بسم الله الرحمن الرحيم مختصر كتاب رمضان أحداث وعبر معركة عين جالوت الزمان في الخامس والعشرين من رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة للهجرة إن الله تعالى كتب لهذه الأمة ولدينها الحنيف البقاء إلى نهاية الزمان مهما تكالب عليها الأعداء وبضعت جسدها الأدواء وحيكت لها المؤامرات وأحاطت بها الأزمات فهي أمة إن نامت فلن تموت وإن هزمت فلن تفنى غير أنها تمر بمراحل من سنن الله في الحياة التي تقضي بالمداولة وتبادل أدوار السيادة في الأرض وما تلبث أن تعود إلى صحوه بعد سباتها وعزها بعد ذلها وانتشارها بعد انحسارها وتأوب إلى سدة القيادة بعد أن قبعت في وهدة التبعية ولا جرم أنها الأحق في قيادة العالم لكون دينها خير دين والموعود بالظهور على سائر الأديان لأنها أفضل الأمم قال تعالى هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وقال تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتلهون عن المنكر وتؤمنون بالله غير أن تلك الأحقية مشروطة بالتمسك بهذا الدين فمن أخذ به نالها ومن ضيعه فاته ذلك الشرف الرفيع وحين وفى صدر هذه الأمة بذلك الشرط سادوا وعزوا ولكن عندما دب في نفوس الأمة التخلي عن الدين أصاب الأمة من الذل والهوان ما أصابها فقبل قرون من زماننا اجتاح العالم الإسلامي طوفان التتار وذلك لما رأى المسلمين يعيشون حالة من التمزق والاقتتال على السيطرة على بعض المناطق الجغرافية فانطلق عليها من كابول حتى وصل إلى أبواب مصر فبعد أن أنها بلاد المشرق اتجه نحو بغداد ودخلها في صفر سنة 56 600 للهجرة وأفسد فيها فسادا عريضا وبذلك انتهت الخلافة العباسية ولم تنتهي الأطماع التتارية على تخوم بغداد بل امتدت عيونها إلى الشام وما بعدها وفعلا اتجهت أمواج المغول نحو الشام فسقطت مدنها مدينة مدينة وعلى رأسها حلب ثم ختمت بسقوط دمشق وعلى اثر ذلك كان التتار عازمين على اجتياح مصر لأنها آخر معقل استعصى عليهم ولكونها بوابة بلاد المغرب وبالسيطرة عليها سيمتد سلطان الإمبراطورية التتارية من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب هكذا كان هولاكو حفيد جنكيز خان ومن معه يحلمون إن هذه الأحداث المتسارعة المؤلمة أوجدت في المسلمين حالة كبيرة من الرعب والرهبة فصار في أذهان الناس أن هؤلاء الشياطين الآتين من وراء البحار لا يمكن أن يوقفهم شيء وفي هذه الأثناء التي ما زالت الشام تنزف جراحها وتأن تحت وطأة التتار كانت تجري ترتيبات في أرض مصر ستنقلب بها موازين الصراع وتذهب على إثرها رهبة الغول التتري ويجد الناس بلسما يداوي جروحهم السابقة بين يدي معركة عين جالوت في وقت ضعف دولة الأيوبيين كان سلطان دولة المماليك في مصر يقوا عوده ويشتد عموده فبعدما حل الشام ذلك الغزو المرعب كان سيف الدين قطز يعد العدة ويجري التراتيب اللازمة استعدادا لمناجزة التتار في معركة فاصلة وقد قام بأعمال متعددة قبل المعركة منها أولاً عزل السلطان الصغير الذي كان على مصر وكان يومها في سن الخامسة عشرة من عمره أو يزيد عليها بقليل لأن سنه هذه لا تؤهله لمثل هذه المهمة الكبرى ثانياً قيام سيف الدين قطز مكانه وعزل الأمراء والقادة الذين يخاف من شرهم وتولية من يثق بهم ثالثاً دعوة الناس إلى الاستعداد للخروج إلى هذه المعركة وقد انضاف إلى من في مصر واسلمون فروا من الشام من سطوة التتار رابعاً استشار قطز العلماء في جمع ضرائب من الناس لتجهيز الجيش فنهاه عن ذلك العز بن عبد السلام وأشار عليه ببيع جميع ما يمتلك المماليك من الحلي والأشياء الثمينة فرضخ قطز لهذه المشورة فبدأ بنفسه وباع كل ما يملك وتتابع أمراء المماليك وقادتهم على هذا الصنيع فاجتمع من أثمان تلك المبيعات 600 ألف دينار فجهز بها الجيش خامساً التواصل مع بعض أمراء الذين هادن بعضهم التتار لينضموا إليه في محاربة التتار فلم يستجب له إلا أمير حماة وأما البقية فوالوا الأعداء 6 مهادنة القوى الصليبية التي كانت على مقربة من فلسطين حتى يأمن جانبهم وكانوا على حنق كبير من التتار فحصل على ما يريد منهم والسبب أن جيشه سيتحرك عبر الساحل الذي لهم عليه سيطرة 7 أرسله لاكو إلى سيف الدين قطز رسالةً شديدةً لهجة وكلها إرهاب ووعيد وتباهن بقوة جنده وشدتهم على من لم يخضع لهم فقرأها قطز على الأمراء فخاروا وأرادوا أن يسالموا هولاكو ويقدموا له يد الطاعة لكن سيف الدين قطز أبى ذلك وأخبرهم أنهم إن تخلوا عنه فسيخوضوا المعركة وحده فلما رأى الأمراء قوة عزم قطز وافقوه على ما يريد الطريق إلى المعركة وبتدبير حكيم من قطز كان هو الذي اختار مكان المعركة وزمانها فلم يتحصن في مصر وينتظر العدو حتى يقدم عليه فيدافعه من مكانه لأنه قد استقرأ واقع ما حوله من الولايات التي سقطت بأيد التتار فرأى أن بعضها تحصن ولكن لم تنفعه هذه الوسيلة فلذلك تحرك جيش عين جالوت المسلم وكان من خطة قطز الحكيمة أن يرسل طليعة إلى قتال الحامية التتارية في غزة قبل بدء المعركة فأرسل ركن الدين بيبرس البندقداري نحو فلسطين فسار حتى نزل غزة في شعبان سنة 58 600 للهجرة واستطاع ركن الدين بيبرس أن يحقق انتصاراً ساحقاً على تلك الحامية فأخلى غزة من التتار وكان لذلك النصر الساحق أثر كبير في رفع معنويات المسلمين لأن ذلك أول نصر يحقق ضد التتار كما كان له أثر سيء في نفوس التتار الذين كانوا يعتقدون أنهم الجيش الذي لا يهزم اللقاء الدامي في عين جالوت بعد غزة أرسل قطز بين يديه القائد بيبرس فالتقى بطليعة جيش التتار فاشتبك معهم واستمر يناوشهم إلى أن وافاه السلطان قطز بالجيش الرئيس عند عين جالوت في الخامس والعشرين من رمضان سنة 58 600 للهجرة وهناك التق الجمعان وتصاف الفريقان وكان قائد جيش التتار هو كتب قانوين وقد كان من خطة قطز ألا يقحم جيشه كله في ساحة المعركة المفتوحة بل خبأ فرقا منهم خلف التلال فلما دخل التتار الوادي طوق جيشهم من جميع الجهات ودارت معركة حامية الوطيس انكسرت أثناءها ميسرة المسلمين فحمل الملك المظفر بنفسه في طائفة من عساكره وأردف الميسرة حتى جبر ضعفها ثم اقتحم القتال وأبلى في ذلك اليوم بلاء حسنا وهو يشجع أصحابه ويحسن لهم الموت في سبيل الله ويكر بهم كرة بعد كرة وألقى خوذته عن رأسه إلى الأرض وصرخ بأعلى صوته وإسلاماه وحمل بنفسه وبمن معه حملة صادقة فأيده الله بنصره ولم تنقض سوى ساعات حتى بدأ تفوق المسلمين في الميدان وزحقت زهرة القوات الكافرة ومر العسكر في إثل التتار إلى قرب بيسان فرجع التتار والتقوا بالمسلمين لقاء ثانيا أعظم من الأول فهزمهم الله وقتل أكابرهم وعدة منهم وكان قد تزلزل المسلمون زلزالا شديدا فصرخ السلطان صرخة عظيمة سمعه معظم العسكر وهو يقول وا إسلاماه ثلاث مرات فلما انكسر التتار الكسرة الثانية نزل السلطان من على فرسه ومرغ وجهه على الأرض وصلى ركعتين لله تعالى ثم ركب فأقبل العسكر وقد امتلأت أيديهم بالغنائم واستمر ركن الدين بيبرس في مطاردة فلول المغول فوجدهم قد تجمعوا بها ووحدوا صفوفهم للمرة الثالثة استعدادا لمواجهتهم فهاجمهم بكل شجاع وكسرهم كسرة شنيعة وغنم منهم أموالا طائلة وخيولا كثيرة نتائج المعركة كانت نتائج هذه المعركة خيرا عظيما لأهل الإسلام وشرا كبيرا على التتار وأعوانهم فمن تلك النتائج أولا انتصار المسلمين على التتار انتصارا ساحقا لم يحصل من قبل للمسلمين نصر مثله على أولئك الطغاة المفسدين في الأرض ثانيا ادخال الفرحة الكبيرة على أرجاء العالم الإسلامي الذي كان يغلي حقدا على التتار لما فعلوه بالمسلمين من القتل والهتك والتدمير ثالثا قتل عدد كبير من التتار وعلى رأسهم قائدهم كتب قانوين الذي كان قتله كسرا شديدا للتتار أجمعين وغيضا كبيرا على هولاكو نفسه لأن هذا القائد كان عظيما عند التتار يعتمدون على رأيه وشجاعته وتدبيره وكان بطلا شجاعا مقداما خبيرا بالحروب وافتتاح الحصون والاستيلاء على الممالك وهو الذي فتح معظم بلاد العجم والعراق وكان هولاكو ملك التتار يثق به ولا يخالفه فيما يشير إليه ويتبرك برأيه وكان يحكى عنه عجائب في حروبه وبذلك استراح المسلمون من شره ولله الحمد على هلاكه رابعا نيل غنائم كثيرة كانت بأيد التتار خامسا الانتقام من الذين والوا التتار من النصارة وغيرهم في دمشق سادسا تطهير بلاد الشامي من رجس التتار رمضان أحداث وعبر