بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله ثابت بن قيس الأنصاري رضي الله عنه ثابت بن قيس الأنصاري سيد من سادات الخزرج المرموقين ووجه من وجوه يثرب المعدودين وكان إلى ذلك ذكي الفؤاد حاضر البديهة رائع البيان جهير الصوت إذا نطق بز القائلين وإذا خطب أسر السامعين وهو أحد السابقين إلى الإسلام في يثرب إذ ما كاد يستمع إلى آي الذكر الحكيم يرتلها الداعية المكي الشاب مصعب بن عمير بصوته الشجي وجرسه الندي حتى أسر القرآن سمعه بحلاوة وقعه وملك قلبه برائع بيانه وخلب لبه بما حفل به من هدي وتشريع فشرح الله صدره للإيمان وأعلى قدره ورفع ذكره بالانضواء تحت لواء نبي الإسلام ولما قدم الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى المدينة مهاجرا استقبله ثابت بن قيس في كوكبة كبيرة من فرسان قومه أكرم استقبال ورحب به وبصاحبه الصديق أجمل ترحيب وخطب بين يديه خطبة بليغة افتتحها بحمد الله جل وعز والثناء عليه والصلاة والسلام على نبيه واختمها بقوله وإنا نعاهدك يا رسول الله على أن نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا ونسأنا فما لنا لقاء ذلك فقال عليه الصلاة والسلام الجنة فما كادت كلمة الجنة تصافح آذان القوم حتى أشرقت وجوههم بالفرحة وزهت قسماتهم بالبهجة وقالوا رضينا يا رسول الله ومنذ ذلك اليوم جعل الرسول صلوات الله وسلامه عليه ثابت بن قيس خطيبة كما كان حسان بن ثابت شاعره فصار إذا جاءته وفود العرب لتفاخره أو تناظره بألسنة الفصحاء المقاول من خطبائها وشعرائها ندب لهم ثابت بن قيس لمصاولة الخطباء وحسان بن ثابت لمفاخرة الشعراء ولقد كان ثابت بن قيس مؤمنا عميق الإيمان تقيا صادق التقوى شديد الخشية من ربه عظيم الحذر من كل ما يغضب الله جل وعز فلقد رآه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ذات يوم هلع جزع ترتعد فرائصه خوفا وخشية فقال ما بك يا أبا محمد فقال أخشى أن أكون قد هلكت يا رسول الله قال ولما قال لقد نهان الله جل وعز عن أن نحب أن نحمد بما لم نفعل وأجدني أحب الحمد ونهان عن الخيالاء وأجدني أحب الزهو فما زال الرسول صلوات الله وسلامه عليه يهدئ من روعه حتى قال يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة فأشرق وجه ثابت بهذه البشرة وقال بلى يا رسول الله بلى يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام صلى الله عليه وسلم على الرغم من شدة حبه له وفرط تعلقه به ولزم بيته حتى لا يكاد يبرحه إلا لآداء المكتوبة فافتقده النبي صلوات الله وسلامه عليه وقال من يأتيني بخبره فقال رجل من الأنصار أنا يا رسول الله وذهب إليه فوجده في منزله محزونا منكس الرأسه فقال ما شأنك يا أبا محمد قال شر قال وماذاك قال إنك تعرف أني رجل جهير الصوت وأن صوتي كثيرا ما يعلو على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نزل من القرآن ما تعلم وما أحسبني إلا قد حبط عملي وأنني من أهل النار فرجع الرجل إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه وأخبره بما رأى وما سمع فقال اذهب إليه وقل له لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنة فكانت هذه بشارة عظمى لثابت ظل يرجو خيرها طوال حياته وقد شهد ثابت بن قيس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها سوا بدر وأقحم نفسه في غمار المعارك طلبا للشهادة التي بشره بها النبي فكان يخطئها في كل مرة وهي قاب قوسين منه أو أدنى إلى أن وقعت حروب الردة بين المسلمين ومسيلمة الكذاب على عهد الصديق رضي الله عنه وقد كان ثابت بن قيس إذ ذاك أميرا لجند الأنصار وسالم مولى أبي حذيفة أميرا لجند المهاجرين وخالد بن الوليد قائدا للجيش كله أنصاره ومهاجره ومن فيه من أبناء البواد ولقد كانت الريح والدولة في جل المعارك لمسيلمة ورجاله على جيوش المسلمين حتى بلغ بهم الأمر أن اقتحموا فستاط خالد بن الوليد وهموا بقتل زوجته أم تميم وقطعوا حبال الفستاط ومزقوه شر ممزق فرأى ثابت بن قيس يوم ذاك من تضعضع المسلمين ما شحن قلبه أسا وكمدا وسمع من تنابزهم ما ملأ صدره هما وغما فأبناء المدني يرمون أهل البواد بالجبن وأهل البواد يصفون أبناء المدني بأنهم لا يحسنون القتال ولا يدرون ما الحرب عند ذلك تحنط ثابت وتكفا ووقف على رؤوس الأشهاد وقال يا معشر المسلمين ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس ما عودتم أعداءكم من الجرأة عليكم وبئس ما عودتم أنفسكم من الانخذال لهم ثم رفع طرفه إلى السماء وقال اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء من الشرك يعني مسيلمة وقومة وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء يعني المسلمين ثم هبهبة الأسد الضاري كتفا لكتف مع الغر الميامين البراء بن مالك الأنصاري وزيد بن الخطاب أخي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم وغيرهم من المؤمنين السابقين وأبلى بلاء عظيما ملأ قلوب المسلمين حمية وعزم وشحن أفئدة المشركين وهنا ورعبا وما زال يجارد في كل اتجاه ويضارب بكل سلاح حتى أثقنته الجراح فخر صريعا على أرض المعركة قرير العين بما كتب الله له من الشهادة التي بشره بها حبيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلوج الصدر بما حقق الله على يديه للمسلمين من النصر وكانت على ثابت درع نفيسة فمر به رجل من المسلمين فنزعها عنه وأخذها لنفسه وفي الليلة التالية لاستشهاده رآه رجل من المسلمين في منامه فقال للرجل أنا ثابت بن قيس فهل عرفتني؟ قال نعم فقال إني أوصيك بوصية فأياك أن تقول هذا حلم فتضيعها إني لما قتلت بالأمس مر بي رجل من المسلمين صفته كذا وكذا فأخذ درعي ومضى بها نحو خبائه في أقصى المعسكر من الجهة الفلانية ووضعها تحت قدر الله ووضع فوق القدر رحلا فأتخالد ابن الوليد وقل له أن يبعث إلى الرجل من يأخذ الدرع منه فهي ما تزال في مكانها وأوصيك بأخرى فأياك أن تقول هذا حلم نائم فتضيعها قل لخالد إذا قدمت على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة فقل له إن على ثابت ابن قيس من الدين كذا وكذا وإن فلانا وفلانا من رقيقه عتيقان فليقض ديني وليحرر غلامي فاستيقظ الرجل فأتى خالد ابن الوليد فأخبره بما سمع وما رأى فبعث خالد من يحضر الدرع من عند آخذها فوجدها في مكانها وجاء بها كما هي ولما عاد خالد إلى المدينة حدث أبا بكر رضي الله عنه بخبر ثابت ابن قيس ووصيته فأجاز الصديق وصيته وما عرف أحد قبله ولا بعده أجيزت وصيته بعد موته سوى رضي الله عن ثابت ابن قيس وأرضاه واجعل في أعلى علين مثواه ما أجيزت وصية مرء أوصى بها بعد موته سوى وصية ثابت ابن قيس