بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة ان تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله حبيب ابن زيد الأنصاري رضي الله عنه في بيت تتضوع طيوب الإيمان في كل ركن من أركانه وتلوح صور التضحية والفداء على جبين كل ساكن من سكانه نشأ حبيب ابن زيد الأنصاري ودرج فأبوه هو زيد ابن عاصم طليعة المسلمين في يثرب وأحد السبعين الذين شهدوا العقبة وشدوا على يدي رسول الله مبايعين ومعه زوجته وولداه وأمه هي أم عمارة نسيبة المازنية أول امرأة حملت السلاح دفاعا عن دين الله وذيادا عن محمد رسول الله وأخوه هو عبد الله ابن زيد الذي جعل نحره دون نحر النبي وصدره دون صدره يوم أحد حتى قال فيهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه بارك الله عليكم من أهل بيت رحمكم الله من أهل بيت نفذ النور الإلهي إلى قلب حبيب ابن زيد وهو غض طري فاستقر فيه وتمكن منه وكتب له أن يمضي مع أمه وأبيه وخالته وأخيه إلى مكة ليسهم مع النفر السبعين من الغر الميامين في صنع تاريخ الإسلام حيث مد يده الصغيرة وبايع رسول الله تحت جنح الظلام بيعة العقبة ومنذ ذلك اليوم غدا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أحب إليه من أمه وأبي وأصبح الإسلام أغلى عنده من نفسه التي بين جنبي لم يشهد حبيب ابن زيد بدرا لأنه كان يومئذ صغيرا جدا ولم يكتب له شرف الإسهام في أحد لأنه كان ما يزال دون حمل السلاح لكنه شهد بعد ذلك المشاهد كلها مع رسول الله فكان له في كل منها راية عز وصحيفة مجد وموقف فداء غير أن هذه المشاهد على عظمتها وروعتها لم تكن في حقيقتها سوى إعداد ضخم للموقف الكبير الذي سنسوق لك حديثة والذي سيهز ضميرك في عنف كما هز ضمائر ملايين المسلمين منذ عصر النبوة وإلى يومنا الذي نحن فيه والذي ستروعك قصته كما راعتهم على مر العصور فتعال نستمع إلى هذه القصة العنيفة من بدايتها في سنة التاسعة للهجرة كان الإسلام قد صل بعوده وقويت شوكته ورسخت دعائمه فطفقت وفوذ العرب تشد الرحال من أنحاء الجزيرة إلى يثرب للقاء رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وإعلان إسلامها بين يديه ومبايعته على السمع والطاعة وكان في جملة هذه الوفود وفد بني حنيفة القادم من أعالي نجد أناخ الوفد جماله في حواشي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف على رحاله رجلا منه يدعى مسيلمة بن حبيب الحنفي ومضائل النبي صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه وإسلام قومه بين يدي فأكرم الرسول صلوات الله وسلامه عليه وفادتهم وأمر لكل منهم بعطية وأمر لصاحبهم الذي خلفوه في رحالهم بمثل ما أمر لهم به لم يكد يبلغ الوفد منازله في نجد حتى ارتد مسيلمة بن حبيب عن الإسلام وقام في الناس يعلن لهم أنه نبي مرسل أرسله الله إلى بني حنيفة لما أرسل محمد بن عبد الله إلى قريش فطفق قومه يلتفون حوله مدفعين إلى ذلك بدوافع شتا كان أهمها العصبية حتى إن رجلا من رجالاتهم قال أشهد أن محمدا لصادق وأن مسيلمة لك الذاب ولكن كذاب ربيعة أحب إلي من صادق مضر ولما قوي ساعد مسيلمة كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا جاء فيه من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ولكن قريش قوم يعتدون وبعث الكتاب مع رجلين من رجاله فلما قرأ الكتاب للنبي عليه الصلاة والسلام قال للرجلين وما تقولان أنتما فآجاب نقول كما قال فقال لهما أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقيكما ثم كتب إلى مسيلمة رسالة جاء فيها بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب السلام على من اتبع الهدى أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين وبعث الرسالة مع الرجلين ازداد شر مسيلمة الكذاب واستشرا فساده فرأى الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن يبعث إليه برسالة يزجره فيها عنغيه وندب لحمل الرسالة بطل قصتنا حبيب ابن زيد وكان يومئذ شاب ناضر الشباب مكتمل الفتاق مؤمن من قمة رأسه إلى أخمص قدميه مضى حبيب ابن زيد إلى ما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم غير وان ولا متريث ترفعه النجاد وتحطه الوهاد حتى بلغ ديار بني حنيفة في أعالي نجد ودفع الرسالة إلى مسيلمة فما كاد مسيلمة يقف على ما جاء فيها حتى انتفق صدره ضغينة وحقدا وبدى الشر والغدر على قسمات وجهه الدميم الأصفر وأمر بحبيب ابن زيد أن يقيد وأن يؤتى به إليه ضحا اليوم التالي فلما كان الغد تصدر مسيلمة مجلسة وجعل عن يمينه وعن شماله الطواغيت من كبار أتباعه وأذن للعامة بالدخول عليه ثم أمر بحبيب ابن زيد فجئ به إليه وهو يرسف في قيوده وقف حبيب ابن زيد وسط هذه الجموع الحاشدة الحاقدة مشدود القامة مرفوع الهامة شامخ الأنف وانتصب بينها كرمح سمهري أحكم المثقفون تقويمه فالتفت إليه مسيلمة وقال أتشهد أن محمدا رسول الله فقال نعم أشهد أن محمدا رسول الله فتميز مسيلمة غيضا وقال وتشهد أني رسول الله فقال حبيب في سخريات لاذعة إن في أذني صمما عن سماع ما تقول فامتقع وجه مسيلمة وارتجفت شفتاه حنقا وقال لجلاده اقطع قطعة من جسده فأهو الجلاد على حبيب بسيفه وبتر قطعة من جسده فتدحرجت على الأرض ثم أعاد مسيلمة عليه السؤال نفسه أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم أشهد أن محمدا رسول الله قال وتشهد أني رسول الله قال قلت لك إن في أذني صمما عن سماع ما تقول فأمر بأن تقطع من جسده قطعة أخرى فقطعت وتدحرجت على الأرض حتى استوت إلى جانب أختها والناس شاخصون بأبصارهم إليه مذهولون من تصميمه وعناده ومضى مسيلمة يسأل والجلاد يقطع وحبيب يقول أشهد أن محمدا رسول الله حتى صار نحو من نصفه بضع مقطعة منثورة على الأرض ونصفه الآخر كتلة تتكلم ثم فاضت روحه وعلى شفتيه الطاهرتين اسم النبي الذي بايعه ليلة العقبة اسم محمد رسول الله نعى الناع حبيب ابن زيد إلى أمه نسيبة المازنية فما زادت على أن قالت من أجل مثل هذا الموقف أعددته وعند الله احتسبته لقد بايع الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة صغيرا ووفى له اليوم كبيرا ولئن أمكنني الله من مسيلمة لأجعلن بناته يلطمنا الخدود عليه لم يبطئ اليوم الذي تمنته نسيبة كثيرا حيث أذن مؤذن أبي بكر في المدينة أنحي على قتال المتنبئ الكذاب مسيلمة فمضى المسلمون يحثون القطى إلى لقائه وكان في الجيش نسيبة المازنية وولدها عبد الله ابن زيد وفي يوم اليمامة الأغر شوهدت نسيبة تشق الصفوف كاللبؤة الثائرة وهي تنادي أين عدو الله دلوني على عدو الله فلما انتهت إليه وجدته مجدلا على الأرض وسيوف المسلمين تنهل من دمائه فطابت نفسا وقرت عينا ولملا ألم ينتقم الله جل وعز لفتاها البر اتقي من قاتله الباغ الشقي بلا لقد مضى كل منهما إلى ربه ولكن فريق في الجنة وفريق في السعير