بسم الله الرحمن الرحيم قصة مريم ابنة عمران عليه السلام مريم العفيفة الطاهرة مدح الله عز وجل مريم في كتابه ووصفها بالعفة والطهر فقال سبحانه والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وبنها آية للعالمين وقال عز وجل ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين وقال سبحانه وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين قال ابن جرير الطبري رحمه الله ويعني بقوله أحصنت حفظت ومنعت فرجها مما حرم الله عليها اباحته فيه بمعنى حفظته من الريبة ومنعته من الفجور وقال السعدي رحمه الله أي صانته وحفظته عن الفاحشة لكمال ديانتها وعفتها ونزاهتها وقال الطاهر بن عاشور رحمه الله والإحصان جعل الشيء حصينا أي لا يسلك إليه ومعنى منعت فرجها عن الرجال إن العفة من أعظم أخلاق الفتاة وهي المحافظة على العرض من أن يدنس بأي صورة من الصور وفي قصة مريم عليه السلام إشارات للوسائل العملية التي تعين كل فتاة للحفاظ على عفتها وأولى هذه الوسائل الانشغال بالعبادة في فترة الشباب فمن شب على شيء شاب عليه ومريم عليه السلام شغلت نفسها من بداية شبابها بالعبادة والطاعة مما أحدث في نفسها الأنس بالله وانشغال القلب بذكره ومن انشغل قلبها بالله ترفعت عن سفاس في الأخلاق والتصرفات التي تدنس عرضها وبتعدت عن مواطن إثارة الشهوات والغرائز ومن ذاقت لذة الأنس بالله لم تبحث عن الأنس بغيره عبر وسائل التواصل الاجتماعي الوسيلة الثانية الابتعاد عن كثرة الخلطة بالناس يقول تعالى مادحا فعل مريم عليه السلام واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا قال ابن جرير الطبري رحمه الله يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم واذكر يا محمد في كتاب الله الذي أنزله عليك بالحق مريم ابنة عمران حين اعتزلت من أهلها وانفردت عنهم وقال ابو زهرة رحمه الله والمعنى أنها اعتزلت الناس ونبذتهم وانفردت لعبادة الله وحدة لا تأنس إلا به ولا يعمر قلبها إلا بذكره واعتزال مريم عليه السلام للناس أورثها الحياة في القلب والتفرغ لعبادة الله والابتعاد عن كثرة اللغو والحديث الذي لا ينفع ولذلك كان العرب قديما يخصصون مكانا للفتاة إذا بلغت تعتزل فيه الناس وتقل خلطتها بهم لينمو الحياة عندها ويزداد حتى ضرب بها المثل في الحياة وجعل حياؤها مقياسا بين الناس حتى قال الصحابة في وصف حياء النبي صلى الله عليه وسلم كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها رواه البخاري فالفتاة العفيفة تحافظ على عفتها بصيانة السور العظيم المحيق بالعفة وهو الحياة الذي إذا هدم جزء منه تأثرت العفة بمقدار ما سقط من سور الحياة قال صلى الله عليه وسلم إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت رواه البخاري وحياة الفتاة اليوم في ميادين الدراسة المختلطة والأعمال المختلطة وجرأتها على مزاحمة الرجال يضعف من سور حيائها المحيط بعفتها فمن خافت على حيائها فعلت كما فعلت البنتين الصالحتين قال تعالى ولمما ورد ما أمدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونه ممرأتين تذودان قال ما خطبكم قال تعالى نسقي حتى يصدر الرعاة وأبونا شيخ كبير إن أول علامة ميزة البنتين هي عدم مزاحمتهما للرجال في السقي قال ابن كثير رحمه الله أي لما وصل إلى مدين وورد ماءها وكان لها بئر يرده رعاء الشاق وجد عليه أمة من الناس يسقون أي جماعة يسقون ووجد من دونه ممرأتين تذودان أي تكفكفان غنمهما أن ترد مع غنم أولئك الرعاة لأن لا يؤذيا فلما رآهما موسى عليه السلام رق لهما ورحمهما قال ما خطبكم أي ما خبركم لا تردان مع هؤلاء قال تعالى نسقي حتى يصدر الرعاة أي لا يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء وأبونا شيخ كبير أي فهذا الحال الملجئ لنا إلى ما ترى وانخراط الفتاة اليوم في مجموعات التواصل المختلطة ومتابعة مشاهير الرجال في وسائل التواصل تظهر بصماته على قلبها وحيائها الوسيلة الثالثة الستر حرصت مريم عليه السلام على الستر في حياتها فخصصت لها مكانا خاصا لعبادتها وسترته بحجاب يسترها من الناس قال تعالى واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقي فاتخذت من دونهم حجابا قال ابن جرير الطبري رحمه الله يقول فاتخذت من دون أهلها سترا يسترها عنهم وعن الناس وقال ابن عطية رحمه الله هي اتخذته لتستتر به عن الناس لعبادتها وقال ابن كثير رحمه الله أي استترت منهم وتوارت الستر هو السور الأعظم المحيط بسور الحياء والعفة الذي إذا انخرم انخرم الحياء معه مباشرة وضعف بمقدار ما تأثر سور الستر في حياة الفتاة وإذا كانت مريم عليه السلام قد سترت نفسها عن أعين الناس عامة من أجل صيانة قلبها من الرياء وقصد الناس في عبادتها فهي كذلك قد سترت نفسها عن كل رجل لا يحل له النظر إليها ومن سترت نفسها بحجاب يمنع رؤية أهلها لها وهي في مكانها تصلي وتذكر الله وتتعبد له حرية أن تستر جسدها إذا خرجت من محرابها لأي سبب من الأسباب إن الفتاة العفيفة تعرف أولى خطوات عفتها من لباسها الدال على مستوى حيائها ومن طريقة مشيتها وتصرفاتها في الطرق العامة قال تعالى فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قال الطاهر بن عاشور رحمه الله والمعنى أنها مستحيية في مشيها أي تمشي غير متبخترة ولا متثنية ولا مظهرة زينة ولا تنجح الفتاة في تحقيق هذه الوسيلة إلا بالامتثال لحديثين اثنين عظيمين الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا رواه مسلم والثاني عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم قبطية كثيفة كانت مما أهداها دحية الكلبي فكسوتها مرأتي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك لم تلبس القبطية قلت يا رسول الله كسوتها مرأتي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم مرها فالتجعل تحتها غلالة إني أخاف أن تصف حجم عظامها رواه أحمد وإني لأرجو من كل فتاة ترجو ما عند الله والدار الآخرة أن تتفكر في هذه الحديثين وتعرف معناهما بشكل واضح ثم تنظر في لباسها ونفسها ومد ابتعادها عن المذكور في الحديثين الوسيلة الرابعة التحسس من اقتراب الرجال لها كانت مريم عليه السلام في محرابها تتعبد إذ دخل عليها الملك في صورة رجل ففزعت وكانت ردة فعلها دليلا على كمال عفتها قال تعالى فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إنني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقي قال ابن جرير رحمه الله يقول تعالى ذكره فخافت مريم رسولنا إذ تمثل لها بشرا سويا وظنته رجلا يريدها على نفسها إن المرأة العفيفة لا تقترب جسديا من الرجال ولو اقترب منها رجل بجسده لتحفزت وجمعت نفسها لألا يمسها إن هذا الشعور وهذه الحساسية من اقتراب الرجال من المرأة دليل على عفتها وتنتقل هذه الحساسية من اقتراب الرجال جسديا إلى اقترابهم معنويا فلما تشعر العفيفة أن رجلا ليس من محارمها يتواصل معها عبر وسائل التواصل من غير ضرورة ولا حاجة لا بد أن تتحسس من ذلك أما فتح المجال للفتاة لتجالس الرجال على طاولة واحدة في الميادين العامة والخاصة ولأي سبب من الأسباب التي يتعذر الناس بها اليوم فإنه بداية الانحراف وانكسار الأسوار المحافظة على العفة فالستر ينهدم والحياء ينعدم والعفة تنخرم والقلب يفسد والعبادة تصبح شكلا بلا روح فمن تأست بمريم عليه السلام فلتراجع وسائل العفة هذه في حياتها نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين