نسيم السحر تذكر يوم الحساب تهن عليك مصائبك يلقى المؤمن في هذه الدار الفانية منغصات تكدر صفو حياته وتجعله في ضيق حال مهما اتسع الدنيا وقدر على الوصول إلى كل ما يتمناه من ملذاتها واسباب الترفيه على النفس فيها فمع هذا كله تبقى أمور لا يجد سبيلا إلى التحرر من همومها وأحزانها ومن ذلك أنه قد يكون مظلوما ولا يستطيع الانتصار على ظالمه واستيفاء حقه منه وظالمه متماد في غيه يسرح ويمرح دون أن يرى مصرعه الوخيم وعقابه الأليم وذلك المظلوم يتقطع غيظا ويذوب حسرة ويعيش مع الألم المستمر ومن ذلك أنه قد يرى عيشه مشوبا بعناء لا ينفك عنه فيطلب الراحة من ذلك ولكنه لا يجدها ومن ذلك أيضا أنه قد يحسن إلى الناس ولكن لا يلفي فيهم شاكرا لإحسانه بل ولا سلامة من أذاهم رغم معروفه إليهم فيضيق ذرعا مما يلاقيه ويتضجر مما هو فيه فنقول أيها المؤمن لو كانت الدنيا ستنتهي ولا حياة بعدها يحاسب أهلها على ما قدموا فيها فيحق لك أن تموت حسرات ولكن الأمر ليس كذلك فتذكر دائما أن هناك يوم حساب سيأتي ليجاز كل عامل بما عمل وهناك ينتصر المظلوم ويسل المؤمن المهموم ويلقى جزاء إحسانه خيرا كثيرا فتأمل في قول النبي عليه الصلاة والسلام لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرنا فهذا النص وأمثاله سلوة لكل مظلوم وبشرة تطفع من قلبه لهيب الحسرة والغموم وليست سعادة المظلوم هناك بأن يعذب ظالمه جزاء ظلمه إياه فحسب بل إن المظلوم سيعطى من حسنات الظالم إلى ميزانه وتحمل على كاهل الظالم من سيئات من ظلمه قال النبي صلى الله عليه وسلم إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقدف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من قطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار أرسل أبو العتاهية من السجن إلى أحد ملوك بن العباس كان قد حبسه قوله أما والله إن الظلم لؤم وما زال المسيء هو الظلوم إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم ستعلم في الحساب إذا التقينا غدا عند الإله من الملوم وتأمل في قول النبي عليه الصلاة والسلام يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة أي يغمس غمسة ثم يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط هل مر بك نعيم قط فيقول لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط هل مر بك شدة قط فيقول لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط نعم ينسى المؤمن بأول غمسة في الجنة كل بؤس وعناء وتعب كان لقيه في الدنيا فكيف يحزن المؤمن وهذا الجزاء بانتظاره وهذا الماسح الأخروي سيمسح كل صور الشقاء التي مر بها في دار العبور وتأمل كذلك في قوله تعالى عن أهل الجنة وقال الحمد لله الذي أذهب عننا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المطامة من فضله لا يمسنا فيها نصب لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب فهناك في دار الكرامة يحمد أهل الكرامة ربهم الكريم على السلامة من بلاء الدنيا وأي بلاء ذكروه إنهم ذكروا بلاء الحزن والنصب واللغوب الذي هو التعب والإعياء فعلى أبواب الجنة يلقي المؤمن عنه بؤس الدنيا وذكرياتها الحزينة ويسكن دارا يخلد فيها فرحه بلا ترح وراحته بلا تعب وابتهاجه بلا كدر فكن مؤمنا فقط حتى تسلو اليوم وتنجو غدا