بسم الله الرحمن الرحيم وأظلمت المدينة تلطف النبي صلى الله عليه وسلم في إخبار الصحابة بدنو أجله ويدنو أجل النبي صلى الله عليه وسلم ويقترب فيأخذ بتذكير أصحابه بدنو أجله وكانوا كل ما سمعوا منه صلى الله عليه وسلم شيئا من هذا الحديث أجهشوا بالبكاء فعن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أن بهني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فقال يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فخرجت معه حتى أتينا البقيع فرفع يديه فاستغفر لهم طويلا ثم قال ليهنلكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس أقبلت الفتن كقطاع الليل المظلم يتبع آخرها أولها الآخرة شر من الأولى يا أبا مويهبة إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فقال والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح ابتدأ بوجعه الذي قبضه الله فيه وكان صلى الله عليه وسلم يكثر في تلك الأثناء من تذكيرهم ووصيتهم بدينهم خيرا روا معاذ بن جبل رضي الله عنه قال لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته فلما فرغ قال يا معاذ إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا أو لعلك تمر بمسجدي هذا أو قبري فبكى معاذ جشعا لفراق النبي صلى الله عليه وسلم وكأني به صلى الله عليه وسلم يتلطف بإخبارهم ليودعهم بتلك الوصايا فقد أخرج أبو داود عن العرباض بن سارية قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول الله هذه موعظة مودع إذن فقد أدركوا رضي الله عنهم عظمة الفادحة إنه أجل النبي صلى الله عليه وسلم علموا ذلك من طريقته صلى الله عليه وسلم في الوصية إليهم والموعظة البليغة ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على لقائه وكثرة الجلوس إليه كما روا أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم قال النووي معقبا مقصود الحديث حثهم على ملازمة مجلسه الكريم صلى الله عليه وسلم ويروي أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا آخر يبين فيه طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في تهيئة أصحابه لخبر وفاته صلى الله عليه وسلم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده فبكى أبو بكر وبكى فقال فديناك بآبائنا وأمهاتنا قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به قال ابن حجر وكأن أبا بكر فهم الرمز الذي أشار به النبي صلى الله عليه وسلم من قرينة ذكره لذلك في مرض موته فاستشعر منه أنه أراد نفسه فلذلك بكى ثم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم لزيارة قبور الشهداء في أحد كأنه يودع الأحياء والأموات عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر فقال إني بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد وإن موعدكم الحوض وإني لأنظر إليه من مقامي هذا وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها قال فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم على أزواجه وتظهر عليه أعراض الشكوى من مرضه الذي قبض فيه فعن أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت أول ما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة فاشتد مرضه حتى أغمي عليه وقد أورد مسلمون الحديث عن عائشة بنحوه ويبين الحديث الآتي كيف اشتد المرض بالنبي صلى الله عليه وسلم تلك اللحظات وكيف حاول نساؤه أن يمرضنه أو يخففن عنه حدة المرض تقول أسماء بنت عميس رضي الله عنها فاشتد مرضه حتى أغمي عليه قال فتشاور نساؤه في لده فلدوه فلما أفاق قال هذا فعل نساء جئن من هؤلاء وأشار إلى أرض الحبشة وكانت أسماء بنت عميس فيه قالوا كنا نتهم بك ذات الجنب يا رسول الله قال إن ذلك لداء ما كان الله ليقذفني به لا يبقين في البيت أحد إلا التد وأورد البخاري الخبر برواية عائشة رضي الله عنها قالت رضي الله عنها لددناه في مرضه جعل يشير إلينا ألا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء فلما أفاق قال ألم أنهكم ألا تلدوني قلنا كراهية المريض للدواء فقال لا يبقين في البيت أحد إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم وتروي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها شكوا أخرى بدت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته من جنازة بعض أصحابه تقول عائشة رضي الله عنها راجع إلي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم من جنازة من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا وأنا أقول وا رأساه قال بل أنا يا عائشة وا رأساه قال وما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك فقالت كأني بك والله لو فعلت ذلك لرجعت إلى بيتي فعرست فيه ببعض نسائك قالت فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بدأ في وجعه الذي مات فيه أما مرضه صلى الله عليه وسلم وشدته فإليك حديث عائشة وأبي سعيد وبن مسعود قالت عائشة رضي الله عنها ما رأيت أحدا أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم أما حديث أبي سعيد فقد بينا بعض ما كان يعانيه النبي صلى الله عليه وسلم تلك اللحظات قال أبو سعيد دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فوضعت يدي عليه فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف فقلت يا رسول الله ما أشدها عليك قال إن كذلك يضعف لنا البلاء ويضعف لنا الأجر قال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه وهو يوعك وعكا شديدا ويزداد المرض على النبي صلى الله عليه وسلم ويثقل ويتطلع إلى يومه عند عائشة رضي الله عنها ويسأل عنه كما تفيد الأحاديث في الفقرة الآتية وأظلمت المدينة