بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله خالد بن الوليد رضي الله عنه سيرة خالد بن الوليد ملحمة مجيدة الفصول تبتدئ بالعصبية والبطولة وتنتهي بالإيمان والرجولة كان خالد من مخزوم وكانت مخزوم في الذروة من قريش وكانت نشأته في أعرق بيوتها نسبا وأشرفها حسبا وأكثرها مالا ونشبا كان عمه هشام قائد بني مخزوم يوم حرب الفجار وبوفاته أرخة العرب كما تؤرخ بالأحداث العظام ولم تقم قريش سوقا بمكة ثلاثا لحزنها عليه وكان عمه الفاكه بن المغيرة من أكرم العرب في زمانه وكان له بيت للضيافة يأوي إليه من يشاء بغير استئذان أما أبوه الوليد بن المغيرة فقد كان أغنى أبناء زمانه يملك من الذهب والفضة والبساتين والكروم والتجارة والخدم والجوار والرقيق ما لا يملكه أحد سواه فقد كان أبوه يكس الكعبة وحده سنة وتكسوها قريش كلها سنة أخرى ومن أجل ذلك دعي بالوحيد ولقب بريحانة قريش وهو الذي قال فيه القرآن الكريم ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تبهيدا وقد كان أبوه لفرطجوده يأنف أن توقد نار غير ناره في منا لإطعام الحجيج وكان يزعم لنفسه أنه أحق الناس بالنبوة وبنزول القرآن عليه وفي ذلك يقول الله سبحانه وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم في هذا البيت السري الغني الوجيه ولد خالد بن الوليد سنة أربع وثلاثين قبل الهجرة كان خالد طويلا بائن الطول مديد القامة عظيم الهامة مهيب الطلعة يميل إلى البياض وكان شديد الشبه بعمر بن الخطاب حتى كان ضعاف البصر كثيرا ما يخلطون بين الرجلين لما أظهر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم دعوته كان خالد فتا ناشئا فنفر منها لأنه رأى فيها زعامة جديدة تناهض زعامة أسرته وسيادة محدثة تقف في وجه سيادة أبيه فتصدى لها هو وأخوه عمارة بن الوليد أما عمارة فقد خاض بدرا مع المشركين ووقع في أسر المسلمين وقد طال الكلام في أمر فدائه لفرط غناه وشدة عداوة أهله للإسلام فطلب آسره أربعة آلاف درهم وأوصى النبي صلوات الله وسلامه عليه ألا يقبله له فدية غير درع أبيه الفضفاضة وسيفه وبيضته والبيضة هي الخوذة المصنوعة من الحديد والرجل باق على دينه في أسر المسلمين فلما تم فداؤه وذهب إلى أهله أعلن إسلامه بينهم على الرغم منهم وهم كارهون وعجب المشركون من فعله وسألوه هل لا أسلمت قبل أن تفتدا فقال كرهت أن يقال إني جزعت من الإسار وأما خالد فظل على ما هو عليه وفي أحد عقدت قريش له لواء الميمنة فتولى بنفسه الهجمة التي رجحت كفة المشركين على المسلمين فقد كر بالخيل على جيش المسلمين فاختلت صفوفهم واختلط بعضهم ببعض حتى ما عادوا يفرقون بين شيعتهم وعدوهم فاستطار أبو سفيان فرحا وقال يوم بيوم بدر والحرب سجال وفي يوم الخندق اقتسم المشركون كتائبهم وخصوا كل كتيبة بجماعة من المسلمين تدهمها عند الصباح وكان خالد بن الوليد هو الموكل برسول الله صلوات الله وسلامه عليه وكاد يظفر خالد بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وقائدهم أسيد بن الحضير رضي الله عنه وفي سنة الحديبية خرج الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى مكة معتمرا في نحو 1500 من المسلمين لا يحملون سلاحا غير السيوف في أغمادها فأوجس المشركون خيفة من ذلك وندبوا خالدا للقاء الرسول صلى الله عليه وسلم في مئتي فارس واستطلاع أمره فدنى خالد حتى نظر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ثم حانت صلاة الظهر فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الخوف وهم خالد أن يغير على الرسول صلوات الله وسلامه عليه فصدته سكينة المسلمين ورهبة الصلاة ونخوة الفارس التي تأبى الغدر وسرى في روعه أن لمحمد سرا وأن الرجل ممنوع وكانت هذه أول عاطفة عطفته نحو الإسلام ثم جاءته رسالة من أخيه الوليد الذي أسلم بعد بدر يحمل له فيها كلاما من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فكانت سببا في أن يخرجه الله من الظلمات إلى النور والنترك لخالد النفسه أن يقص علينا قصة إسلامه قال لما أراد الله بي من الخير ما أراد قذف في قلبي حب الإسلام وحضرني رشدي وقلت شهدت هذه المواطن كلها على محمد وكنت كل من صرفت من موطن أجدني على غير شيء ثم أرد فيقول وبينما أنا كذلك كتب إلي أخي كتابا بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك ومثل الإسلام لا يجهله أحد وقد سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم عنك فقال أين خالد فقلت يأتي الله به فقال ما مثل خالد يجهل الإسلام ولو كان جعل نكايته مع المسلمين على المشركين لكان خيرا له ولقد دمناه على غيره فاستدرك يا أخي ما فاتك منه فقد فاتتك مواطن صالحة ثم أتبع خالد يقول نشطت للخروج إلى المدينة وسرتني مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيت في المنام كأني في بلاد ضيقة جدبة فخرجت إلى بلد أخضر واسع فقلت إن هذه الرؤيا حق فلما عزمت على الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت من أصاحب معي إلى محمد فلقيت صفوان بن أمية فقلت أما ترى يا أبا وهب ما نحن فيه لقد ظهر محمد على العرب والعجم فلو قدمنا عليه فاتبعناه فإن شرف محمد شرف لنا فأبا علي أشد الإباء وقال لو لم يبق غيري من قريش ما تبعته أبدا فافترقنا رجل موتور يطلب ثأرا فقد قتل أبوه وأخوه في بدر ثم تابع خارد قصة إسلامه وقال تركت صفوان بن أمية ولقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان فقال لي مثل ما قاله صفوان فقلت له اطوي ما ذكرت لك وخرجت إلى منزلي قلت براحلتي أن تعد لي إلى أن ألقى عثمان بن أبي طلحة وهو صديق لي أذكر له ما أريد ثم تذكرت من قتل من آبائه فكرهت ذلك ثم قلت وما علي أن ألقاه وأنا راحل من ساعتي فذكرت له ما صار إليه الأمر وقلت له نحوا مما قلته لصاحبين فأسرع وأدلجنا بسحرة أي سرنا ليلا في وقت السحور وفيما نحن في بعض الطريق التقينا بعمر بن العاص فقال مرحبا بالقوم قلنا وبك فقال أين سيركم قلنا ما أخرجك أنت قال بل ما أخرجكم أنتم قلنا الدخول في الإسلام واتباع محمد هذاك الذي أقدمني فاصطحبنا جميعا حتى قدمنا المدينة فلقيني أخي فقال أسرع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بقدومك فسر وهو ينتظركم فأسرعت المشي فطلعت عليه فما زال يبتسم إلي حتى وقفت عليه فسلمت بالنبوة فرد علي السلام بوجه طلق فقالت إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال الحمد لله الذي هداك قد كنت أرى لك عقلا ورجوت أن لا يسلمك إلا للخير ومنذ ذلك اليوم أقبل خالد بن الوليد على الإسلام بقلبه ولبه وجعل يندم على ما فرط من أيامه السالفة فقال ذات مرة لا رسول الله قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن معاندا عن الحق فادعوا الله أن يغفرها لي فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام إن الإسلام يجب ما كان قبله فعاد خالد يؤكد رجاءه فدع النبي صلوات الله وسلامه عليه ربه فقال اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما سلف منه من صد عن سبيلك فرضي خالد بذلك واستراحت نفسه ولما عزم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على فتح مكة توجه إليها وهو يقود كتيبته الخضراء وكان أبو عبيدة بن الجراح على المقدمة والزبير بن العوام على الميمنة وخالد بن الوليد على الميسرة بذلك عاد خالد إلى مكة قائدا ولم يمضي على إسلامه إلا بضعة أشهر كان الرسول صلى الله عليه وسلم حين عقد لخالد بن الوليد إحدى راياته يوم دخول مكة على الرغم من حداثة إسلامه ينظر بنور النبوة إلى ما سيكون لخالد من شأن في نصرة الإسلام وإعلاء رايات القرآن نحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى وآلة الخلافة إلى أبي بكر رضوان الله عليه شهد خالد في عهده حروبا ردة من أوائلها إلى نهايتها وكان له النصيب الأوفر في أهم وقائعها وأعصى بأوقاتها وعلى رأسها وقعة اليمامة وكان لخالد في هذا الميدان ما لم يكن لرجل سواه فقد لقي الفرسة وأنصارهم في خمس عشرة وقعه لم يهزم في أية منها ولم يخطئ ولم يخفق ولما قصد المسلمون حرب الروم كان لخالد شرف قيادة جيش المسلمين في وقعة اليرموك كبرى معارك المسلمين وآتاه كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بعزله عن القيادة وهو في قمة انتصاراته فصدع بالأمر وأسلم القيادة لخلفه وبنفس راضية تحول المنتصر الكبير خالد بن الوليد إلى جندي في جيش المسلمين بعد أن كان قائدا لهذا الجيش رحم الله أبا سليمان فقد كان طرازا فريدا بين الناس اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما سلف منه من صد عن سبيلك من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له