رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم متفق عليه والمزعة أي القطعة المسألة أي طلب العطاء من الآخرين يلقى الله أي يحشر يوم القيامة من فوائد الحديث التنفير من السؤال والإلحاح فيه لما يورثه من ذل في الدنيا وعذاب في الآخرة العبد يضر بنفسه على قدر مسألته وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة اليد العليا خير من اليد السفلا اليد العليا هي المنفقة والسفلا هي السائلة متفق عليه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأل الناس تكثر فإنما يسأل جمرا فليستقلا أو ليستكثر رواه مسلم تكثر أي ليكثر ماله مما يجتمع عنده من فوائد الحديث تحريم السؤال لغير حاجة وأن ما أخذ بهذا السبيل يكون وبالا على آخذه من أخذ شيئا بغير حق استحق العقاب العبد مختار لفعله وعن سمرة ابن جندب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في أمر لا بد منه رواه الترمذي الكد الخدش ونحوه سلطانا أي ولي الأمر يطلب منه ما أوجب الله له كالزكاة أمر لا بد منه أي حاجة لا يستطيع الاستغناء عنها من فوائد الحديث جواز طلب الحقوق من السلطان وكذلك سؤال الناس للحاجة والنهي عن ذلك في غيرها ينبغي على ولي الأمر أن يتفقد رعيته وأن يوصل الحقوق لأصحابها وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل رواه أبو داود والترمذي يوشك أي يسرع فاقة أي حاجة أنزلها بالناس أي طلب منهم رفعها عنه بإعانتهم وركن إليهم لم تسد أي لم تقضى أو شكى الله له بالغناء أي أسرع غناه وعجله فأنزلها بالله أي سلمها لله وشكى حاله لخالقه وفوض أمره إليه من فوائد الحديث الحض على الصبر على العيش الشديد وعدم الشكوى للناس ترغيب الإنسان الذي ينزل به مكروه أن يكل كشفه إلى خالقه سبحانه وتعالى تنفير العبد من الاعتماد على غير الله في تحقيق سؤله أو دفع كربه من اعتمد على غير الله ضل ومن اعتز بغير الله ذل ومن فوض أمره إلى الله ما زل وما ضل وعن ثوبان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئا وأتكفل له بالجنة فقلت أنا فكان لا يسأل أحدا شيئا رواه أبو داود تكفل أيضا من من فوائد الحديث الحث على عدم سؤال الناس والاعتماد على النفس في قضاء الحوائج فضيلة ثوبان رضي الله عنه حرص الصحابة على الالتزام بعهودهم فقد ثبت عن ثوبان رضي الله عنه أنه كان يقع سوطه وهو راكب فلا يقول لأحد ناولني حتى ينزل فيأخذه وعن أبي بشر قبيصة بن المخارق رضي الله عنه قال تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ثم قال يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة نجتاحت مالة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلان فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا رواه مسلم حمالة أن يقع قتال ونحوه بين فريقين فيصلح إنسان بينهم على مال يتحمله ويلتزمه على نفسه والجائحة الآفة تصيب مال الإنسان والقوام هو ما يقوم به أمر الإنسان من مال ونحوه والسداد ما يسد حاجة المعوز ويكفيه والفاقة الفقر والحجا العقل الصدقة أي الزكا لأنه غارم فيعطى منها يصيبها أي يقضي دينه الذي تحمله لأجلها اجتاحت أي استأصلت السحت أي الحرام الخالص الذي لا شبهة فيه ولا تأويل من فوائد الحديث من تحمل غرما ولم يقدر عليه جاز له الاستعانة بالإمام ليعينه جواز الإقامة عند الإمام حتى يقضي حاجته لا تجوز المسألة إلا لغارم أو رجل نزلت به جائحة استأصلت ماله أو رجل نزلت به فاقة شديدة تجوز المسألة لمن سبق ذكرهم حتى سد الحاجة فإن حصل ذلك وجب الامتناع عن السؤال لأن الزيادة حرام ينبغي على الإمام تعهد رعيته بالنصح والإرشاد وحثهم على التعاون على البر والتقوى وسد حاجة المحتاج وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غناً يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس متفق عليه من فوائد الحديث الحث على تفقد المساكين المتعففين عن السؤال المتظاهرين بالغنى والمتدرعين بالصبر وأنهم أولى بالعطاء باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر عن عمر رضي الله عنهم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول أعطه من هو أفقر إليه مني فقال خذه إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله فإن شئت كله وإن شئت تصدق به ومالا فلا تتبعه نفسك قال سالم فكان عبد الله لا يسأل أحدا شيئا ولا يرد شيئا أعطيه متفق عليه مشرف أي متطلع إليه أفقر أي أحوج فتمول أي اتخذه مالا فلا تتبعه نفسك أي لا تتعلق به من فوائد الحديث جواز أخذ المال وامتلاكه إن جاء من غير مسألة ولا تعلق نفس فضل تملك المال إن كان يستعمله في نفع الخلق ووجوه الخير الحث على الإيثار ومراعاة الأحوج فالأحوج زهد الصحابة رضي الله عنهم في متاع الدنيا وحبهم للتقلل منها للإمام أن يعطي بعض رعيته إذا رأى لذلك وجها فيه مصلحة شرعية وإن كان غيره أحوج إليه منه رد عطية الإمام العادل ليس من الأدب وكراهية السلف لعطية السلطان يحمل على السلطان الجائر من علم أن ما له حلال لا ترد عطيته ومن علم كون ماله حراما فتحرم عطيته ومن شك فيه فالاحتياط ردها وهو الورع شدة اتباع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أمر اشتهر عنه بخاصة باب الحث على الأكل من عمل يده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء قال الله تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وبتغوا من فضل الله عن أبي عبد الله الزبير بن العوام رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه رواه البخاري أحب له جمع حبل فيكف الله بها وجهه أي يغنيه بثمنها عن سؤال الناس وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه متفق عليه من فوائد الحديث الحب على التعفف عن المسألة والتنزه عنها الحث على العمل لتحصيل الرزق لا تحل المسألة مع القدرة على العمل وكسب الرزق بكد اليمين وعرق الجبين ينبغي إجهاد النفس في تحصيل الرزق الحلال فإن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضه الأخذ بالأسباب والشروع في العمل لا ينافي التوكل على الله بيان لما يدخل على السائل من ذل السؤال وهو ذل الرد إذا لم يعطى لا ينبغي احتقار العمل ولاستحياء منه ولو كان يسيرا صغيرا لا قيمة له في نظر الناس وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان داوود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده رواه البخاري من فوائد الحديث حث للمسلم على العمل وأن يكون رزقه من كسب يده وثمرة جهده فضل العمل باليد وأن ما يباشره الشخص بنفسه مقدم على ما يباشره بغيره خص داوود بالذكر لأن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من حاجة لأنه كان خليفة في الأرض كما قال الله تعالى وإنما ابتغى الأكل من طريق الأفضل ولهذا أورده النبي صلى الله عليه وسلم في مقام الاحتجاج التكسب لا يقدح في التوكل الاحتراف للعمل لا يشغل عن الدعوة ولا يلهي عن طلب العلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان زكريا عليه السلام نجارا رواه مسلم من فوائد الحديث فضل العمل والصناعات اقتداء بسلوك الأنبياء عليه مسلام وعن المقدام ابن معدي كرب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داوود صلى الله عليه وسلم كان يأكل من عمل يده رواه البخاري من فوائد الحديث أطيب الطعام وأهنأ العيش ما كان نتيجة السعي وهكذا كان الأنبياء وقد بين الله سبحانه أن من معالم منهجهم أنهم كانوا لا يسألون الناس أجرى رياض الصالحين