بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ صَدَى الْمَنَابِلِ إِسْمُ اللَّهِ الصَّبُورِ خُطْبَةٌ لفضيلة الشيخ خالد بن عبدالله الحمودي حفظه الله الحمد لله الحمد لله عدد الليال والدهور والأيام والشهور الحمد لله عدد أمواج البحور الحمد لله عدد أوراق الشجر وعدد الرمل والحجر وعدد الزهر والثمر وعدد أنفاس البشر الحمد لله كثيراً كثيراً كثيراً كما ينعم كثيراً وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا نعبد إلا إياه ولا نرجو إلا الله هو حسبنا وهو مولانا لا ملجا ولا منجا منه إلا إليه لله سلمت أمراً لست أعلمه ما لي على حمله لكن سأرضاه رباه لولاك لا سند ولا أحد فأنت حسبي وحسبي أنك الله وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه وخليله خير الأولياء وأبر الأصفياء وأفضل الأنبياء لم تعرف الدنيا كحب محمد حباً تجاوز في تساميه المدى من لم يذق في العمر لذة حبه أنّا له يلقى لحب موردا يا رب أسعدنا برؤية وجهه فالشوق زاد مع الحياة توقُّدا صلى عليك إلهنا ما أشرقت شمسٌ وما لبّ المصلون النداء اللهم صلِّ وسلِّم وزد وبارك على عبدك ورسولك ونبيك وحبيبك محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه واستنى بسنته واقتفى أثره وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون أيها المؤمنون بالله ورسوله أيها الأحبة إن العلم بأسماء الله الحسنى وصفاته يزرع في القلب الأدب مع الله والحياة منه فالأدب مع الله عز وجل هو القيام بدينه والتأدب بآدابه ظاهراً وباطنا ولا يستقيم لأحد قط الأدب مع الله إلا بثلاثة أشياء أولها معرفته بأسمائه وصفاته وثانيها معرفته بدينه وشرعه وما يحب وما يكره وثالثها نفس مستعده قابلة لينه متهيئة لقبول الحق علماً وعملاً وحالاً وإن من أسماء الله التي ينبغي أن نتعلمها وندرك معانيها وآثارها اسم الله الصبور واسم الصبور مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم ما أحد أصبر على أذن سمعه من الله يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم رواه البخارية وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أحد أصبر على أذن سمعه من الله إنهم ليجعلون له ولداً وشريكاً وهو يرزقهم ويعافيهم متفق عليه قال الخطابي رحمه الله الصبور هو الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام منهم بل يؤخر ذلك إلى أجل مسمى ويمهلهم لوقت معلوم وقال ابن حجر في الفتح والصبور الذي لا يستعجل في مؤاخذة العصاة أو الذي لا تحمله العجلة على المنازعة إلى الفعل قبل أوانه وقال ابن القيم رحمه الله وصبره تعالى يفارق صبر المخلوق ولا يماثله من وجوه متعددة منها أنه على قدرة تامة ومنها أنه لا يخاف الغوث والعبد إنما يستعجل لخوف الغوث ومنها أنه لا يلحقه بصبره ألم ولا حزن ولا نقص بوجهما أيها الأحبة ما أعظم صبر الله على عباده وما أطول إمهال الله ولو أنه أخذ الناس بأول جرم وابتداء الإثم ما ترك على ظهرها من دابه عدلا منه وقسطاء ولكن هو غفور رحيم رأوف كريم صبور قال سبحانه وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد ليجدوا من دونه موئلا وصبر الله على العباد له صور متعددة فمن ذلك صبره على كفر العباد بربهم ومسبتهم له والقول عليه بما ليس فيه وما ليس له قال سبحانه عن هؤلاء وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحان الله ما أجرأهم على الله وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئاً إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أندعوا للرحمن ولدا وهو الصبور على أذى أعدائه شتموه بل نسبوه للبهتان قالوا له ولد وليس يعيدنا شتماً وتكذيباً من الإنسان هذا وذاك بسمعه وبعلمه لو شاء عاجلهم بكل هوان لكن يعافيهم ويرزقهم وهم يؤذونه بالشرك والكفران وثبت أيضاً في الصحيح قال الله تعالى كذبن ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمن ابن آدم ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله لي عيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته وأما شتمه إياي فقوله إن لي ولدا وأنا الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد رواه البخاري ومن صبره سبحانه على عباده صبره على من اتخذ الأنداد والشركاء يعبدونهم من دونه فلا يعاجلهم بالعقوبة ويترك لهم الفرصة ويمهلهم فإذا ما عادوا إليه قبل توبتهم وإلا لو شاء أخذهم أخذ عزيز مقتدر بعد أن يقيم عليهم الحجة والبرهان فهناك من يطلب من المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الخالق سواء أكان هذا المخلوق حياً أم ميتا نبيًا أو وليًا أو ملكًا أم جنيًا أم غيرهم كأن يطلب منه شفاء مريضه أو نصره على الأعداء أو كشف كربه أو أن يغيثه أو أن يعيذه وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله فهذا كله شرك أكبر مخرج من الملة بإجماع المسلمين لأنه دعا غير الله واستغاث به واستعاذ به وهذا كله عبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله بإجماع المسلمين وصرفها لغيره شرك لأنه اعتقد في هذا المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله وهناك من لا يحتكم إلى دينه وشرعه ويتخذ من قوانين الأرض منهجاً ومثلاً ونبراساً ومنهج الله هو أقوم وخير وأبقا ومن صبر الله على عباده أنهم يعملون المعاصي والسيئات فلا يعاجلهم بالعقوبة بل يترك لهم الفرصة تلو الفرصة لعلهم يتوبوا إليه ويعودوا إليه وهو سبحانه قادر على معاجلتهم بالعقوبة لكنه يصبر رحمةً منه وأسمعوا يا عباد الله إلى هذا الحديث العجيب عن عبد الرحمن بن جبير رضي الله عنه قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم شيخ كبير هرم سقط حاجباه على عينيه وهو مدعم على عصى أي متكئ على عصى حتى قام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها لم يترك داجة ولا حاجة إلا أتاها لو قسيمت قطيئته على أهل الأرض لأوبقتهم أي لأهلكتهم أله من توبه فقال صلى الله عليه وسلم هل أسلمت قال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله قال تفعل الخيرات وتترك السيئات فيجعلهن الله لك كلهن خيرات قال وغدراتي وفجراتي يا رسول الله قال نعم وغدراتك وفجراتك فقال الله أكبر الله أكبر ثم الدعم على عصاه فلم يزل يردد الله أكبر الله أكبر حتى توارى عن الأنظار صححه الألبانية قال سبحانه ولو يؤخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابه ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وأياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه ويا فوز المستغفرين الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد عباد الله فإن المؤمن عندما يدرك اتصاف الله جل جلاله بالصبر فلا يعاجل العصاة بالانتقام منهم ويمهلهم لوقت معلوم فإن هذا كله له آثار عظيمة في حياته حيث يفتح له باب الرجاء ويحثه على الإنابة إلى الله ولا يعتريه ليأس من رحمة الله وعفوه فيبادر إلى التوبة كلما أذنب أو قصر في حق الله ويدرك في نفس الوقت أن صبر الله إمهال وليس إهمال ويدرك في نفس الوقت أن صبر الله إمهال وليس إهمال ومن آثار الإيمان باسم الله الصبور أن يتعلم العبد الصبر والمصابرة على عبادة الله وطاعته بما شرع سبحانه قال سبحانه يا أيها الذين آمنوا صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون فأمر سبحانه بالصبر على ما يخصه وعلى مصابرة الأعداء والمداومة على الصبر حتى يتخذه إلفاً وصاحباً وخلاً ومؤانساً وقد أخبر سبحانه أنه يحب الصابرين وأنه معهم ومن ذلك يتعلم المؤمن الصبر على أقدار الله والصبر على الأهل وتربية الأولاد والصبر على تعامله مع الخلق من حوله قال سبحانه وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةٍ أَتَصْبِرُونَ أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا فتحلوا بالصبر يا عباد الله وعيشوا في ظلال اسم الله الصبور يسعدكم في الدنيا ويوم النشور اللهم ارزقنا الصبر والاحتساب والرضى واليقين على أقدارك يا رحيم اللهم يا ذا الجلال والإكرام اجعلنا ممن إذا ابتلي صبر وإذا أنعم عليه شكر وإذا أذنب استغفر اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا واقبل توبتنا واختم بالصالحات أعمالنا اللهم إنك تعلم عيوبنا فاسترها وتعلم أعمالنا فتقبلها وتعلم حاجاتنا فقضها يا قاضي الحاجات اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا اللهم اجعلنا ممن أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك اختم لنا بخير واجعل عواقب أمورنا إلى خير اللهم طيب لنا المقام وأحسن لنا الختام آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا وانصر جنودنا على الحدود وانصر إخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم يا ذا الجلال والإكرام إنا نحبك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك اللهم أعطنا ما تمنينا وفوق ما تمنينا من خيري الدنيا والآخرة دعونا كربنا كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا لا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا ولا تحرمنا فضلك بذنوبنا سبحان ربك رب العزة عما يصفون سلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين