بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ عَلَيْهَا السَّلَامِ تاريخ مريم الناصع قبل الحكم على الأشخاص عند ورود الأخبار الصادمة عنهم نحن بحاجة إلى معرفة تاريخهم ومقارنته بما سمعناه من خبر صادم إن هذا المنهج قد بينه لنا ربنا سبحانه وتعالى بشكل مفصل في سورة النور في آيات براءة عائشة رضي الله عنها أما في قصة مريم فالأمر مختلف جدا فمريم عليه السلام قد قدمت عليهم وهي تحمل على كتفها طفلا وهي غير متزوجة فهذا ليس خبر سمعوه من الناس وإنما حدث رأوه بأعينهم لذا استنكر قومها هذا الفعل الذي هذه صورته والتي لا يظن بصاحبها إلا ظنا سيئا فقالوا لها يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياء فتاريخ مريم عليه السلام يشهد لها بمسيرة طيبة في الحياة لا تتناسب مع ما يرونه أمامهم لذلك استنكروا هذا الفعل منها أشد الإنكار وذكروها بمسيرة أهلها الصالحة في هذه الحياة قال ابن جرير نقبري رحمه الله وقوله ما كان أبوك امرأ سوء يقول ما كان أبوك رجل سوء يأتي الفواحش وما كانت أمك بغياء يقول وما كانت أمك زانية وقال ابن كثير رحمه الله أي أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة فكيف صدر هذا منك وقال السعدي رحمه الله لم يكن أبواك إلا صالحين سالمين من الشر وخصوصا هذا الشر الذي يشيرون إليه وقصدهم فكيف كنت على غير وصفهما وأتيت بما لم يأتيا به وذلك أن الذرية في الغالب بعضها من بعض في الصلاح وضده فتعجبوا بحسب ما في قلوبهم كيف وقع منها وقال الطاهر ابن عاشور رحمه الله وهم أرادوا ذمها فأتوا بكلام صريحه ثناء على أبويها مقتض أن شأنها أن تكون مثل أبويها فقوم مريم عليه السلام يشيرون إليها بهذا الكلام إلى عدة معاني الأول أنك من بيت صالح لم يعرف والدك بالسوء ولا والدتك بالبغاء فمن أين أخذت هذه الفعلة الشنيعة وهذه منقبة لبيوت الصالحين وثناء عليها في كونها حاضنة صالحة لا ينبت فيها إلا الصلاح كما أن فيها تنبيه إلى أن فساد الثرية المتربية في بيوت الصالحين إنما جاء بسبب خارجي أو من بيئة خارجية كرفقاء السوء وغيره الثاني يقولون لها إنك من بيت صالح فلا يليق بك أن تخالفي سيرتهم الحسنة لأن في مخالفتها إساءة لهم وهذا ليس من البر بهم الثالث استخدم قوم مريم عليه السلام هذا الأسلوب من الاستنكار الشديد والتوبيخ الصريح بهدف الإنكار عليها لأن لا تستمر في طريقها الذي ظنوه بها لم تكن مريم عليه السلام وحاشاها بالسوء الذي ظنوه بها ولكنهم لا يعرفون حتى تلك اللحظة أي تفسير آخر لما رأوه منها وفي هذا تنبيه لكل فتاة إلى أن أفعال الإنسان لها دلالات اتفق على كثير منها عموم الناس في المجتمعات فلا تطالب المجتمع أن يفسر تصرفاتها بخلاف ما أجمع عليه الناس وإنما الواجب عليها أن تتحفظ في تصرفاتها فإن الناس لهم ظاهر أعمالها أما البواطن فلا يعلمها إلا الله جل في علاه وقد جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت راجما أحدا بغير بينا لرجمت فلانة فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها رواه ابن ماجة أفاد الحديث أولاً أن منطق الفتاة يدل على مستواها الأخلاقي فإذا كان فيه ما يدل على سوء الخلق ظن الناس بها شرًا ويدخل في منطقها كل ما تكتبه أو تتكلم به في وسائل التواصل الاجتماعي اليوم ثانياً أن هيئة الفتاة كذلك تدل على مستوى الستر والحياة عندها فلا تلوم الفتاة الناس إذا طعنوا في حيائها عندما تخرج متبرجة وتلبس ما يخدش الحياة ويدخل في ذلك ما تنشره الفتاة من صور لها أو ما تستحسنه من الصور لغيرها وتضعها في معرفها في وسائل التواصل فإن كل هذه التصرفات تنبئ عما يتردد في نفسها وتتمنى ولو لم تفعل ثالثاً أن من يدخل على الفتاة من غير محارمها وتختلط به أو تخلو به يدل على مستوى العفة عندها فخلوتها بالشاب الأجنبي عنها في ميدان الدراسة أو في ميدان العمل ومخالطتها له وركوبها معه في السيارة أو الجلوس معه في أماكن خاصة كالمقهى وغيرها كل ذلك يدفع بالناس إلى إساءة الظن بها إذ لا دلالة عندهم على مثل هذه التصرفات إلا الظن السيء وقد يكون ظاهر الفعل منك مغايراً لباطنه وهنا يلزمك البيان حتى لا يسيء الناس الظن بك ولك في تصرف النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة صفية أم المؤمنين رضي الله عنها معه في الليل أسوة حسنة فعن علي بن الحسين أن صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرت أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره وهو معتكف في المسجد في العشر الغوابر من رمضان فتحدثت عنده ساعة من العشاء ثم قامت تنقلب فقام معها النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد الذي عند مسكن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مر بهما رجلان من الأنصار فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نفذ فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي قال سبحان الله يا رسول الله وكبر عليهما ما قال قال إن الشيطان يجري من ابن آدم مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا رواه البخاري هذه الحادثة تشير إلى أن وقتها كان في ظلمة الليل والمنظر يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم واقف مع مرأة فالموقف فيه ريبة والنبي صلى الله عليه وسلم بين لنا أن مثل هذه المواقف المريبة يستغلها الشيطان ليقذف في قلب الناظر للموقف شرًا وهذا دأب الشيطان وعلاج ذلك رفع الريبة بالبيان الواضح وهذا المبدأ العظيم جاء ذكره في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال وإياك وما يعتذر منه رواه الطبراني أي لا ترتكب أمراً تحتاجين فيه إلى الاعتذار منه وقال بعض الحكماء إياك وما يعتذر منه وما يستحيى من ذكره فإنما يعتذر من الذنب ويستحيى من القبيح إن سيرة مريم عليه السلام قبل هذا الموقف كلها تدل على صلاحها وكرامة الله لها فمجيء هذا الموقف بخلاف سيرتها الناصعة هو سبب الاستنكار الشديد من قومها فكيف واجهت مريم عليه السلام ذلك نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين