بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عاصم بن ثابت رضي الله عنه خرجت قريش بقضها وقضيضها وسادتها وعبيدها إلى لقاء محمد بن عبد الله في أحد فقد كانت الأضغان تشحن صدورها شحنا والثارات لقتلها في بدر تستعر في دمائها استعارا ولم يكفيها ذلك وإنما أخرجت معها العقائل من نساء قريش ليحرضنا الرجال على القتال ويظلمنا الحمية في نفوس الأبطال ويشددنا عزائمهم كلما ونوا أو ضعفوا وكان في جملة من خرجت معهم هند بنت عتبة زوج أبي سفيان وريطة بنت منبه زوج عمر بن العاص وسلافة بنت سعد ومعها زوجها طلحة وأولادها الثلاثة مسافع والجلس وكلاب ونساء كثيرات غيرهن ولما التق الجمعان عند أحد وأخذت نار الحرب تستعر قامت هند بنت عتبة ومن معها من النسوة فوقفنا خلف الصفوف وأخذنا بأيديهن الدفوف وجعلنا يضربنا عليها منشدات إن تقبلون عانق ونفرشن مارق أو تدبرون فارق فراق غير وامق فكان نشيدهن هذا يظلم في صدور الفرسان الحمية ويفعل في نفوس أزواجهن فعل السحر ثم وضعت المعركة أوزارها وكتب فيها النصر لقريش على المسلمين فقامت النسوة وقد استفزتهن حمية الضفر وطفقنا يجسن خلال ساحة المعركة مزغردات وأخذن يمثلن بالقتلا أفضع تمثيل فبقرن البطون وسملن العيون وصلمن الآذان وجدعن الأنوف بل إن إحداهن لم يشفي غيظها إلا أن جعلت من الأنوف والآذان قلائد وخلاليل وتزينت بها انتقاما لأبيها وأخيها وعمها الذين قتلوا في بدر لكن سلافة بنت سعد كان لها شأن غير شأن أترابها من نساء قريش فقد كانت قلقة مطلبة تنتظر أن يقبل عليها زوجها أو أحد أبنائها الثلاثة لتقف على أخبارهم وتشارك النسوة الأخرى فرحة النصر بيد أن انتظارها قد طال عبثا فأوغلت في أرض المعركة وجعلت تتفحص وجوها القتلى فإذا بها تجد زوجها صريعا مضرجا بدمائه فهبت كاللبؤة المذعورة وجعلت تطلق بصرها في كل صوب بحثا عن أولادها مسافع وكلاب والجلاس فما نبثت أن رأتهم ممددين على سفوح أحد أما مسافع وكلاب فكان قد فارق الحياة وأما الجلاس فوجدته وما تزال به بقية من ذما أكبت سلافة على ابنها الذي يعالج سكرات الموت ووضعت رأسه في حجرها وجعلت تمسح الدماء عن جبينه وفمه وقد يبس الدمع في عينيها من هول الكارثة ثم أقبلت عليه وهي تقول من صرعك يا بني فهم أن يجيبها لكن حشرجة الموت منعت فألحت عليه بالسؤال فقال صرعني عاصم ابن ثابت وصرع أخي مسافع ثم لفظ آخر أنفاسه جن جنون سلافة ابنت سعد وجعلت تعول وتنشج وأقسمت بالله والعز ألا تهدأ لها لوعة أو ترقى لعينيها دمعة إلا إذا ثارت لها قريش من عاصم ابن ثابت وأعطتها قحف رأسه لتشرب فيه الخمر ثم نذرت لمن يأسره أو يقتله ويأتيها برأسه أن تعطيه ما يشاء من منفس المال فشاع خبر نذرها في قريش وجعل كل فتا من فتان مكة يتمنى أن لو ظفر بعاصم ابن ثابت وقدم رأسه لسلافة لعله يكون الفائز بجائزتها عاد المسلمون إلى المدينة بعد أحد وجعلوا يتذاكرون المعركة وما كان فيها فيترحمون على الأبطال الذين استشهدوا وينوهون بالكمات الذين أبلوا وجالدوا فذكروا في من ذكروهم عاصم ابن ثابت وعجبوا كيف اتفق له أن يردي ثلاثة إخوة من بيت واحد في جملة من أرداهم فقال قائل منهم وهل في ذلك من عجب أفلا تذكرون رسول الله صلوات الله وسلامه عليه حين سألنا قبيل بدر كيف تقاتلون فقام له عاصم ابن ثابت وأخذ قوسه بيده وقال إذا كان القوم قريبا مني مائة ذراع كان الرمي بالسهام فإذا دنوا حتى اتنا لهم الرماح كانت المداعسة إلى أن تتقصف الرماح فإذا تقصفت الرماح وضعناها وأخذنا السيوف وكانت المجالدة فقال عليه الصلاة والسلام ها كذا الحرب من قاتل فليقاتل كما يقاتل عاصم لم يمضي غير قليل على أحد حتى انتدب رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة من كرام الصحابة لبعث من بعوثه وأمر عليهم عاصم ابن ثابت فمضى النفر الأخيار لإنفاذ ما أمرهم به النبي عليه الصلاة والسلام وفيما هم في بعض الطريق غير بعيد عن مكة علمت بهم جماعة من هذير فهبوا نحوهم مسرعين وأحاطوا بهم إحاطة القيد بالعنق فامتشق عاصم ومن معه سيوفهم وهموا بمنازلة المطبقين عليهم فقال لهم الهذليون إنكم لا قبل لكم بنا وإننا والله لا نريد بكم شراً إذا استسلمتم لنا ولكم على ذلك عهد الله وميثاقه فجعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر بعضهم إلى بعض كأنهم يتشاورون فيما يصنعون فالتفت عاصم إلى أصحابه وقال أما أنا فلا أنزل في ذمة مشرك ثم تذكر نذر سلافة الذي نذرت وجرد سيفه وهو يقول اللهم إني أحمى لدينك وأدافع عنه فحمي لحمي وعظمي ولا تغذر بهما أحدا من أعداء الله ثم كر على الهذليين وتبعه اثنان من أصحابه وظلوا يقاتلون حتى صرعوا واحدا بعد آخر أما بقية أصحابه فاستسلموا لآسريهم فما لبثوا أن غدروا بهم شر غدرة لم يكن الهذليون في بادئ الأمر يعلمون أن عاصم بن ثابت هو أحد قتلاهم فلما عرفوا ذلك فرحوا به أشد الفرح ومنوا أنفسهم بجزيل العطاء ولا غروا ألم تكن سلافة بنت سعد قد نذرت إن هي ظفرت بعاصم بن ثابت أن تشرب في قحف رأسه الخمر ألم تكن قد جعلت لمن يأتيها به حيا أو ميتا ما يشاء من المال لم يمضي على مصرع عاصم بن ثابت بضع ساعات حتى علمت قريش بمقتله فقد كانته ذيل تقيم قريبا من مكة فأرسل زعماء قريش رسولا من عندهم إلى قتلت عاصم يطلبون منهم رأسهم ليطفئوا بها غلة سلافة بنت سعد ويبر قسمها ويخففوا بعض أحزانها على أولادها الثلاثة الذين صرعهم عاصم بيده وحملوا الرسول مالا وفيرا وأمروه أن يبذله للهذليين بسخاء لقاء رأس عاصم قام الهذليون إلى جسد عاصم بن ثابت ليفصلوا عنه رأسه ففوجئوا بأسراب النحل وجماعات الزنابير قد حطت عليه وأحاطت به من كل جانب فكانوا كلما راموا اقتراب من جثته طارت في وجوههم ولدغتهم في عيونهم وجباههم وكل موضع في أجسادهم وذادتهم عنه فلما يأسوا من الوصول إليه بعد أن حاولوا ذلك الكرة تتلو الكرة قال بعضهم لبعض دعوه حتى يجن عليه الليل فإن الزنابير إذا حل الظلام جلت عنه وخلته لكم ثم جلسوا ينتظرون غير بعيد لكنه ما كاد ينصرم النهار ويقبل الليل حتى تلبدت السماء بالغيوم الكثيفة الدكن وأرعد الجو أزبد وانهمر المطر همارا لم يشهد له المعمرون مثيلا منذ وجدوا على تلك الأرض وسرعان ما سالت الشعاب وامتلأت البطاح وغمرة الأودية واكتسح المنطقة سيل كسيل العرم فلما انبلج الصبح قامته ذيل تبحث عن جسد عاصم في كل مكان فلم تقف له على أثر ذلك أن السيل أخذه بعيدا بعيدا ومضى به إلى حيث لا يعلمون فلقد استجاب الله جل وعز دعوة عاصم بن ثابت فحما جسده الطاهر من أن يمثل به وصان رأسه الكريمة من أن يشرب في قحفها الخمر ولم يجعل المشركين على المؤمنين سبيلا من قاتل فليقاتل كما يقاتل عاصم بن ثابت محمد بن عبدالله