بسم الله الرحمن الرحيم جمعية مودة تقدم حدث في رمان لعبد الرحمن رأفة الباشا سقوط المسجد الأقصى بأيد الصليبي سنة أربعمائة واثنتين وتسعين للهجرة روع العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه باحتلال الصليبيين لأول القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يوما حزينا من أيام المسلمين لا تذهب الأيام بمرارته ولا تمح الأحداث الجسام ذكرا أرأيت إلى قصر شامخ البنيان ثابت الأركان منيع الحما عامر بالأنس طافح بالحياة ثم دارت عليه الدوائر ونزلت به الأحداث فأقفر من ساكنيه وخلى من حماته فأصبح موحشا بعد إيناس قاتما بعد بشر تعول الريح في جنباته ويعشش البوم في شرفاته وتفح الأفاعي في أبهائه وحجراته هكذا كان حال العالم الإسلامي في أواخر القرن الرابع الهجري فقد أوصد خليفة بغداد على نفسه الأبواب قانعا بما يلقي إليه المتسلطون من عرض الحياة وانشغل خليفة القاهرة بالخرافات يثبت بها ملكة ويصون بها عرشة وغرق المسلمون في الخلافات ونسي الناس الله فنسيهم وتخلوا عنه فوكلهم إلى عدوه وعدوهم كانت حالة العالم الإسلامي هذه أكبر محرض للبابا وإمبراطور القسطنطينية على غزو بلاد المسلمين وأثارة الحروب الصليبية التي لم تنقطع لحظة واحدة منذ وجد الإسلام على ظهر الأرض وإنما كانت كالنار تكمن في الرماد فإذا هبت عليها ريح مواتية شبت واشتعلت إن دفعت جموع الصليبيين نحو المشرق تغلي في صدورها الأحقاد ويشحن قلوبها الكيد فاجتاحت حصون أنطاقية الممنعة ثم انقضت من بعدها على معرة النعمان بلدة أبي العلا لقد قاوم سكان المعرة البسلاء جموع الصليبيين مقاومة أكبر من حجمهم لكن الغزاة ما لبثوا أن احتلوا المدينة عند العشاء فأسكتوا أصوات المؤذنين من فوق المنائر وأعملوا في رقاب الناس السيف فقتلوا كل رجل وكل امرأة وكل طفل وجعلوا يطأون بنعالهم جثث القتلى بعد أن ملأت الدروب وسدت المسالك تابع الجيش الصليبي سيره يحصد المدن والقرى حصدا ثم يمم الصليبيون وجوههم شطر بيت المقدس وكان في يد الفاطميين ثم ما لبث أن روع العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه باحتلال الصليبيين لأول القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم دون مقاومة تذكر لقد أباح الصليبيون مدينة السلام سبعة أيام كل يوم منها كمائة سنة مما نعد فأعملوا السيوف في الرقاب وأجروا الدماء في الشوارع ورفعوا من جثث القتلات لالا وصنعوا منها ماتهم قبابا لقد دخلوا الدور فسبوا من فيها واحتلوا القصور فبقروا بطون سكانها بحثا عن الدنانير المخبوئة في الأمعاء ثم داهموا المسجد الأقصى دخلوا في رحابه الأمنة سبعين ألفا مما لا ذوبه فيهم العالم العابد والتقي الزاهد والمرأة والرضيع ودخلوا بخيلهم إلى الحرم القدسي فداست سنابكها على الأشلا وتخضبت قوائمها بالدماء ثم نهبوا ما في الأقصى من النفائس وكان في جملة ما نهبوه رئات القناديل المصنوعة من صاف الفضة وخالص الذهب ثم تركوا حامية في المدينة الحزينة وانطلقوا يفتحون المدن ويدكون الحصون التفت المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلى خليفة مصر الفاطمي صاحب بيت المقدس عله يستنقذه من أيدي محتليه ويطهره من دنس غاصبيه فوجدوه خاضعا لوزيره ووزيره محل ريبة وأرسلوا وفدا منهم فيه القاضي أبو سعيد الهروي إلى خليفة بغداد فنزل الوفد في الديوان الخليفي وروا من الأخبار ما أبكى العيون وقرح الجفون وأوجع القلوب وقاموا بالجامع يوم الجمعة فاستغاثوا وبكوا وأبكوا وذكروا للناس ما دهم المسلمين الصائمين في رمضان من قتل الرجال وسبي النساء ونهب الأموال لكن خليفة بغداد كان مغلوبا على أمره محبوسا في قصره عند ذلك صرف المسلمون أنظارهم عن الخليفتين القابعين على فرش الديباج في القاهرة وبغداد وجعلوا يرمون بأبصارهم إلى آفاق بلاد المسلمين لعلها تطلع لهم نجما يهتدون به في ظلمات ليلهم الحالك فكان أن أطلع الله لهم صلاح الدين ابن نجم الدين أيوب ولصلاح الدين سيرة مشرقة كالسنا مضيئة كالبدر تنير الطريق لمن أراد سلوك الطريق أدرك صلاح الدين أن الخير كامن في أمة محمد صلى الله عليه وسلم كمون الحياة في حبات البذور فهي تبتغي الماء النمير والتربة الصالحة والضوء المشرق لتستيقظ من ثباتها وتملأ الأرض بالنماء والعطاء عرف صلاح الدين المفتاح الذي يفتح به قلوب أمته فوضع يده عليه وأداره في قلوبها بمهارة ففتحها ودخل إليها من أوسع أبوابها ذلكم المفتاح إنما هو مفتاح الدين وأمن بمبدأ الملك القدوة فعظم شريعة الله وامتثل لأوامره واجتنب نواهية فلم تفته جماعة في صلاته إلا نادرا ولم يفته صيام إلا قضاه أما الزكاه فلم يجتمع لديه طول حياته نصابها لم يعلق صلاح الدين قلبه بالنشب والتلاد وإنما ناطه بالنضال والجهاد فقد أمضى ربع قرن من حياته لم يغل له سقف إلا قليلا وإنما كان مسكنه الدائم إما صهوة جواد وإما خيمة تضرب له في العراء ولقد استطاع أن يؤثر في قومه أعظم تأثير فحارب معه الفقهاء والعلماء والأدباء والشعراء والمعلمون ثم الصبية والنساء لقد ساق الله الناس لصلاح الدين زمرًا يؤيدونه ويفدونه وكان إذا دعا إلى الجهاد أقبل إليه المتطوعون بمحض إرادتهم ومطلق حريتهم وقد حمل كل منهم كفايته من الزاد فكانت كثرة جنوده من المتطوعين الذين جاءوا طلبًا لما عند الله من الأجر ومن الشهادة وكان ذلك سببًا كبيرًا من أسباب انتصاراته أدرك صلاح الدين قيمة الثروة البشرية في إشادة الممالك وكسب المعارك فبحث في كل بلد في مصر في الشام في الحجاز في اليمن في بغداد في كل رقعة من بلاد المسلمين عن ذوي الكفاية في السياسة في العلوم في الحروب في الفنون في الآداب وجمعهم من كل قطر فكان له من كل بلد معين ومن كل مصر عضد وصديق وتلك إحدى فرائد صلاح الدين لقد اختار صلاح الدين من العلماء أعلمهم وأصدقهم ومن الدعاء أفقههم بالدين ومن المهندسين أحكمهم فنًا وأوفرهم نشاطًا ومن الرسل أخبرهم بالأمور وأكتمهم للأسرار ثم إنه تحلى بصفات البطولة فلم تفارقه في حالي صحته ومرضه ويومي نصره وهزيمته وأمري عسره ويسره كان إذا حمي الوطيس واشتدت الكريهة وطوقه الموت من كل جانب يطوف بصفوف جنده ويمد يده لمصافحة الموت فيرتد عنه الموت بهذه الصفات قاد صلاح الدين جند المسلمين من نصر إلى نصر إلى نصر وبهذه الخلال استطاع أن يمحو العار الذي لحق بالمسلمين منذ احتل الصليبيون بيت المقدس ففي منتصف رجب سنة 583 للهجرة أحاطت جيوش المسلمين بقيادة صلاح الدين بالقدس حاطة القيد بالمعصم ونصبوا منجنيقاتهم حول أسوارها من كل جانب وسلوا سيوف الله لترتوي من دماء أعداء الله فارتاع الفرنجة من هول ما رأوا وقذف الله في قلوبهم الرعب فما هي إلا جولة صادقة حتى برز البطر يرك يطلب لنفسه ولقومه الأمان فلبى صلاح الدين طلبه قطع الفرنجة على أنفسهم أن يدفعوا عن كل رجل عشرة دنانير وعن كل امرأة خمسة وعن كل طفل دينارين ذلك لمن أراد افتداء نفسه ومن لم يقدر على الفدية وقع أسيرا وفي صباح يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب سنة 583 للهجرة دخل المسلمون إلى بيت المقدس مهللين مكبرين تضج ألسنتهم بالدعاء وتعلو أصواتهم لله بالشكر والثناء وأنزل الصليب الأكبر الذي كان منصوبا على قبة الصخرة ومحيت التصاوير التي كانت منقوشة على جدران المسجد وأزيلت النواقيث من فوق مناراته وانطلقت من فوق المنائر أصوات الأذان وامتزجت أصوات المؤذنين بتلاوة القرآن واجتلب من حلب المنبر الذي صنعه الملك العادل نور الدين زينكي ونذره للقدس حين تفتح وأوقيمت أول جمعة في القدس بعد أن عطلت فيها الجمع نيفا وتسعين عاما وخطب الجمعة القاضي محي الدين بن الزكي ودعيت خطبته بخطبة الفتح وقد جمع فيها الخطيب الأديب سائر تحميدات القرآن ولما قضيت الصلاة جلس صلاح الدين يتقبل تهنئات المسلمين بالفتح المبين هنيئا للمسلمين بصلاح الدين وهنيئا لصلاح الدين بالفتح المبين وضراعة لله أن يكرم المسلمين بيوم آخر كيوم الفتح يمحون فيه العار ويزيلون الشنار يستردون القدس المسلوب ويستنقذون الحرم المغصوب وبذلك تقر عين الفاتح الأول عمر بن الخطاب وتبر روح الفاتح الثاني صلاح الدين