أمنا عائشة رضي الله عنها يا عائشة أم الله فقد برأك أشد الناس بلاءني الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل وقد ابتلي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأنواع البلاء فصبر وكان من أشدها على نفسه الطعن في عرض عائشة رضي الله عنها والذي استمر شهرا كاملا لم ينزل عليه فيه وحي ثم أنزل الله في براءة عائشة رضي الله عنها قرآنا يتلى إلى يوم القيامة هذا البلاء اشتهر باسم حادثة الإفك ولو تكلمنا في هذه الحادثة لطالبنا المقام في أكثر من حلقة ولكننا نجتزئ منها الفقرة الأخيرة ونختم بها سلسلة يا عائشة على أمل لقائبكم في سلسلة أخرى إن بالغنا الله وإياكم رمضان القادم إن شاء الله تقول عائشة رضي الله عنها في سردها لقصة حادثة الإفك وأصبح أبواي عندي فلم يزال حتى دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صل العصر ثم دخل وقد اكتنثني أبواي عن يميني وعن شمالي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا عائشة إن كنت قارفت سوء أو ظلمت فتوبي إلى الله فإن الله يقبل التوبة من عباده قالت وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب فقلت ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئا فوعض رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتفدت إلى أبي فقلت له أجب قال فماذا أقول فالتفدت إلى أمي فقلت أجيبيه فقالت أقول ماذا فلما لم يجيباه تشهدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله ثم قلت أما بعد فوالله لإن قلت لكم إني لم أفعل والله عز وجل يشهد إني لصادقة ما ذاك بنافعي عندكم لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم وإن قلت إني قد فعلت والله يعلم أني لم أفعل لتقولن قد باءت به على نفسها وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا والتمست اسمي عقوب فلم أقدر عليه إلا أبا يوسف حين قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون وأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ساعته فسكتنا فرفع عنه وإني لأتبين السرور في وجه وهو يمسح جبينه ويقول أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك قالت وكنت أشد ما كنت غضبا فقال لي أبواي قومي إليه فقلت لا والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه رواه البخاري لقد احتوت حادثة الإفك على عبر كثيرة ولقد ألف فيها العلماء مؤلفات خاصة وشرحها علماء الحديث في كتب الحديث والمفسرون في كتب التفسير ولا يسع المقام لذكر كل ما في هذه الحادثة من الفوائد ولكن لعلنا نختم هذه المقالات ببعض فوائدها الفائدة الأولى لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم عندما تنتشر الإشاعات في المجتمع ويتكلم بها الجميع بدون تحقق تتحول هذه الإشاعة إلى حقيقة واقعة في نفوس الناس بسبب كثرة تداولها وعدم إنكارها وهذا الذي أشارت إليه عائشة رضي الله عنها بهذا القول لأنها كانت متحققة من براءتها اعتقدت أن كل من سيسمع الخبر سيقطع ببراءتها ولنا في هذا درس ألا نصدق الأخبار التي تطعن في أعراضي الناس ولو انتشرت في المجتمع ويجب علينا التحقق مما نسمع فإن أعداء الإسلام يحرصون على نشر الأكاذيب عن دعاة الإسلام وعن العلماء لتشويه صورتهم وصرف الناس عنهم والضغط عليهم ليكفوا عن قول الحق وتكمن خطورة هذه الإشاعات على أفراد المسلمين في تصديقهم لها بكثرة سماعها من غير إنكار حتى تستقر في قلوبهم فيسيئون الظن بعلماء الأمة ودعاتها ويساهمون في الطعن في أعراضهم وهم لا يشعرون الفائدة الثانية قول النبي صلى الله عليه وسلم أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك وفي رواية أخرى عند البخاري يا عائشة أما الله فقد برأك لقد برأها الله عز وجل مما يقوله الناس ومن أصدق من الله حديثا ومن أصدق من الله قيلا فمن طعن في عرضها بعد ذلك فإنما يكذب الله فيما برأها منه ولذلك حكم العلماء بالكفر على من طعن في عرض عائشة بعد أن برآها الله لأنه مكذب لكلام الله عز وجل في القرآن الكريم الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل الأمين الفائدة الثالثة قول عائشة رضي الله عنها لا والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما ولكن أحمد الله الذي نزل براءتي لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه لقد كانت عائشة في غاية الغضب من هذه التهمة الشنيعة التي قيلت فيها وسكوت والديها عن تبرئتها وادفاع عنها فلما برآها الله من فوق سبع سماوات وطلبت منها أمها أن تشكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على براءتها قالت عائشة هذا الكلام ولم يغضب عليها النبي صلى الله عليه وسلم لمقولتها هذه بل عذرها فيما قالت وقد عرفت الحق لأهله فتوجهت بالحمد إلى الله الذي أنزل براءتها قال ابن حجر رحمه الله وعذرها في إطلاق ذلك ما ذكرته من الذي خامرها من الغضب من كونهم لم يبادروا بتكذيب من قال فيها ما قال مع تحققهم حسن طريقتها قال ابن الجوزي إنما قالت ذلك إدلالا كما يدل الحبيب على حبيبه وقيل أشارت إلى إفراد الله تعالى بقولها فهو الذي أنزل براءتي فناسب إفراده بالحمد في الحال ولا يلزم منه ترك الحمد بعد ذلك ويحتمل أن تكون مع ذلك تمسكت بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم لها احمد الله ففهمت منه أمرها بإفراد الله تعالى بالحمد فقالت ذلك وما أضافته إليه من الألفاظ المذكورة كان من باعث الغضب وهذا الموقف من النبي صلى الله عليه وسلم في عذرها بما قالت من جميل أخلاقه صلى الله عليه وسلم وحسن معاشرته لأهله فقد التمس لها العذر فهي من طعن في عرضها وتكلم الناس عليها ولم يبرئها أقرب الناس إليها مع علمهم بحسن سيرتها ونقاء سريرتها الفائدة الرابعة إنه لشرف عظيم لعائشة رضي الله عنها أن ينزل الله فيها آيات تتلى إلى يوم القيامة يعلن براءتها مما نسب إليها فلا يزال المسلمون يتلون هذه الآيات في صلواتهم فتتردد على أسماعهم براءة عائشة فتخبط قلوبهم وتعلو مكانة عائشة في نفوسهم فمن لم ينتفع بما أنزل الله في القرآن وأصر على الطعن في عرضها فإن الله عز وجل سينتقم منه في الدنيا والآخرة واستمرار الطعن في عرض عائشة رضي الله عنها هو استمرار لأجرها حتى لا ينقطع بموتها وهذه فضيلة عظيمة لا توهب لكل أحد فالحمد لله الذي أنزل براءة عائشة في كتابه والحمد لله الذي برأها بنفسه والحمد لله الذي جعلها زوج نبينا والحمد لله الذي وفقنا لحبها والحمد لله الذي يسر كتابة هذه السلسلة عنها في هذا الشهر المبارك والحمد لله الذي جعلنا ممن يحب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويذب عنهم أسأل الله عز وجل أن يجمعنا بنبينا وآل بيته في الفردوس الأعلى وأن يتقبل منا حبنا للنبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته من أزواجه وذريته وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتنا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين أمنا عائشة رضي الله عنها