم لم نرده عليكم ومن جاءكم منا رددتموه علينا فقالوا يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله سيجعل الله له ثرجا ومخرجا روى الشيخان في صحيحيهما واللفظ لمسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال لما أحصر النبي صلى الله عليه وسلم عند البيت صالحه أهل مكة على أن يدخلها يعني في العام القادم فيقيم بها ثلاثا بجلبان السلاح السيف وقرابه ولا يخرج بأحد معه من أهلها ولا يمنع أحد يمكث بها ممن كان معه أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتحلن فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلح الحديبية فنحروا ثم احلقوا فما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة رضي الله عنها فذكر لها ما لقي من الناس فقالت رضي الله عنها يا نبي الله أتحب ذلك أخرج ثم لا تكلم أحدا منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكلم أحدا منهم حتى فعلى ذلك نحر بدنه ودعى حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلقوا بعضا قال الحافظ ابن كثير فلم يفعلوا انتظارا للنسخ حتى خرج فحلق رأسه ففعل الناس ودعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة فقد روى الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما حق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم الله المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال يرحم الله المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال يرحم الله المحلقين قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ ثم نحر الصحابة رضي الله عنهم هديهم فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وروى ابن حبان في صحيحه بسند صحيح عن جابر رضي الله عنه قال نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة البدنة عن سبعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترك النثر في الهدي قال الإمام الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم يرون الجزور عن سبعة والبقرة عن سبعة وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد نزول آية الفدية نزلت آية الفدية في كعب ابن عجرة رضي الله عنه وهي قوله تعالى وأتم الحجة والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محل له فمن كان منكم مريضا أو به أذا من رأسه ففدية ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وروا الشيخان في صحيحيهما عن كعب ابن عجرة رضي الله عنه قال وقف علي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ورأسي يتهافة قملا فقال يؤذيك هوامك قلت نعم فقال فحلق رأسك أو قال احلق قال في نزلت هذه الآية فمن كان منكم مريضا أو به أذا من رأسه إلى آخرها فقال النبي صلى الله عليه وسلم صم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق بين ستة أو انسك بما تيسر وفي لفظ آخر في الصحيحين قال كعب ابن عجرة رضي الله عنه حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ بك هذا أما تجد شاه قلت لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صم ثلاثة أيام أو اطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام وحلق رأسك قال الحافظ ابن كثير مذهب الأئمة الأربعة وعامة العلماء أنه مخير في هذا المقام إن شاء صام وإن شاء تصدق بفرق وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع وهو مدان وإن شاء ذب حشاة وتصدق بها على الفقراء أي ذلك فعل أجزأه الإحصار في عمرة الحديبية ولم يتمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام من أداء العمرة بسبب منع قريش لهم وهذا ما يعرف بالإحصار في العمرة فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن البراء ابن عازب رضي الله عنهما قال لما أحصر النبي صلى الله عليه وسلم عند البيت صالحه أهل مكة على أن يدخلها أي في العام القادم فيقيم بها ثلاثة وروا الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قد أحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه وجامع نساءه ونحر هديه حتى اعتمر عاماً قابلا ونزل في ذلك قوله تعالى وأتم الحجة والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محل له فمن كان منكم مريضاً أو به أذاً من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضر المسجد الحرام واتقوا الله وعلموا أن الله شديد العقاب قال الإمام السهيلي وهو يتحدث عن عمرة القضاة التي وقعت بعد عمرة الحديبية بسنة قال وسميت عمرة القضاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى قريشاً عليها لا أنه قضى العمرة التي صد عن البيت فيها فإنها لم تكن فسدت بصدهم عن البيت بل كانت عمرة تامة متقبلة فهي معدودة في عمر النبي صلى الله عليه وسلم وهي أربع عمرة الحديبية وعمرة القضاة وعمرة الجعرانة والعمرة التي قرنها مع حجه في حجة الوداع حزن المسلمين من هذا الصلح قال المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا وروا الشيخان في صحيحيهما عن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل قال بلى قال أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار قال بلى قال ففيما نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يبن الخطاب إني رسول الله ولن يضي عن الله أبدا فانطلق عمر رضي الله عنه فلم يصبر متغيضا فأتى أبا بكر رضي الله عنه فقال يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل قال بلى قال أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار قال بلى قال فعلى ما نعطي الدنية في ديننا نرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم فقال رضي الله عنه يبن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا وفي رواية أخرى في صحيح البخاري قال عمر رضي الله عنه أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بلى فأخبرتك أنا نأتيه العام قال قلت لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنك آتيه ومطوف به قال عمر رضي الله عنه ما زلت أصوم وأتصدق وأوصلي وأعتق من الذي صنعت مخافة كلام الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرا قال الإمام النووي قال العلماء لم يكن سؤال عمر رضي الله عنه وكلامه المذكور شكا بل طلبا لكشف ما خفي عليه وحثا على إذلال الكفار وظهور الإسلام كما عرف من خلوقه رضي الله عنه وقوته في نصرة الدين وإذلال المبطلين عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن أقام بالحديبية 20 يوما وفي طريق عودته نزل عليه الوحي بسورة الفتح كاملة فقد روى الحاكم في مستدركه بسند حسن عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قال أنزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها وروى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال لما نزلت ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأفقر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليماً حكيماً ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة وقد نحر الهدي بالحديبية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا فلما نزلت سورة الفتح بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقرأها عليه فقد روى الشيخان في صحيحيهما واللفظ للبخاري عن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال نزلت سورة الفتح فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر رضي الله عنه إلى آخرها فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله أو فتحنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم زاد مسلم فطابت نفسه ورجع صلح الحديبية أعظم الفتوح قال الحافظ بن كثير فكانت هذه الهدنة من أكبر الفتوحات للمسلمين وروا الإمام البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال في قوله تعالى إنا فتحنا لك فتحا مبينا قال الحديبية وروا الإمام البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال تعدون أنتم الفتحة فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحة ونحن نعد الفتحة بيعة الرضوان يوم الحديبية وقال الإمام النووي قال العلماء والمصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلها ودخول الناس في دين الله أفواجا وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين ولا تتظاهر عندهم أمور النبي صلى الله عليه وسلم كما هي ولا يحلون بمن يعلمهم بها مفصلة فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين وجاءوا إلى المدينة وذهب المسلمون إلى مكة وحلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحون وسمعوا منهم أحوال النبي صلى الله عليه وسلم مفصلة بجزئياتها ومعجزاته الظاهرة وأعلام نبوته المتظاهرة وحسن سيرته وجميل طريقته وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك فمالت نفوسهم إلى الإيمان حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة وازداد الآخرون ميلا إلى الإسلام فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم لما كان قد تمهد لهم من الميل وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش فلما أسلمت قريش أسلمت العرب في البوادي في محرم من السنة السابعة للهجرة أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله إلى ملوك العرب والعجم وكتب إليهم كتبا يدعوهم فيها إلى الإسلام فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن نبي الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم الخاتم لكتبه فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الملوك والأمراء قيل له إنهم لا يقبلون كتابا إلا وعليه خاتم فاتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من فضه فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب إلى رهط أو أناس من الأعاجم فقيل له إنهم لا يقبلون كتابا إلا عليه خاتم فاتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من فضه نقشه محمد رسول الله وفي لفظ آخر في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر محمد سطر ورسول سطر والله سطر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي أصحمة رضي الله عنه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن أمية الضمرية رضي الله عنه إلى النجاشي أصحمة رضي الله عنه ويظهر من خلال الروايات أنه بعثه أكثر من مرة وفي أزمان مختلفة وتضمنت رسائله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي أصحمة رضي الله عنه أمورا منها أولا دعوته إلى الإسلام قال الحافظ بن كثير أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن أمية الضمرية رضي الله عنه إلى النجاشي بكتابه فأسلم رضي الله عنه ثانيا الوصية بمهاجر الحبشة ثالثا تزويجه أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما قال ابن سعد في طبقاته بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن أمية الضمرية إلى النجاشي وكتب إليه كتابين يدعوه في أحدهما إلى الإسلام ويتلو عليه القرآن وفي الكتاب الآخر يأمره أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وكانت قد هاجرت إلى الحبشة وروا الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن حبيب ابن أبي أوس قال حدثني عمر بن العاص من فيه قال لما انصرفنا من الأحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون مكاني ويسمعون مني فقلت لهم تعلمون والله إني لأرى أمر محمد يعلو الأمور علوا كبيرا وإني قد رأيت رأيا فما ترون فيه قالوا وما رأيت قال رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير فقالوا إن هذا الرأي قال فقلت لهم فاجمعوا له ما نهدي له وكان أحب ما يهدا إليه من أرضنا الأدم فجمعنا له أدما كثيرة فخرجنا حتى قدمنا عليه فوالله إنا لعنده إذ جاء عمر بن أمية الضمري وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه وروا البيهقي في دلائل النبوة عن محمد بن إسحاق قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن أمية الضمري رضي الله عنه إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه وكتب معه كتابا بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة سلام عليك فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن وأشهد أن عيس بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسا فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالات على طاعته وأنت اتبعني وتؤمن بي وبالذي جاءني فإني رسول الله وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين فإذا جاؤوك فأقرهم ودعي التجبر فإني أدعوك وجنودك إلى الله وقد بلغت ونصحت فقبلوا نصيحتي والسلام على من اتبع الهدى قلت يظهر من صيغة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم هذه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثها بعد وصول مهاجر الحبشة الهجرة الثانية إلى الحبشة وذلك قبل الهجرة إلى المدينة النبوية وهو ما ذهب إليه البيهقي في دلائل النبوة وأورد ذلك بعد أحداث الهجرة الثانية إلى الحبشة ورجحه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية وروا أبو داوود في سننه والحاكم في مستدركه بسند صحيح عن أم حبيبة رضي الله عنها أنها كانت تحت عبيد الله ابن جحش فمات بأرض الحبشة فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم وأمهرها عنه أربعة آلاف وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معش رحبيل ابن حسنة قال الحافظ في التلخيص الحبير اشتهر في السيار أنه صلى الله عليه وسلم بعث عمر بن أمية الضمري رضي الله عنه إلى النجاشي رضي الله عنه فزوجه أم حبيبة وهو محتمل أن يكون هو الوكيل في القبول أو النجاشي وظاهر ما في أبي داوود والنسائي أن النجاشي عقد عليها عن النبي صلى الله عليه وسلم وولي النكاح خالد بن سعيد بن العاص كما في المغازي وقيل عثمان بن عفان وهو وهم وقال الإمام بن القيم وتزويج أم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب القرشية الأموية وقيل اسمها هند تزوجها وهي ببلاد الحبشة مهاجرة وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار وسيقت إليه من هناك وماتت في أيام أخيها معاوية هذا المعروف المتواتر عند أهل السيار والتواريخ وهو عندهم بمنزلة نكاحه لخديجة بمكة ولحفصة بالمدينة ولصفيتا بعد خيبر وقال في تهذيب سنن أبي داوود وتزويج النجاشي لها حقيقة فإنه كان مسلما وهو أمير البلد وسلطانه وقد تأوله بعض المتكلفين على أنه ساق المهر من عنده فأوضيف التزويج إليه وتأوله بعضهم على أنه كان هو الخاطب والذي ولي العقد عثمال بن عفان وقيل عمر بن أمية الضمري والصحيح أن عمر بن أمية كان وكيل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بعث به إلى النجاشي يزوجه إياها وقيل الذي ولي العقد عليها خالد بن سعيد بن العاص ابن عم أبيها كتاب النجاشي أصحمة رضي الله عنه وهدايا كتب النجاشي أصحمة رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإجابته وتصديقه وإسلامه وأهدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى الإمام الترمذي وأبو داوود بسند حسن عن ابن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه عن أبيه قال إن النجاشي أهدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم خفين أسودين ساذجين فلبسهما ثم توضأ ومسح عليهما وروا الإمام أحمد في مسنده وأبو داوود في سننه بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم حلية من عند النجاشي أهداها له فيها خاتم من ذهب فيه فص حبشي فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم بعود ببعض أصابعه معرضا عنه ثم دعا أمامة بنت أبي العاص ابنة ابنته فقال تحلي بهذا يا بنيه وفات النجاشي أصحمة رضي الله عنه توفي النجاشي أصحمة رضي الله عنه في رجب من السنة التاسعة للهجرة ونعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه يوم وفاته وصلى عليه صلاة الغائب فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال نعى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه فقال استغفروا لآخيكم وروا الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى وكبر أربعة كبيرات وروا الشيخان في صحيحيهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال النبي صلى الله عليه وسلم حين مات النجاشي مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمه قال الإمام الذهبي النجاشي واسمه أصحمه ملك الحبشة معدود في الصحابة رضي الله عنهم وكان ممن حسن إسلامه ولم يهاجر ولا له رؤية فهو تابعي من وجه صاحب من وجه وقد توفي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عليه بالناس صلاة الغائب ولم يثبت أنه صلى صلى الله عليه وسلم على غائب سواه وسبب ذلك أنه مات بين قوم نصارى ولم يكن عنده من يصلي عليه لأن صحابة الذين كانوا مهاجرين عنده خرجوا من عنده مهاجرين إلى المدينة عام خيبر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي الآخر ولما مات النجاشي أصحمة رضي الله عنه خلفه على الحبشة نجاشي آخر فكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال إن نبي الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وروا الحاكم في مستدركه والبيهقي في دلائل النبوة عن ابن إسحاق قال هذا كتاب من النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاية الله فإني رسوله فأسلم تسلم يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأننا مسلمون فإن أبيت فعليك إثم النصارى من قومك قال الحافظ ابن كثير الظاهر أن هذا الكتاب إنما هو إلى النجاشي الذي كان بعد المسلم صاحب جعفر وأصحابه وذلك حين كتب إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الله عز وجل قبيل الفتح كما كتب إله رقل عظيم الروم وقيصر الشام وأي لا كسر ملك الفرص وأي لا صاحب مصر وأي لا النجاشي وكلها فيها هذه الآية وهي من سورة آل عمران وهي مدنية بلا خلاف فهذا الكتاب إلى الثاني لا إلى الأول وقوله فيه إلى النجاشي الأصحم لعل الأصحم مقحم من الراوي بحسب ما فهم والله أعلم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن حذافة السهمية رضي الله عنه بكتابه إلى كسرى ملك الفرص فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه إلى كسرى مع عبدالله بن حذافة السهمي رضي الله عنه فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى فلما قرأه مزقه فحسبت أن ابن المسيب قال فدعى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقه كل ممزق قال الإمام السندي أراد بتمزيقهم تفرقهم وزوال ملكهم وقطع دابرهم وقد وقع ذلك فما بقي فيهم الملك وروا الإمام ابن جرير طبري في تاريخه عن يزيد بن حبيب قال بعث عبدالله بن حذافة السهمي إلى كسرى بن هرمز ملك فارس وكتب معه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاء الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك فلما قرأه مزقه وقال يكتب إلي هذا وهو عبدي وما تكسر هذا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر رسول كسرى بذلك فقد روا ابن أبي شيبة في مصنفه بسند مرسل رجاله ثقات عن عبد الله بن شداد قال كتب كسرى إلى باذان إني نبئت أن رجلا يقول شيئا لا أدري ما هو فأرسل إليه فليقعد في بيته ولا يكن من الناس في شيء وإلا فليواعدني موعدا ألقاه به قال فأرسل باذان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين حالقين لحاهما مرسل شواربهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملكما على هذا فقال يأمرنا به الذين يزعمون أنه ربهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكننا نخالف سنتكم نجز هذا ونرسل هذا أي نجز الشارب ونرسل اللحية قال فتركهما بضعا وعشرين يوما ثم قال اذهب إلى الذي تزعمون أنه ربكما فأخبراه أن ربي قتل الذي يزعم أنه ربه قال متى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم فذهب إلى باذان فأخبراه الخبر قال فكتب إلى كسرا فوجد اليوم هو الذي قتل فيه كسرا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة الكلبية رضي الله عنه بكتابه إلى قيصر ملك الروم فدفعه إلى عظيم بصرا فدفعه إلى هرقل فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبي رضي الله عنه وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفعه إلى عظيم بصرا ليدفعه إلى قيصر وروا الشيخان في صحيحيهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال حدثني أبو سفيان من فيه إلى في قال انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أي مدة صلح الحديبية قال فبينما أنا بالشام إذ جئ بكتاب من النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وكان دحية الكلبي جاء به فدفعه إلى عظيم بصرا فدفعه عظيم بصرا إلى هرقل فقال هرقل هلها هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فقالوا نعم قال فدعيت في نفر من قريش فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه فقال أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فقال أبو سفيان فقلت أنا فأجلسوني بين يديه وأجلسوا أصحابي خلفي ثم دعا بترجمانه فقال قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فإن كذبني فكذبوه قال أبو سفيان وأيم الله لولا أن يؤثروا عليّ الكذب لكذبت ثم قال لترجمانه سله كيف حسبه فيكم قال قلت هو فينا ذو حسب قال فهل كان من آبائه ملك قال قلت لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال قلت لا قال أيتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم قلت بل ضعفاؤهم قال يزيدون أو ينقصون قلت لا بل يزيدون قال قال هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له قلت لا قال فهل قاتلتموه قلت نعم قال كيف كان قتالكم إياه قلت تكون الحرب بيننا وبينه سجالا يصيب منا ونصيب منه قال فهل يغدر قلت لا ونحن منه في هذه المدة لا ندري ما هو صانع فيها قال والله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه قال فهل قال هذا القول أحد قبله قلت لا ثم قال لترجمانه قل له إني سألتك عن حسبه فيكم فزعمت أنه فيكم ذو حسب وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها وسألتك هل كان في آبائه ملك فزعمت أن لا فقلت لو كان من آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك آبائه وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم فقلت بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله وسألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له فزعمت أن لا وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب وسألتك هل يزيدون أم ينقصون فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم وسألتك هل قاتلتموه فزعمت أنكم قاتلتموه فتكون الحرب بينكم وبينه سجالا ينال منكم وتنالون منه وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة وسألتك هل يغدر فزعمت أنه لا يغدر وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك هل قال أحد هذا القول قبله فزعمت أن لا فقلت لو كان قال هذا القول أحد قبله قلت رجل ائتم بقول قيل قبله ثم قال بما يأمركم قلت يأمرنا بالصلاة والزكاه والصلة والعفاف قال إن يكوا ما تقول فيه حقا فإنه نبي وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكوا أظنه منكم ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه وليبلغن ملكه ما تحت قدميه قال ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إله رقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثما الأريسيين يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأننا مسلمون فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثرة لغط وأمر بنا فأخرجنا قال فقلت لأصحابي حين خرجنا لقد أمير أمر ابن أبي كبشة إنه لا يخافه ملك ابن الأصفر فما زلت موقنا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام قلت فآثر هرقل الملك على الإسلام والدنيا على الآخرة فقد روى ابن حبان في صحيحه بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال فقال لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترى أني خائف على مملكتي وكتب قيصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إني مسلم وبعث إليه بدنانير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قرأ الكتاب كذب عدو الله ليس بمسلم وهو على النصرانية وقسم الدنانير وقال الحافظ في الفتح ومما يقوي أنه رقل آثر ملكه على الإيمان واستمر على الضلال أنه حارب المسلمين في غزوة مؤته سنة ثمان بعد هذه القصة بدون السنتين كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس قال الحافظ بن كثير بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبيب التعت رضي الله عنه إلى المقوقس ملك الإسكندرية ومصر فقارب ولم يذكر له إسلام وبعث الهدايا إليه صلى الله عليه وسلم والتحف وروى الطحاوي في شرح مشكل الآثار بسند حسن عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث حاطب بن أبيب التعت رضي الله عنه إلى المقوقس صاحب الإسكندرية يعني بكتابه معه إليه فقبل كتابه وأكرم حاطبا وأحسن نزله ثم سرحه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهدا له مع حاطب كسوة وبغلة شهباء بسرجها وجاريتين إحداهما أم إبراهيم وأما الأخرى فوهبها لجهم بن قيس العبدري وهي أم زكري بن جهم الذي كان خليفة عمر بن العاص رضي الله عنه على مصر وروا الطحاوي في شرح مشكل الآثار بسند حسن عن بريدة قال أهدا أمير القبط لرسول الله صلى الله عليه وسلم جاريتين أختين قبطيتين وبغلة فأما البغلة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركبها وأما إحدى الجاريتين فتسراها فولدت له إبراهيم وأما الأخرى فأعطاها حسان بن ثابت الأنصارية رضي الله عنه وروا الإمام الطحاوي في شرح مشكل الآثار بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أهدا المقوقس صاحب مصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدحا من زجاج وكان يشرب فيه تبشير النبي صلى الله عليه وسلم بفتح فارس والروم ومصر روى الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هلك كسرا فلا كسرا بعده وأذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله قال الحافظ ابن كثير وفي هذا بشارة عظيمة بأن ملك الروم لا يعود أبدا إلى أرض الشام وقال الإمام النووي قال الشافعي وسائر العلماء معناه لا يكون كسرا بالعراق ولا قيصر بالشام كما كان في زمنه صلى الله عليه وسلم فأعلمنا بانقطاع ملكهما في هذين الإقليمين فكان كما قال صلى الله عليه وسلم فأما كسرا فالقطع ملكهو وزال بالكلية من جميع الأرض وتمزق ملكه كل ممزق واضمحل بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما قيصر فانهزم من الشام ودخل أقاص بلاده فافتتح المسلمون بلادهما واستقرت للمسلمين ولله الحمد وأنفق المسلمون كنوزهما في سبيل الله كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه معجزات ظاهرة وروا الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لتفتحن عصابة من المسلمين أو من المؤمنين كنز آل كسرا الذي في الأبيض وفي لفظ آخر في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عصيبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض بيت كسرا أو آل كسرا وروا الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحمة أو قال ذمة وصهرا قال الإمام النووي أما الذمة فهي الحرمة والحق وهي هنا بمعنى الذمام وأما الرحم فلكون هاجر أم إسماعيل منهم وأما الصهر فلكون مارية أم إبراهيم منهم وروا الحاكم في المستدرك والطحاوي في شرح مشكل الآثار بسند صحيح عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحمة وروا الطبراني في المعجم الكبير بسند صحيح عن أم سلمة رضي الله عنها قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى عند وفاته فقال الله الله في قبط مصر فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعوانا في سبيل الله غزوة ذي قرد أو الغابة وقعت غزوة ذي قرد بعد الحديبية وقبل غزوة خيبر بثلاثة أيام على الصحيح لما ثبت في صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه وهو بطل هذه الغزوة قال قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربعة عشرة مئة ثم ساق خبر غزوة ذي قرد ورجوعهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم قال فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الإمام البيهقي والذي لا شك فيه أنها كانت بعد الحديبية وحديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ينطق بذلك وقال الإمام بن القيم وقد وهم فيها جماعة من أهل المغازي والسير فذكروا أنها قبل الحديبية سبب هذه الغزوة روى الشيخان في صحيحيهما واللفظ لمسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال خرجت قبل أن يؤذن بالأولى أي قبل أن يؤذن لصلاة الصبح وكانت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعى بذي قرد قال فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فقال أخذت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت من أخذها قال غطفان قال فصرخت ثلاث صرخات يا صباحة فأسمعت ما بين لابتي المدينة ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم بذي قرد وفي لفظ آخر في صحيح مسلم قال سلمة رضي الله عنه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره مع رباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معاه وخرجت معه بثرس طلحة أناديه مع الظهر فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستاقه أجمع وقتل راعيه فقلت يا رباح خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة ابن عبيد الله وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشركين قد أغاروا على سرحه مطاردة سلمة رضي الله عنه غطفان قال سلمة رضي الله عنه ثم اتبعت القوما معي سيفي ونبلي فجعلت أرميهم وأعقر بهم ذلك حين يكثر الشجر فإذا رجع إلي فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت فلا يقبل علي فارس إلا عقرت به فجعلت أرميهم وأنا أقول أنا ابن الأكوعي واليوم يوم الربعي فألحق برجل منهم فأرميه وهو على راحلته فيقع سهمي في الرجل حتى انتظمت كتفة فقلت خذها أنا ابن الأكوعي واليوم يوم الربعي فإذا كنت في الشجر أحرقتهم بالنبل فإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرديتهم بالحجارة فما زال ذاك شأني وشأنهم أتبعهم فأرتجز حتى ما خلق الله شيئا من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري فاستنقذته من أيديهم ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحة وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه حجارة وجمعت على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا امتدى الضحى فزاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم وهم في ثنية ضيقة ثم علوت الجبل فأنا فوقهم فقال عيينة ما هذا الذي أرى قالوا لقينا من هذا البرح أي الشدة ما فارقنا بسحر حتى الآن وأخذ كل شيء في أيدينا وجعله وراء ظهره فقال عيينة لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم ليقم إليه نفر منكم فقام إليه نفر منهم أربعة فصعدوا في الجبل فلما أسمعتهم الصوت قلت أتعرفوني قالوا من أنت قلت أنا ابن الأكوع والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لا يطلبني منكم رجل فيدركني ولا أطلبه فيفوتني خروج الرسول صلى الله عليه وسلم في طلب القوم لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح سلمة ابن الأكوع رضي الله عنه صرخ بالمدينة الفزع الفزع فترامت الخيول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أول من انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الفرسان المقداد بن عمر رضي الله عنه ثم كان أول فارس وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد المقداد من الأنصار عباد بن بشر رضي الله عنه وسعد بن زيد وأسيد بن ظهير وعكاشة بن محصن ومحرز بن نضلة وأبو قتادة الحارث بن ربعي وأبو عياش عبيد بن زيد بن الصامث رضي الله عنهم أجمعين فلما اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليهم سعد بن زيد رضي الله عنه ثم قال أخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس قال سلمة رضي الله عنه فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر وأذا أولهم الأخرم الأسدي وهو محرز بن نضلة رضي الله عنه وعلى أثره أبو قتادة فارس النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أثر أبي قتادة المقداد بن عمر رضي الله عنه قال فول المشركون مدبرين فنزلت من الجبل فآخذت بعنان فرس الأخرم وقلت له يا أخرم إئذن القوم يعني إحذرهم فإني لا آمن أن يقطعوك فاتأد حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة قال فخليت عنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن بن عيينه ويعطف عليه عبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر الأخرم بعبد الرحمن وطعنه عبد الرحمن فقتله فتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم فلحق أبو قتادة رضي الله عنه بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم ثم إني خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار صحابة النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ويعرضون قبل غيبوبة الشمس إلى شعب فيهما يقال له ذو قرد فأرادوا أن يشربوا منه فأبصروني أعدو وراءهم فعطفوا عنه واشتدوا في الثنية ثنية ذي نثر وغربت الشمس فألحق رجلا فأرميه فقلت خذها أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فقال يا ثقل أمي أكوع بكرة أي أنت الأكوع الذي كان قد تبعنا بكرة هذا النهار قلت نعم أي عدو ونفسه وكان الذي رميته بكرة فأتبعته سهما آخر فعلق به سهما ويخلفون فرسين فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي حليتهم عنه ذو قرد فأذا نبي الله صلى الله عليه وسلم في خمسمائة وأذا بلال قد نحر جزورا مما خلفت فهو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله خلني فأنتخب من أصحابك مئة فآخذ على الكفار بالعشوة فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكنت فاعلا ذلك يا سلمة قلت نعم والذي أكرمك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت نواجده في ضوء النار ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم يقرون الآن بأرض غطفان فجاء رجل من غطفان فقال مروا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورا قال فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبره فتركوها وخرجوه الربا فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم الراجل والفارس جميعا ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة فلما كان بيننا وبينها قريبا من ضحوة وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق جعل ينادي هل من مسابق ألا رجل يسابق إلى المدينة فأعاد ذلك مرارا وأنا وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم مردفي فقلت له أما تكرم كريما ولا تهاب شريفا قال لا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي خلني فلأسابق الرجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت قلت اذهب إليك فطفر عن راحلته أي وثب وقفز وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة ثم إني ربطت عليها شرفا أو شرفين يعني استبقيت نفسي ثم إني عدوت حتى ألحقه فأصك بين كتفيه بيدي قلت سبقتك والله أو كلمة نحوها قال فضحك وقال إن أظن حتى قدمنا المدينة غزوة خيبر وقعت غزوة خيبر بعد غزوة ذي قرد بثلاث ليال وذلك في محرم من السنة السابعة للهجرة فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحافظ في التلخيص الحبير وأما غزوة خيبر في السابعة فهو المشهور الذي عليه الجمهور من أهل المغازي سبب هذه الغزوة كانت خيبر مركزا للدسائس والتآمر ضد المسلمين ولا يسكنها إلا يهود فهم الذين جمعوا الأحزاب للقضاء على المسلمين في غزوة الخندق وحرّضوا يهود بني قريضة على نقض العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق وحاولوا اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم وقاموا بدعم قريش بالمال والسلاح في معاركهم ضد المسلمين فكان من المهم القضاء على هذه الشوكة الخبيثة التي هي أحد أسباب فقد الأمن والأمان والهدو حول المدينة النبوية والمنطقة بأسرها الوعد الرباني بفتح خيبر وعد الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين بفتح خيبر في كتابه الكريم وأعطى غنامها لأهل الحديبية خاصة فقال سبحانه وتعالى وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه قال مجاهد قوله تعالى فعجل لكم هذه عجل لكم خيبر وقال الإمام بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية بعد أن ساق الأقوال فيها وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ما قاله مجاهد وهو أن الذي أثابهم الله من مسيرهم ذلك مع الفتح القريب المغانم الكثيرة من مغانم خيبر وذلك أن المسلمين لم يغنموا بعد الحديبية غنيمة ولم يفتحوا فتحا أقرب من بيعتهم النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية إليها من فتح خيبر وغنامها وقال سبحانه وتعالى سيقول المخلفون إذا طلقتم إلى مغانم لتأخذوا آذرون يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا قال الحافظ ابن كثير يقول تعالى مخبرا عن الأعراب الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية إذ ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى خيبر يفتتحونها إنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم ومصابرتهم فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ألا يأذن لهم في ذلك معاقبة لهم من جنس ذنبهم فإن الله تعالى وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا يشركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين فلا يقع غير ذلك شرعا وقدرا ولهذا قال يريدون أن يبدلوا كلام الله قال مجاهد وقتادة وجويبر هو الوعد الذي وعد به أهل الحديبية واختاره ابن جرير خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة كل من شهد معه غزوة الحديبية إلا من مات منهم رضي الله عنهم أجمعين واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفارية رضي الله عنه وقدم أبو هريرة رضي الله عنه المدينة مهاجرا وذلك بعدما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فوافى سباع بن عرفطة رضي الله عنه في صلاة الصبح فقد روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر استخلف سباع بن عرفطة الغفارية رضي الله عنه فقدمنا فشهدنا معه صلاة الصبح فقرأ في أول ركعة كافها يا عين صاد وفي الثانية ويل للمطففين فقلت في نفسي ويل لأبي فلان له مكيالان يستوفي بواحد ويبخس بآخر فأتينا سباع بن عرفطة رضي الله عنه فجهزنا فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الفتح بيوم أو بعده بيوم مسير النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه إلى خيبر وحدثت أحداث وهم في طريقهم إلى خيبر فمن ذلك صلاته صلى الله عليه وسلم على دابته روى الإمام مسلم والإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر قال الإمام القرطبي وأجمعوا على أنه لا يجوز لأحد صحيح أن يصلي فريضة إلا بالأرض إلا في الخوف الشديد خاصة ثانيا حداء عامر بن الأكوع رضي الله عنه روى الشيخان في صحيحيهما عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلة فقال رجل من القوم لعامر يا عامر ألا تسمعنا من هنيهاتك أي أراجيزك وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول اللهم لولا أنت مهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداءا لك ما أبقينا وثبت الأقدام إلا قينا وألقيا سكينة علينا إنا إذا صيح بنا أبينا وبالصياح عولوا علينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا السائق قالوا عامر بن الأكوع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحمه الله فقال رجل من القوم وجبت يا نبي الله لولا أمتعتنا به زاد الإمام مسلم في صحيحه قال سلمة رضي الله عنه وما استغفر صلى الله عليه وسلم الإنسان يخصه إلا استشهد وصول المسلمين إلى خيبر وإغارتهم وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه المبارك إلى خيبر ليل وكان إذا أتى قوما بليل لم يغر عليهم حتى يصبح فلما أصبح صل الفجر بغلس ثم ركب هو وأصحابه فآتى خيبر فلما أشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر دعا فقد روى ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك بسند حسن عن صهيب رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يرى قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها اللهم رب السماوات السبع وما أظلل ورب الأرضين السبع وما أقلل ورب الرياح وما ذريم ورب الشياطين وما أظلل نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها وروا الشيخان في صحيحيهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى خيبر فجاءها ليلا وكان إذا جاء قوما ليلا لا يغير عليهم حتى يصبح فلما أصبح خرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوه قالوا محمد والخميس أي محمد والجيش فقال النبي صلى الله عليه وسلم الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين وفي لفظ آخر في الصحيحين قال أنس رضي الله عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم غزى خيبر فصلّينا عندها صلاة الغدات بغلس فركب نبي الله صلى الله عليه وسلم وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة فلما دخل القرية قال الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين قال الإمام السهيلي قوله صلى الله عليه وسلم حين رآهم الله أكبر خربت خيبر فيه التفاؤل وذلك أنه رأى المساح والمكاتل وهي من آلات الهدم والحفر مع أن لفظ المسحة من سحوت الأرض إذا قشرتها فدلّ ذلك على خراب البلدة التي أشرف عليها حصون خيبر خيبر عبارة عن حصون منيعة وتنقسم حصونها إلى قسمين أولا أولا بدء القتال وفتح حصن ناعم فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر حاصرها حصنا حصنا وأول حصن فتحه المسلمون هو حصن ناعم فإنه لما تصاف القوم خرج مرحب يطلب المبارزة فبرز له عامر بن الأكوع رضي الله عنه فقد روى الشيخان في صحيح يهما واللفظ لمسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال لما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول قد علمت خيبر أني مرحب شاك السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب قال وبرز له عمي عامر فقال قد علمت خيبر أني عامر شاك السلاح بطل مغامر فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر يسفل له أن يضربه من أسفل فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحلة فكانت فيها نفسه قال سلمة فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي يقولون بطل عمل عامر قتل نفسه فأتيت النبي وأنا أبكي فقلت يا رسول الله بطل عمل عامر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال ذلك قال ناس من أصحابك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذب من قال ذلك بل له أجره مرتين وفي لفظ آخر في الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذب من قال إن له لأجرين وجمع بين إصبعيه إنه لجاهد مجاهد قل عربي مشابه مثله قتال أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء لأبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم أعطاه لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم يفتح لهما فقد روى الإمام أحمد في مسنده والبيهقي في دلائل النبوة واللفظ لأحمد بسند قوي عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال حاصرنا خيبر فأخذ اللواء أبو بكر رضي الله عنه فانصرف ولم يفتح له ثم أخذه من الغد عمر رضي الله عنه فخرج فرجع ولم يفتح له وأصاب الناس يومئذ شدة وجهد زاد البيهقي في دلائل النبوة وقتل محمود بن مسلمة رضي الله عنه وقال ابن اسحاق كان أول حصونه مفتتح حصن ناعم وعنده قتل محمود بن مسلمة رضي الله عنه ألقيت عليه منه رحا فقتلت تم الفتح على يد أبي الحسن رضي الله عنه بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بفتح حصن ناعم على يد أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر لأعطينا هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجوا أن يعطاها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين علي بن أبي طالب فقيل هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال فأرسلوا إليه فأتي به فبسق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال علي رضي الله عنه يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر نعم وفي رواية أخرى في صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال فأتيت علي رضي الله عنه فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبسق في عينيه فبرئ وأعطاه الراية وخرج مرحب فقال قد علمت خيبر أني مرحب شاك السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهبوا فقال علي رضي الله عنه أنا الذي سمتني أمي حيدرة كليث غابات كريه المنظرة أوفيهم بالصاع كيل السندرة قال فضرب رأس مرحب فقتله ثم كان الفتح على يديه قال ابن الأثير الصحيح الذي عليه أكثر أهل السيار والحديث أن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قتل مرحبا فتح حصن الصعب بن معاذ فر اليهود الذين كانوا في حصن ناعم بعد فتحه إلى حصن الصعب بن معاذ فحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم حصن الصعب بن معاذ وقد أصاب المسلمين مجاعة شديدة حتى ذبحوا حمر أهلية وأوقدوا تحتها النيران فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وروى الشيخان في صحيحيهما واللفظ لمسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال لما كان يوم خيبر جاء جاء فقال يا رسول الله أكلت الحمر ثم جاء آخر فقال يا رسول الله أفنية الحمر فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى طلحة فنادا إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس أو نجس زاد البخاري ومسلم في رواية أخرى عن أنس رضي الله عنه فأكفئات القدور وإنها لتفور باللحم قال الإمام النووي وأما الحمر الإنسية فقد وقع في أكثر الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحومها وفي رواية حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية واختلف العلماء في المسألة فقال الجماهير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم بتحريم لحومها لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة وقال ابن عباس ليست بحرام وعن مالك ثلاث روايات أشهرها أنها مكروهة كراهة تنزيه شديدة والثانية حرام والثالثة مباحة والصواب التحريم كما قاله الجماهير للأحاديث الصريحة ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعى ربه عز وجل في فتح حصن الصعب بن معاذ فقال ابن إسحاق إن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا والله يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا من شي فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يعطيهم إياه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إنك قد عرفت حالهم وأل ليست بهم قوة وأل ليس بيدي شيء أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونهم عنهم غناء وأكثرها طعاما وودكا فغد الناس ففتح الله عز وجل حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه فتح حصن قلعة الزبير تحول اليهود الذين هربوا من حصن الصعب بن معاذ إلى حصن قلعة الزبير فحاصره رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام فجاء رجل من اليهود يقال له غزال فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبى القاسم تؤمنني على أن أدلك على ما تستريح من أهل النطاه وتخرج إلى أهل الشق فإن أهل الشق قد هلكوا رعبا منك فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهله وماله فقال اليهودي إنك لو أقمت شهرا ما بالوا لهم دبول تحت الأرض يخرجون بالليل فيشربون منها ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دبولهم فقطعها فلما قطع عليهم مشاربهم خرجوا فقاتلوا أشد القتال وقتل من المسلمين يومئذ نفر وأوصيب من يهودي ذلك اليوم عشره وافتتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان هذا آخر حصون النطاه هل يقال فلان شهيد روى الإمام مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا فلان شهيد فلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يبنى الخطاب اذهب فنادف الناس إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون قال فخرجت فناديت ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون وروا الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما قال كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركره فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو في النار فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها فوائد الحديث قال الإمام النووي وفي الحديث غلظ تحريم الغلول ومنها أنه لا فرق بين قليله وكثيره حتى الشراك ومنها أن الغلول يمنع من إطلاق اسم الشهادة على من غل إذا قتل ومنها أنه لا يدخل الجنة أحد ممن مات على الكفر وهذا بإجماع المسلمين فتح حصن أبي أحد حصني الشق فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصون النطاه وتحول اليهود إلى حصون الشق وفيها حصنان هما حصن أبي وحصن النزار فتوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حصن أبي وحاصره فقاتل أهله قتالاً شديدا حتى هزمهم المسلمون وفتحوا حصن أبي فوجدوا فيه أثاثاً وطعاما وفر اليهود الذين كانوا فيه إلى حصن النزار وهو آخر حصون النطات والشق فتح حصن النزار هذا الحصن أمنع حصون النطات والشق وتمنع اليهود فيه أشد الامتناع فزحف إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فتراموا حتى وصلت نبالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد الحصار على اليهود في حصن النزار ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصب المنجنيق ويبدو أنهم عثروا عليها في بعض الحصون التي فتحوها فأوقعوا الخلل في جدران حصن النزار ثم اقتحم الصحابة رضي الله عنهم منه ودار بينهم وبين اليهود داخل الحصن قتال مرير حتى انهزم اليهود هزيمة منكره وفر من فر منهم وتركوا نساءهم وذراريهم وبعد فتح حصن النزار وهو آخر حصن في الشطر الأول من خيبر وهي ناحية النطاة والشق تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشطر الثاني من حصون خيبر وهي حصون الكتيبة وفيها ثلاثة حصون وهي القموص والوطيح والسلالم هل فتحت حصون الكتيبة صلحة اختلف أهل السير والمغازي في أمر حصون الكتيبة هل فتحت صلحة أم جرى فيها قتال روا أبو داود في سننه بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزى خيبر فآصبناها عنوة فجمع السبي وروا أبو داود في سننه بسند صحيح إلى الزهري قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد قتال ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال وروا أبو داود في سننه بسند صحيح مرسل عن بشير بن يسار قال لما أفاء الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما جمع كل سهم مائة سهم فعزل نصفها لنوائبه وما ينزل به الوطيحة والكتيبة وما أحيز معهما وعزل النصف الآخر فقسمه بين المسلمين الشق والنطاه وما أحيز معهما وكان سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أحيز معهما قال الإمام البيهقي وهذا لأن بعض خيبر فتح عنوة وبعضها صلحة فقسم ما فتح عنوة بين أهل الخمس والغانمين وعزل ما فتح صلحا لنوائبه وما يحتاج إليه في مصالح المسلمين والله أعلم وروا الإمام مسلم في صحيحه وأبو داوود في سننه واللفظ لأبي داوود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال لما فتحت خيبر سألت يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم على أن يعملوا على النصف مما يخرج منها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقركم فيها على ذلك ما شئنا فكانوا على ذلك وكان التمر يقسم على السهمان من نصف خيبر ويأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس قال الإمام النووي هذا يدل على أن خيبر فتحت عنوة لأن السهمان كانت للغانمين وقوله يأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس أي يدفعه إلى مستحقه وهم خمسة الأصناف المذكورة في قوله تعالى وعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القرب واليتام والمساكين وبن السبيل فيأخذ لنفسه خمسا واحدا من الخمس ويصرف الأخماس الباقية من الخمس إلى الأصناف الأربعة الباقين وقال الإمام بن القيم الصواب الذي لا شك فيه أنها فتحت عنوة والإمام مخير في أرض العنوة بين قسمها ووقفها وقسم بعضها ووقف البعض وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنواع الثلاثة فقسم قريضة والنظير ولم يقسم مكة وقسم شطر خيبر وترك شطرها وروى أبو داوود وبن حبان بسند صحيح واللفظ لابن حبان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر حتى ألجاهم إلى قصرهم فغلب على الأرض والزرع والنخل فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء ويخرجوا منها فاشترط عليهم ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئا فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عصمة فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجلية النظير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعم حيي ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النظير فقال أذهبته النفقات والحروب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم العهد قريب والمال أكثر من ذلك فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الزبير بن العوام رضي الله عنه فمسه بعذاب وقد كان حيي قبل ذلك قد دخل خربه فقال قد رأيت حيي يطوف في خربة هاهنا فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في خربه فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابني أبي الحقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم للنكث الذين كثوا وأراد أن يجليهم منها فقالوا يا محمد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها فكانوا لا يتفرغون أن يقوموا فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ونخل وشيء ما بدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن سيد الناس ففي هذا أنها فتحت صلحة وأن صلحة انتقض فصارت عنوة ثم خمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسمها غنام غنائم خيبر غنم المسلمون غنائم عظيمة من خيبر فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ما شبعنا حتى فتحنا خيبر وروى الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت لما فتحت خيبر قلنا الآن نشبع من التمر قال الحافظ في الفتح أي لكثرة ما فيها من النخيل وفيه إشارة إلى أنهم كانوا قبل فتحها في قلة من العيش وروى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهما فسره نافع فقال إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم فإن لم يكن له فرس فله سهم قال الإمام الترمذي والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي ومالك بن أنس وبن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه وللراجل سهم رد المهاجرين منائح الأنصار لما أغنى الله جل جلاله المسلمين بفتح خيبر رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي منحوها لهم لما قدموا عليهم المدينة فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال لما قدم المهاجرون المدينة من مكة وليس بأيديهم يعني شيئا وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار فقاسمهم الأنصار على أن يعطوهم ثمار أموالهم كل عام ويكفوهم العمل والمأونة قال أنس رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من قتال أهل خيبر فانصرف إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم من ثمارها قال الإمام النووي هذا دليل على أنه كانت منائح ثمار أي إباحة للثمار لا تمليك لرقاب النخل فإنها لو كانت هبة لرقبة النخل لم يرجع فيها فإن الرجوع في الهبة بعد القبض لا يجوز وإنما كانت إباحة كما ذكرنا والإباحة يجوز الرجوع فيها متاشا ومع هذا لم يرجع فيها حتى اتسعت الحال على المهاجرين بفتح خيبر واستغنوا عنها فردوها على الأنصار فقبلوها قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد فتحها ابن عمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم من الحبشة ففرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحا عظيما فقد روى الحاكم في المستدرك بسند ضعيف وله شواهد يتقوى بها عن جابر رضي الله عنه قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر قدم جعفر من الحبشة تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل جبهته ثم قال والله ما أدري بأيهما أنا أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر وقدم مع مهاجر الحبشة الأشعريون وفيهم أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فقد روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من قومي بعدما فتح خيبر بثلاث فأسهم لنا ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا وروى الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم أحدهما أبو بردة والآخر أبورهم إما قال في بضع وإما قال في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي فركبنا سفينة فالقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة ووافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده فقال جعفر رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثناها هنا وأمرنا بالإقامة فآقيموا معنا فآقمنا معه حتى قدمنا جميعا فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر فأسهم لنا أو قال فأعطانا منها وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا إلا لمن شهد معه إلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم قدوم الدوسيين وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بعد فتحها الدوسيون فيهم الطفيل بن عمر الدوسي وراوية الإسلام أبو هريرة رضي الله عنه وغيرهما وروا الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك بسند صحيح عن خثيم بن عراق بن مالك عن أبيه قال إن أبا هريرة رضي الله عنه قدم المدينة في رهط من قومه والنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر وقد استخلف سباع بن عرفطة رضي الله عنه على المدينة قال فانتهيت إليه وهو يقرأ في صلاة الصبح في الركعة الأولى بكافها يا عين صاد وفي الثانية ويل للمطففين قال فقلت لنفسي ويل لفلان إذا اكتال اكتال بالوافي وإذا كال كال بالناقص قال فلما صلى زودنا شيئا حتى أتينا خيبر وقد افتتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر قال فكلم المسلمين فأشركونا في سهامهم وروا الإمام البخاري في صحيحه والإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال لما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم قلت في الطريق يا ليلة من طولها وعنائها على أنها من دارة الكفر نجتي وأبقى غلام لي في الطريق فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة هذا غلامك فقلت هو لوجه الله فأعتقته اعتاق النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي رضي الله عنها اصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من غنائم خيبر صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها لنفسه فأسلمت فأعتقها وتزوجها وبنى بها في طريق المدينة بعدما حلت فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن أنسر رضي الله عنه قال جاء دحية رضي الله عنه فقال يا نبي الله أعطني جارية من السبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب فخذ جارية فأخذ صفية بنت حيي فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريضة والنظير لا تصلح إلا لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعوه بها فجاء بها فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال خذ جارية من السبي غيرها قال فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها وروى الشيخان في صحيحيهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتق صفية وجعل اعتقها صداقها وفي لفظ آخر قال ثابت البناني يا أبا حمزة وهي كنية أنس بن مالك رضي الله عنه يا أبا حمزة ما أصدقها قال نفسها اعتقها وتزوجها هل حكم صداقها اعتقها خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم اختلف في هذه المسألة قال الإمام النووي وقول أصدقها نفسها اختلف في معناه فالصحيح الذي اختاره المحققون أنه اعتقها تبرعا بلا عوض ولا شرط ثم تزوجها برضاها بلا صداق وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه يجوز نكاحه بلا مهر لا في الحال ولا فيما بعد بخلاف غيره وذهب الإمام بن القيم إلى أن هذا الحكم ليس من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم فقال فصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة أن يعتق الرجل أمتى ويجعل عتقها صداقها فتصير زوجته بذلك فإذا قال أعتقت أمتي وجعلت عتقها صداقها أو قال جعلت عتق أمتي صداقها صح العتق بالنكاح وصارت زوجته من غير احتياج إلى تجديد عقد ولا ولي وهذا ظاهر مذهب أحمد وكثير من أهل الحديث وقال الطائفة هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو مما خصه الله به في النكاح دون الأمة وهذا قول الأمة الثلاثة ومن وافقهم والصحيح القول الأول لأن الأصل عدم الاختصاص حتى يقوم عليه دليل والله سبحانه لما خصه بنكاح الموهوبة قال فيها خالصة لك من دون المؤمنين ولم يقل هذا في المعتقة ولا قاله صلى الله عليه وسلم ليقطع تأسي الأمة به في ذلك والله سبحانه أباح له نكاح مرأة من تبناه لألا يكون على الأمة حرج في نكاح أزواج من تبنوه فدل على أنه إذا نكح نكاحا فلأمته التأسي به فيه ما لم يأتي عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم نص بلاختصاص وقطع التأسي وهذا ظاهر ولتقرير هذه المسألة وبسط الاحتجاج فيها وتقرير أن جواز مثل هذا هو مقتض الأصول والقياس موضع آخر وإنما نبهنا عليها تنبيها دخول النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها وقد قتل زوجها وكانت عروسا فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه فخرج بها حتى بلغنا سد الروحى حلت فبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي لفظ آخر في صحيح مسلم قال أنس رضي الله عنه ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها له وتهيئها قال وأحسبه قال وتعتد في بيتها قال الإمام النووي قوله تعتد فمعناه تستبرئ فإنها كانت مسبية يجب استبراؤها وجعلها في مدة الاستبراء في بيت أم سليم فلما انقض الاستبراء جهزتها أم سليم وهيئتها أي زينتها وجملتها على عادة العروس بما ليس بمنهي عنه من وشم ووصل وغير ذلك من المنهي عنه وأطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس حيسا في وليمة صفية رضي الله عنها فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال حتى بلغنا سد الصهباء حلت فبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صنع حيسا في نطع صغير ثم قال لي آذن من حولك فكانت تلك وليمته صلى الله عليه وسلم على صفية وفي رواية الإمام مسلم قال أنس رضي الله عنه وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وليمتها التمر والأقط والسمن قال الحافظ في الفتح ولا مخالفة بينهما لأن هذه من أجزاء الحيس وروى ابن حبان في صحيحه بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيني صفية رضي الله عنها خضرة فقال يا صفية ما هذه الخضرة فقالت رضي الله عنها كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيقي وأنا نائمة فرأيت كأن قمر وقع في حجري فأخبرته بذلك فلطمني وقال تمنينا ملك يثرب قالت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبغض الناس إلي قتل زوجي وأبي وأخي فما زال يعتذر إلي ويقول إن أباك ألب علي العرب وفعل وفعل حتى ذهب ذلك من نفسي قصة الشاة المسمومة وفي هذه الغزوة سمّ اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إجمعوا لي من كانها هنا من اليهود فجمعوا له فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقيّ عنه فقالوا نعم يا أبا القاسم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هل جعلتم في هذه الشاة سما فقالوا نعم فقال ما حملكم على ذلك قالوا أردنا إن كنت كاذبا نستريح منك وإن كنت نبيا لم يضرك وروا الشيخان في صحيحيهما عن أنس بن مالكر رضي الله عنه قال إن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها فجيئ بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت أردت لأقتلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان الله ليسلطك على ذاك أو قال علي قالوا ألا نقتلها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا قال فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم وروا الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة فأرسل إليها فقال ما حملك على ما صنعت قالت أحببت أو أردت إن كنت نبي فإن الله سيطلعك عليه وإن لم تكن نبي أريح الناس منك قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد من ذلك شيئا احتجم قال فسافر مرة فلما أحرم وجد من ذلك شيئا فاحتجم انقطاع أبهر النبي صلى الله عليه وسلم وكان من أثر هذا السم انقطاع أبهر النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم وروى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح عن أم مبشر رضي الله عنها قالت دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي قبض فيه فقلت بأبي أنت يا رسول الله ما تتهم بنفسك فإني لا أتهم بابني إلا الطعام الذي أكله معك بخيبر وكان ابنها بشر ابن البراء ابن معرور رضي الله عنهما مات قبل النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا لا أتهم غيرها هذا أوان انقطاع أبهري وروى الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال لأن أحلف تسعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل قتلا أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل وذلك أن الله عز وجل اتخذه نبي واتخذه شهيدا وقال الإمام ابن القيم ولم احتجم النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في الكاهل وهو أقرب المواضع التي يمكن فيها الحجامة إلى القلب فخرجت المادة السمية مع الدم لا خروج كليا بل بقي أثرها مع ضعفه لما يريد الله سبحانه من تكميل مراتب الفضل كلها له فلما أراد الله اكرامه بالشهادة ظهر تأثير ذلك الأثر الكامن من السم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وظهر سر قوله تعالى لأعدائه من اليهود أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون فجاء بلفظ كذبتم بالماضي الذي قد وقع منهم وتحقق وجاء بلفظ تقتلون بالمستقبل الذي يتوقعونه وينتظرونه والله أعلم هل قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت الحارث قال الإمام النووي قال القاضي عياض اختلفت الآثار والعلماء هل قتلها النبي صلى الله عليه وسلم أم لا فوقع في صحيح مسلم أنهم قالوا ألا نقتلها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ومثله عن أبي هريرة وجابر وعن جابر من رواية أبي سلم أنه صلى الله عليه وسلم قتلها وفي رواية بن عباس أنه صلى الله عليه وسلم دفعها إلى أولياء بشر بن البراء بن معرور رضي الله عنهما وكان أكل منها فمات بها فقتلوها وقال ابن سحنون أجمع أهل الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلها قال القاضي وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنه لم يقتلها أولا حين الطلع على سمها وقيل له قتلها فقال لا فلما مات بشر بن البراء رضي الله عنهما من ذلك سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصا فيصح قولهم لم يقتلها أي في الحال ويصح قولهم قتلها أي بعد ذلك والله أعلم قال الإمام السهيلي ووجه الجمع أنه عليه الصلاة والسلام صفح عنها لأنه كان صلى الله عليه وسلم لا ينتقم لنفسه فلما مات بشر بن البراء رضي الله عنهما من تلك الأكل قتلها وذلك أن بشر لم يزل معتلا من تلك الأكل حتى مات منها بعد حول وقال الحافظ في الفتح ويحتمل أن يكون تركها لكونها أسلمت وإنما أخر قتلها حتى مات بشر رضي الله عنه لأن بموته تحقق وجوب القصاص بشرطه فوائد حادثة الشاة المسموة قال الحافظ في الفتح وفي الحديث إخباره صلى الله عليه وسلم عن الغيب والتكليم الجمادلا وفيه معاندة اليهود لاعترافهم بصدقه صلى الله عليه وسلم فيما وقع منهم من دسيسة السم ومع ذلك فعاندوا واستمروا على تكذيبه وفيه قتل من قتل بالسم قصاصا وفيه أن الأشياء كالسموم وغيرها لا تؤثر بذواتها بل بإذن الله تعالى قال ابن إسحاق فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك حين بلغهم ما أوقع الله تعالى بأهل خيبر فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصالحونه على النصف من فدك فقدمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطائف أو بعدما قدم المدينة فقبل ذلك منهم فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب وروا أبو داوود في سننه بسند حسن عن مالك بن أوس بن الحدثان قال كان فيما احتج به عمر رضي الله عنه أنه قال كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث صفايا بن النظير وخيبر وفدك فأما بن النظير فكانت حبسا لنوائبه وأما فدك فكانت حبسا لأبناء السبيل وأما خيبر فجزأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء جزئين بين المسلمين وجزء نفقة لأهله فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين وروا أبو داوود في سننه بسند حسن عن المغيرة قال جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان حين استخلف فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له فدك فكان ينفق منها ويعود منها على صغير بني هاشم ويزوج منها أيمهم حصار واد القرى وقصة مدعم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى واد القرى وكان بها جماعة من اليهود فلما نزلوا استقبلهم يهود بالرمي وهم على غير تعبئة حتى فتحها المسلمون عنوة وكان مع رسول الله غلام يقال له مدعم غل شملة من المغانم وقتل فقد روى الشيخان في صحيحيهما والحاكم في المستدرك واللفظ للحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إن صرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خيبر إلى واد القرى ومعه غلام له أهداه له رفاعة بن زيد الجذامي فبينما هو يضع رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مغير بالشمس أتاه سهم غرب فقتله وهو السهم الذي لا يدرى من رمى به فقلنا له هنيئا له الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا والذي نفس محمد بيده إن شملته الآن لتحترق عليه في النار غلها من فيئ المسلمين يوم خيبر فجاء رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا حين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك فقال يا رسول الله أصبت شراكين لنعلين لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقد لك مثلهما في النار عودة النبي صلى الله عليه وسلم منصورا إلى المدينة ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية منصورا على يهود خيبر وقد مكنه الله جل جلاله منها وفي طريق عودتهم حدثت عدة أحداث منها فضل لا حول ولا قوة إلا بالله روى الشيخان في صحيحيهما واللفظ للبخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال لما غزى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أو قال لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائب إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم وأنا خلف دابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعني وأنا أقول لا حول ولا قوة إلا بالله فقال لي يا عبد الله بن قيس قلت لبيك رسول الله قال ألا أدلك على كلمة من كنز من كنوز الجنة قلت بلى يا رسول الله فداك أبي وأمي قال لا حول ولا قوة إلا بالله قال الحافظ في الفتح هذا السياق يوهم أن ذلك وقع وهم ذاهبون إلى خيبر وليس كذلك بل إنما وقع ذلك حال رجوعهم لأن أبا موسى إنما قدم بعد فتح خيبر مع جعفر رضي الله عنه وعلى هذا ففي السياق حذف تقديره لما توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فحاصرها ففتحها فثرغ فرجع أشرف الناس إلى آخره فضل جبل أحد والمدينة النبوية روى الشيخان في صحيحيهما واللفظ للبخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر أخدمه فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم راجعا وبدا له أحد قال هذا جبل يحبنا ونحبه ثم أشار بيده إلى المدينة وقال اللهم إني أحرم ما بين لابتيها كتحريم إبراهيم مكة اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا قال الإمام النووي قوله صلى الله عليه وسلم هذا جبل يحبنا ونحبه الصحيح المختار أن معناه أن أحدا يحبنا حقيقة جعل الله تعالى فيه تمييزا يحب به كما قال سبحانه وتعالى وإن منها لما يهبط من خشية الله وكما حن الجذع اليابس وكما سبح الحصى وكما فر الحجر بثوب موسى عليه السلام وكما قال نبينا صلى الله عليه وسلم إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي وكما دع الشجرتين المفترقتين فاجتماعتا وكما رجف حرا فقال أسكن حرا فليس عليك إلا نبي أو صديق وكما كلمه ذراع الشاه وكما قال سبحانه وتعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم والصحيح في معنا هذه الآية أن كل شيء يسبح حقيقة بحسب حاله ولكن لا نفقه وهذا وما أشبهه شواهد لما اخترناه واختاره المحققون في معنى الحديث وأن أحدا يحبنا حقيقة غزوة ذات الرقاع أو غزوة نجد اختلف في تاريخ هذه الغزوة على النحو التالي ذهب عامة أهل المغازي إلى أنها وقعت قبل غزوة الخندق في السنة الرابعة للهجرة وتلقاها الناس عنهم قال الحافظ بن كثير ذات الرقاع كانت قبل الخندق في قول جمهور علماء السيار والمغازي ومن من نص على ذلك محمد بن اسحاق وموسى بن عقبة والواقدي ومحمد بن سعد كاتبه وخليفة بن خياط وغيرهم وذهب الإمام البخاري في صحيح والحافظ بن كثير والإمام بن القيم والحافظ بن حجر إلى أنها وقعت بعد غزوة خيبر وهو الصحيح سبب هذه الغزوة بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني محارب وبني ثعلبة من غطفان جمعوا له جموعا عظيمة لقتاله خروج النبي صلى الله عليه وسلم لهم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم في أربعمائة رجل وقيل سبعمائة واستخلف على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه وقيل استخلف أبا ذرن الغفاري رضي الله عنه حتى أتى محال لهم فلقي جمعا عظيما من غطفان ولم يكن بينهم قتال وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الخوف وفي رواية بن سعد في طبقاته فلم يجد في محالهم أحدا إلا نسوة فأخذهن وفيهن جارية وضيأة وهربت الأعراب إلى رؤوس الجبال رجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأحداث جرت في الطريق ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه إلى المدينة النبوية ولم يلقى كيدا وفي طريق عودتهم إلى المدينة جرت أحداث منها قصة غورث بن الحارث وصلاة الخوف روى الشيخان في صحيحيهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال إنه غزى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة وعلق بها سيفة ونمنا نومة فأذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا وأذا عنده أعرابي فقال إن هذا اخترت علي سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلت فقال من يمنعك مني فقلت الله ثلاثا ولم يعاقبه زاد الشيخان في صحيحيهما في رواية أخرى عن جابر رضي الله عنه وأو قيمة الصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين وكان للنبي صلى الله عليه وسلم أربع وللقوم ركعتين وروا الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه بسند صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب خصفة بنخل فرأوا من المسلمين غرة فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف فقال من يمنعك مني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله قال فسقط السيف من يده فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فقال من يمنعك قال كن خير آخذ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال الأعرابي أعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك قال فخلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيله فجاء إلى قومه فقال جئتكم من عند خير الناس فلما حضرت الصلاة صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف وكان الناس طائفتين طائفة بإزاء العدو وطائفة تصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلّى بالطائفة الذين معه ركعتين فانصرفوا فكانوا مع أولائك الذين بإزاء عدوهم وجاء أولائك فصلّى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين فكانت للناس ركعتين ركعتين وللنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات قال الحافظ في الفتح وفي الحديث فرط شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم وقوة يقينه وصبره على الأذى وحلمه عن الجهّال عباد بن بشر رضي الله عنه وسورة الكهف روى الإمام أحمد في مسنده وأبو داوود في سننه بسند ضعيف وله شواهد يتقوى بها ويرتقي إلى الحسن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع فأوصيبت امرأة من المشركين فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا وجاء زوجها وكان غائبا فحلف ألا ينتهي حتى يهري قدما في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فخرج يتبع أثر النبي صلى الله عليه وسلم فنزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلا فقال من رجل يكلأنا ليلتنا هذه فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فقال نحن يا رسول الله قال فكونوا بفم الشعب قال وكانوا نزلوا إلى شعب من الوادي فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجري أي الليل أحب إليك أن أكفيك أوله أو آخره قال إكفني أوله فاتجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلي وأتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيأة القوم فرماه بسهم فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما ثم عاد له بثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد ثم آهب صاحبه فقال إجلس فقد أتيت فوثب فلما رأاهما الرجل عرف أن قد نذروا به فهرب فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال سبحان الله ألا أهببتني قال كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها فلما تابع الرمي ركعت فأريتك وأيم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرني النبي صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها قصة بيع جمل جابر رضي الله عنه تظهر في هذه القصة رحمة وتواضع ولطف النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه الكرام رضي الله عنهم وقد روا هذه القصة الشيخان في صحيحيهما والإمام أحمد في مسنده وغيرهم وساقها الإمام أحمد في مسنده مساقاً مطولاً ومفصلاً فقد روا الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع مرتحلاً على جمل لي ضعيف فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت الرفاق تمضي وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما لك يا جابر قال قلت يا رسول الله أبطأبي جملي هذا قال فأنخ وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أعطني هذه العصى من يديك أو قال اقطع لي عصاً من شجرة قال ففعلت فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات ثم قال اركب فركبت فخرج والذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة أي باريها في السير ويماشيها قال وتحدث معي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتبيعني جملك هذا يا جابر قلت يا رسول الله بل أهبه لك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ولكن بعنيه قال قلت فسمني به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذته بدرهم قلت لا إذاً يغبنني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدرهمين قلت لا قال فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الأوقية قلت قد رضيت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رضيت قلت نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم قلتُ هو لك قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قد أخذته قال جابرٌ رضي الله عنه ثم قال لي يا جابر هل تزوجت بعد؟ قال قلتُ نعم يا رسول الله قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أثيبًا أم بكرا؟ قلت بل ثيبًا قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أفلا جاريةً تلاعبها وتلاعبك؟ قلت يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعة فنكحت مرأةً جامعةً تجمع رؤوسه وتقوم عليهم قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصبت إن شاء الله قال أما إنا لو قد جئنا صرارا أمرنا بجزور فنحرت وأقمنا عليها يومنا ذلك وسمعت بنا فنفضت نمارقها قلت والله يا رسول الله ما لنا من نمارق قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إنها ستكون فإذا أنت قدمت فعمل عملا كيسا قال جابر رضي الله عنه فلما جئنا صرارا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور فنحرت فأقمنا عليها ذلك اليوم فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا قال فأخبرت المرأة الحديث وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت يدونك فسمعا وطاعة قال فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى آنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلست في المسجد قريبا منه وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الجمل فقال ما هذا قالوا يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين جابر فدعيت له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعال أي ابن أخي خذ برأس جملك فهو لك فدعى بلالا رضي الله عنه فقال اذهب بجابر فأعطيه أوقية فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئا يسيرا قال فوالله ما زال ينمي عندنا ونرى مكانه من بيتنا حتى أصيب أمس فيما أصيب الناس يعني يوم الحرة وفي لفظ آخر في المسند بسند صحيح قال جابر رضي الله عنه فلما قدمت المدينة جئت به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بلال زن له وقية وزده قيراطا قال قلت هذا قيراط زادنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفارقني أبدا حتى أموت فجعلته في كيس فلم يزل عندي حتى جاء أهل الشام يوم الحرة فأخذوه فيما أخذو ورى ابن ماجة في سننه بسند صحيح عن جابر رضي الله عنه قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة فقال لي أتبيعنا ضحك هذا بدينار والله يغفر لك فما زال يزيدني دينارا دينارا ويقول مكان كل دينار والله يغفر لك حتى بلغ عشرين دينارا وروا الإمام الترمذي وبن حبان والحاكم عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما قال استغفر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة البعير خمسا وعشرين مرة عمرة القضاء أو القضية هذه العمرة هي تأويل قوله تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً وقعت عمرة القضاء أو القضية في ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة فقد روى الإمام البيهقي في دلائر النبوة بسند حسن عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كانت عمرة القضية في ذي القعدة سنة سبع وروى الشيخان في صحيحيهما عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته عمرة من الحديبية في ذي القعدة وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة وعمرة مع حجته وقال الإمام ابن القيم والمقصود أن عمره صلى الله عليه وسلم كلها كانت في أشهر الحج مخالفة لهدي المشركين فإنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج ويقولون هي من أفجر الفجور وهذا دليل على أن الاعتمار في أشهر الحج أفضل منه في رجب بلا شك سبب هذه العمرة سبب هذه العمرة المباركة الاتفاق الذي وقع بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسهيل ابن عمر رسول قريش في صلح الحديبية بأن يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا العام ويعتمر العام القادم فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن المسور ابن مخرمة ومروان ابن الحكم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تخلو بيننا وبين البيت فنطوف به فقال سهيل ابن عمر والله لا تتحدث العرب أن أخذنا ضعطة ولكن ذلك من العام المقبل وروا الإمام البخاري في صحيحه عن البراء ابن عازب رضي الله عنهما قال صالح النبي صلى الله عليه وسلم المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء الأول على أن من أتاه من المشركين رده إليهم الثاني ومن أتاه من المسلمين لم يردوه وعلى أن يدخلها من قابل أن يدخل مكة لأداء العمر ويقيم بها ثلاثة أيام قال الإمام النووي وأما عمرة النبي صلى الله عليه وسلم المسمى عمرة القضاء وعمرة القضية فكانت في ذي القعدة سنة سبع من الهجرة وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بالعمرة في فيذي القعدة سنة ست فصده المشركون ثم صالحوه وقاضى سهيل ابن عمر على الهدنة ثم اعتمر في السنة السابعة خروج النبي صلى الله عليه وسلم لأداء العمر خرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه المسلمون من المدينة النبوية متوجهين لمكة شرفها الله لأداء العمر واستعمل على المدينة عويفة بن الأضبط الديلي رضي الله عنه وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم السلاح والدروع والرماح خوفا من غدر قريش فلما انتهى إلى ميقات ذي الحليفة قدم الخيل أمامه عليها محمد بن مسلمة رضي الله عنه وأحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب المسجد ولبا والمسلمون معه يلبون إشاعة أطلقتها قريش فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مر الظهران بلغته إشاعة قريش وهي إصابة المسلمين بالحمة فقد روى الإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مر الظهران في عمرته بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشا تقول ما يتباعثون من العجف أي ما يقومون إلا من الضعف الحاصل بالجوع والمرض فقال أصحابه لو انتحرنا من ظهرنا فآكلنا من لحمه وحسونا من مرقه أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامه أي راحة وشبع وري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم فجمعوا له وبسط الأنطاع زاد ابن حبان في صحيحه فدعا لهم فيها بالبركة فأكلوا حتى تولوا أي انصرفوا عن الأكل بشبع وحثى كل واحد منهم في جرابه وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقد خرج عامة أهل مكة إلى قعيقعان وبعضهم قريبا من الحجر وبعضهم مكث في بيته خوفا من العدوى بزعمهم وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إشاعة قريش التي أطلقتها فأمر أصحابه رضي الله عنهم بالرمل وأصحابه محدقون به يلبون معه ويحفظونه من أذى قريش فقد روى الشيخان في صحيحيهما واللفظ للبخاري وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال المشركون إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حما يثرب فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرمل الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرمل الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم والمشركون من قبل قعيقعان زاد الإمام مسلم في صحيحه فقال المشركون هؤلاء الذين زعمتم أن الحما قد وهنتهم هؤلاء أجلدوا من كذا وكذا وفي رواية الإمام أحمد وبن حبان بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل المسجد وقعدت قريش نحو الحجر فطبع بريدائه ثم قال لأصحابه لا يرى القوم فيكم غميزة أي ضعف فاستلم الركن ثم دخل حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود فقالت قريش إنهم لينقزون نقز الضباء وروا الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتمرنا معه فلما دخل مكة طاف وطفنا معه وأتى الصفى والمروة وأتيناها معه وكنا نستره من أهل مكة أن يرميه أحد إنشاد عبد الله بن رواحة رضي الله عنه الشعر روى الإمام الترمذي في جامعه وابن حبان في صحيحه واللفظ للترمذي بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة رضي الله عنه بين يديه يمشي وهو يقول خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله فقال له عمر رضي الله عنه يبن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله تقول الشعر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلي عنه يا عمر فلهي أسرع فيهم من نضح النبل نحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه وتحلله فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من طوافه وسعيه نحر هديه وحلق رأسه الشريف ولم يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة فقد روى الشيخان في صحيحهما عن اسماعيل ابن أبي خالد قال قلت لعبد الله ابن أبي أوفى رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت في عمرته قال لا قال الإمام النووي هذا مما اتفقوا عليه قال العلماء والمراد به عمرة القضاء قال الحافظ في الفتح ويحتمل أمام النبي صلى الله عليه وسلم وكان في البيت من الأصنام والصور ولم يكن المشركون يتركونه لتغييرها فلما فتح الله تعالى عليه مكة دخل البيت وصلى فيه وأزال الصور قبل دخوله والله أعلم وقال الحافظ في الفتح ويحتمل أن يكون دخول البيت لم يقع في الشرط فلو أراد دخوله لمنعوه كما منعوه من الإقامة بمكة زيادة على الثلاث فلم يقصد دخوله لألا يمنعوه خروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فلما انقضت الأيام الثلاثة المقررة لدخول المسلمين مكة وتأديتهم العمرة حسب شروط صلح الحديبية بعثت قريش حويطب بن عبد العزة في نفر من قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه بانتهاء الأيام الثلاثة لمكثه في مكة فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال فلما دخلها ومضى الأجل أتوا علي رضي الله عنه فقالوا قل لصاحبك خرج عنا فقد مضى الأجل فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية الإمام مسلم قالوا لعلي رضي الله عنه هذا آخر يوم من شرط صاحبك فأمره فليخرج فأخبره بذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج وروا الحاكم في المستدرك بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال فأتاه حويطب بن عبد العزة في نفر من قريش في اليوم الثالث فقالوا له إنه قد انقضى أجلك فخرج عنا فخرج قال الإمام النووي فإن قيل كيف أحوجوهم إلى أن يطلبوا منهم الخروج ويقوموا بالشرط فالجواب أن هذا الطلب كان قبل انقضاء الأيام الثلاثة بيسير وكان عزم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الارتحال عند انقضاء الثلاثة فحتاط الكفار لأنفسهم وطلب الارتحال قبل انقضاء الثلاثة بيسير فخرجوا عند انقضائها وفاءً بالشرط لأنهم كانوا مقيمين لو لم يطلب ارتحالهم قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في ابنة حمزة رضي الله عنه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وتبعتهم ابنة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنها فأخذها علي رضي الله عنه فقد روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه بسند حسن عن علي رضي الله عنه قال لما خرجنا من مكة اتبعتنا ابنة حمزة فنادت أي نادت النبي صلى الله عليه وسلم يا عم يا عم فأخذت بيدها فناولتها فاطمة قلت دونك ابنة عمك فلما قدمنا المدينة اختصمنا فيها أنا وزيد وجعفر فقلت أنا أخذتها وهي ابنة عمي وقال زيد ابنة أخي وقال جعفر ابنة عمي وخالتها عندي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجعفر أشبهت خلقي وخلقي وقال لزيد أنت أخونا ومولانا وقال لي أنت مني وأنا منك ادفعوها إلى خالتها فإن الخالة أم فقلت ألا تزوجها يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها ابنة أخي من الرضاعة فوائد الحديث قال الحافظ في الفتح وفي الحديث من الفوائد أولاً تعظيم صلة الرحم بحيث تقع المخاصمة بين الكبار في التوصل إليها ثانياً وأن الحاكم يبين دليل الحكم للخصم ثالثاً وأن الخصم يدلي بحجته رابعاً ويؤخذ منه أن الخالة في الحضانة مقدمة على العمة لأن صفية بنت عبد المطلب كانت موجودة حينئذ وإذا قدمت على العمة مع كونها أقرب العصبات من النساء فهي مقدمة على غيرها زواج النبي صلى الله عليه وسلم بميمونة رضي الله عنها ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة تزوج أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها وهي آخر زوجة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة في عمرة القضا وروى الإمام مسلم وبن حبان في صحيحيهما واللفظ لابن حبان عن ميمونة رضي الله عنها قالت تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف وهما حلالان أي غير محرمين بعدما رجعنا من مكة وروا الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت أنا الرسول فيما بينهما قال الإمام الترمذي اختلفوا في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة لأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها في طريق مكة فقال بعضهم تزوجها حلالا وظهر أمر تزويجها وهو محرم ثم بنا بها وهو حلال بسرف في طريق مكة وماتت ميمونة بسرف حيث بنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنت بسرف وقال الإمام النووي تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم حلالا هكذا رواه أكثر الصحابة وقال الإمام ابن القيم اختلف عنه صلى الله عليه وسلم هل تزوج ميمونة حلالا أم حراما وقال ابن عباس رضي الله عنهما تزوجها محرما وقال ابو رافع رضي الله عنه تزوجها حلالا وكنت الرسول بينهما وقول ابي رافع رضي الله عنه أرجح لعدة أوجه ثم ذكر ابن القيم سبعة أوجه Palm etc. في ترجيح قول أبي رافع على قول ابن عباس رضي الله عنهما وقال الحافظ ابن كثير قدم جمهور العلماء هذا الحديث على قول ابن عباس رضي الله عنهما لأنها صاحبة القصة فهي أعلم وقعت هذه الغزوة في جماد الأولى سنة ثمان من الهجرة قال الحافظ ابن كثير هذه الغزوة كانت إرهاصا لما بعدها من غزو الروم وإرهابا لأعداء الله ورسوله ويسمى جيشها بجيش الأمراء فقد روى الإمام أحمد في مسنده بسند جيد عن أبي قتادة رضي الله عنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الأمراء وقال عليكم زيد بن حارثة فإن أصيب زيد فجعفر فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري سبب هذه الغزوة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدية رضي الله عنه بكتابه إلى ملك بصرا فلما نزل مؤته عرض له شرحبيل بن عمر الغساني فقتله ولم يقتل رسول لرسول الله صلى الله عليه وسلم غيره وكان قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم لأنه جرت العادة والعرف بعدم قتلهم أو التعرض لهم فقد روى الإمام أحمد في مسنده وأبو داوود في سننه والحاكم في مستدركه بسند حسن عن نعيم بن مسعود رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لرسولي مسيلمة حين قرأ كتاب مسيلمة ما تقولان أنتما قال نقول كما قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما تجهز جيش الأمراء فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر قتل رسوله الحارث بن عميرين الأزدي رضي الله عنه ندب الناس للخروج لقتال الروم والغساسنة فتهيئ الناس للخروج فكان قوام جيش الأمراء ثلاثة آلاف مقاتل وهو أكبر جيش يتجمع للمسلمين إلى ذلك الوقت وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الجيش مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤته زيد بن حارثة رضي الله عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قُتل زيدٌ فجعفر وإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة وفي رواية الإمام أحمد في مسنده بسندٍ جيد عن أبي قتادة رضي الله عنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الأمراء وقال عليكم زيد بن حارثة فإن أصيب زيدٌ فجعفر فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري توجه جيش الأمراء إلى مؤته وعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم لواءً أبيض ودفعه إلى زيد بن حارثة رضي الله عنه وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير رضي الله عنه وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم بالله وقاتلوهم وخرج معهم في هذه الغزوة العظيمة خالد بن الوليد رضي الله عنه وهي أول مشاهده في الإسلام مضى جيش الأمراء إلى عدوهم في الشام حتى إذا كانوا بمعان بلغهم أنه رقل ملك الروم قد نزل مآب من أرض البلقاء في مئة ألف من الروم وانضم إليهم من نصار العرب من لخم وجذام وقبائل قضاعة من بهراء وبلي وبلقين فكان قوام جيش الروم والغساسنة مئتي ألف مقاتل تشاور المسلمين في أمر الروم والغساسنة ولم يكن المسلمون أدخلوا في حسابهم لقاء مثل هذا الجيش العرمر من الذي فوجئوا به فأقاموا في معان ليلتين يفكرون في أمرهم وقالوا نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له فقال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه يا قوم والله إن التي تكرهون لليتي خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة فوافقه الناس فنهضوا تحرك جيش الأمراء إلى عدوهم وحينئذ تحرك جيش الأمراء إلى أرض العدو وذلك بعد أن قضى المسلمون ليلتين في معان حتى إذا بلغوا تخوم البلقاء لقيتهم جموع الروم والغساسنة من نصار العرب وغيرهم بقرية يقال لها مشارف ثم دن العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤته فالتق الناس عندها فتعبأ المسلمون فجعلوا على ميمنتهم قطبة ابن قتادة وعلى ميسرتهم عباية ابن مالك الأنصاري والتق الجيشان في مؤته وبدأ القتال المرير ثلاثة آلاف مقاتل يواجهون مئتي ألف مقاتل معركة تشاهدها الدنيا بالدهشة والحيرة ولكن إذا هبت ريح الإيمان جاءت بالعجائب الراية بيد زيد بن حارثة رضي الله عنه أخذ الراية زيد بن حارثة رضي الله عنه حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يقاتل بضراوة بالغة وبسالة نادرة والمسلمون معه يقاتلون حتى قتل طعنا بالرماح وخر شهيدا رضي الله عنه روى الحاكم في المستدرك بسند مرسل لا بأس به عن عروة ابن الزبير رضي الله عنهما قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى مؤته فقاتل زيد بن حارثة رضي الله عنه براية رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماد الأولى سنة ثمان حتى شاط في رماح القوم الراية بيد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فلما سقط زيد رضي الله عنه حمل الراية جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وطفق يقاتل قتالا منقطع النظير حتى إذا ألحمه القتال نزل عن فرسه فعقرها فكان أول فرس يعقر في الإسلام وهو يقول يا حبذ الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قدنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها علي إذ لاقيتها ضرابها فقطعت يمينه رضي الله عنه فأخذ الراية بشماله فقطعت شماله فاحتضن الراية بعضدين حتى استشهد رضي الله عنه فأثابه الله سبحانه بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء رضي الله عنه ولذلك سمي بجعفر الطيار قال الحافظ بن كثير قتل رضي الله عنه عن ثلاث وثلاثين سنة على الصحيح وروا أبو داوود في سننه والحاكم في مستدركه واللفظ للحاكم بسند حسن عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده قال أخبرني أبي الذي كان أرضعني من بني مرة قال كأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يوم مؤته نزل عن فرس له فعرقبها أي قطع عرقوبها ثم مضى فقاتل حتى قتل وروا الإمام البخاري في صحيحه عن نافع قال إن بن عمر رضي الله عنهما أخبره أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره يعني في ظهره وروا الإمام الترمذي والحاكم وبن حبان واللفظ لبن حبان بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أريت جعفرا ملكا يطير بجناحيه في الجنة وروا الإمام البخاري في صحيحه عن عامر الشعبي قال إن بن عمر رضي الله عنهما كان إذا سلم على بن جعفر قال السلام عليك يبن ذي الجناحين الراية بيد عبد الله بن رواحة رضي الله عنه أخذ عبد الله بن رواحة الراية وحملها بعدما استشهد جعفر رضي الله عنه ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهن إن أجلب الناس وشد الرنة ما لي أراك تكرهين الجنة وقال أيضا يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليتي وما تمنيت فقد أعطيتي إن تفعلي فعليهما هديتي ثم تقدم فقاتل حتى قتل رضي الله عنه نعي النبي صلى الله عليه وسلم الأمراء الثلاثة وقد أطلع الله سبحانه وتعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما وقع في غزوة مؤته وهو في المدينة النبوية فنعى لأهل المدينة أمراء الجيش الثلاثة رضي الله عنهم قبل أن يأتيهم خبرهم فقد روى الإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه بسند جيد عن أبي قتادة رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر وأمر أن ينادا الصلاة جامعة فقال صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي إنهم انطلقوا حتى لقوا العدو فأصيب زيد شهيدا فاستغفروا له فاستغفر له الناس ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى قتل شهيدا أشهد له بالشهادة فاستغفروا له ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى أصيب شهيدا فاستغفروا له وروا الإمام البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب وقال ما يسرهم أنهم عندنا وعيناه تذرفان وروا الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما وأبو داوود في سننه واللفظ لأبي داوود عن عائشة رضي الله عنها قالت لما قتل زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد يعرف في وجهه الحزن الراية إلى سيف الله المسلول رضي الله عنه فلما سقطت الراية في استشهاد عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكلف أحدا بحملها بعده أخذها ثابت بن أقرم رضي الله عنه فقال يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم قالوا أنت قال ما أنا بفاعل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه في المدينة ثم أخذها خالد بن الوليد من غير امره ففتح له وفي لفظ آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم وفي رواية الإمام أحمد وابن حبان بسند جيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء هو أمر نفسه فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبعيه وقال اللهم هو سيف من سيوفك فانصره فيومئذ سمي خالد سيف الله قال الحافظ بن كثير فأخذ الراية خالد بن الوليد رضي الله عنه فانحاز بالمسلمين وتلطف حتى خلص المسلمون من العدو ففتح الله على يديه كما أخبر بذلك كله رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الذين بالمدينة يومئذ وهو قائم على المنبر فنعى إليهم الأمراء واحدا واحدا وعيناه تذرفان صلى الله عليه وسلم شدة خالد بن الوليد رضي الله عنه واشتد خالد بن الوليد رضي الله عنه بجيشه على الكفار وقاتلهم قتالا عظيما فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صحيفة يمانية وفي لفظ آخر في صحيح البخاري قال رضي الله عنه لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وصبرت في يدي صحيفة لي يمانية قال الحافظ في الفتح وهذا الحديث يقتضي أن المسلمين قتلوا من المشركين كثيرا وقال الحافظ بن كثير وهذا يقتضي أنهم أثقنوا فيهم قتلا ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم وهذا وحده دليل مستقل والله أعلم من المنتصر في هذه المعركة العظيمة قال الحافظ في الفتح واختلف أهل النقل في المراد بقوله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليهم هل كان هناك قتال فيه هزيمة للمشركين أو المراد بالفتح إنحيازه بالمسلمين حتى رجعوا سالمين رب ابن سعد في طبقاته عن أبي عامر الأشعري رضي الله عنه قال ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى لم أر اثنين جميعا قلت وذلك بعد استشهاد عبد الله بن رواحة رضي الله عنه قال رضي الله عنه فأخذ خالد للواء ثم حمل على القوم فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا وقال ابن اسحاق فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشا بهم ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف الناس وقال البيهقي اختلف أهل المغازي في فرارهم وانحيازهم منهم من ذهب إلى ذلك ومنهم من زعم أن المسلمين ظهروا على المشركين وانهزم المشركون وحديث أنس ابن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم أخذها خالد ففتح عليه يدل على ظهوره عليهم والله تعالى أعلم بالصواب وقال الامام ابن القيم والصحيح ما ذكره ابن اسحاق أن كل فئة انحازت عن الأخرى وقال الحافظ ابن كثير وكر المسلمون راجعين ووق الله شر الكفرة وله الحمد والمنة مواساة النبي صلى الله عليه وسلم لآل جعفر رضي الله عنه روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن عبد الله ابن جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنهما قال أم هل رسول الله صلى الله عليه وسلم آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم ثم آتاهم فقال لا تبكو على أخي بعد اليوم أدعو إلي ابني أخي قال فجي أبنا كأنى أفرخ فقال أدعو لي الحلاق فجي أبي الحلاق فحلق رؤوسنا ثم قال أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب فشبيه خلقي وخلقي ثم أخذ بيدي فأشالها أي فرفعها فقال اللهم اخلف جعفرا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه قالها ثلاث مرات قال فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا وجعلت تفرح له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة وروا الإمام أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي بسند حسن عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال لما جاء نعي جعفر قال النبي صلى الله عليه وسلم اصنعوا لأهل جعفر طعاما فإنه قد جاءهم ما يشغلهم قال الإمام الترمذي وقد كان بعض أهل العلم يستحب أن يوجه إلى أهل الميت بشي لشغلهم بالمصيبة وهو قول الشافعي وروا الحاكم في المستدرك بسند حسن عن جعفر بن خالد بن سارة عن أبيه قال إن عبد الله بن جعفر قال لو رأيتني وقثم وعبيد الله بن العباس نلعب اذ مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على داب فقال احملوا هذا إلي فجعلني أمامه ثم قال لقثم احملوا هذا إلي فجعله وراءه فمسح من عمه العباس أن حمل قثما وترك عبيد الله ثم مسح برأسي ثلاثا فلما مسح قال اللهم اخلف جعفرا في ولده قال الحاكم قد أتى جعفر بن خالد بسنتين عزيزتين احداهما مسح رأس اليتيم والأخرى تفقد أهل المصيبة المختصر في السيرة النبوية ان طال شوق العالمين لبعضهم فالشوق نحوك لا يحاط مداه صلى عليك الله ما رفع النداه وتحطمك صلى عليك الله ما رفع النداه وتحطمك بالباقي