بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ معَالِمُ فِي طَرِيقِ الثَّبَاتِ التَّأْصِيلُ الصَّحِيحِ ومن وسائل الثَّبَاتِ التَّأْصِيلُ الصَّحِيحِ ونقصد بالتأصيل أن يبني المسلم علمه وعمله على أصول ثابتة راسقة مصدرها الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة مستنيراً بتأصيلات الأمة الأعلام في القديم والحديث قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ونحن نذكر قاعدة جامعة في هذا الباب لسائر الأمة فنقول لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم ولما كان أهل الكلام والفلسفة قد بنوا منهجهم على تأصيلات فاسدة كانوا أكثر الناس اضطراباً وشكا وانتقالاً من قول إلى قول قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالاً من قول إلى قول وجزماً بالقول في موضع وجزماً بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر وهذا دليل عدم اليقين ولهذا قال بعض السلف عمر بن عبد العزيز أو غيره من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل وأما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده بل هم أعظم الناس صبراً على ذلك وإن امتحنوا بأنواع المحن وفتنوا بأنواع الفتن وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين كأهل الأخدود ونحوهم وكسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة وقال ابن القيم في الفوائد من أراد علو بنيانه فعليه بتوثيق أساسه وإحكامه وشدة الاعتناء به فإن البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه فالأعمال والدرجات بنيان وأساسها الإيمان ومتى كان الأساس وثيقاً حمل البنيان وعتلى عليه وإذا تهدم شيء من البنيان سهل تداركه وإذا كان الأساس غير وثيق لم يرتفع البنيان ولم يثبت وإذا تهدم شيء من الأساس سقط البنيان أو كاد فالعارف همته تصحيح الأساس وإحكامه والجاهل يرفع في البناء عن غير أساس فلا يلبث بنيانه أن يسقق قال تعالى أَفَمَنْ أَسْسَسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمَّنْ أَسْسَ بُنْيَانَهُ أَمَّنْ أَسْسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَاجُرْفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَحْمِ الْبُنْيَانَكَ عَلَى قُوَّةِ أَسَاسِ الْإِيمَانِ فَإِذَا تَشَعْعَثَ شَيْءٌ مِنْ أَعَالِ الْبِنَاءِ وَسَطْحِهِ كَانَ تَدَارُكُهُ أَسْهَلَ عَلَيْكَ مِنْ خَرَابِ الْأَسَاسِ وهذا الأساس أمران الأول صحة المعرفة بالله وأمره وأسمائه وصفاته والثاني تجريد للقياد له ولرسوله دون ما سواه فهذا أوثق أساس أسس العبد عليه بنيانه وبحسبه يعتل البناء ما شاء ولقد ضرب الله مثلا لهذا التأصيل الحق في قوله تعالى ألم ترى كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلاهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء فابتدأ الله سبحانه وتعالى بالتأصيل الحق وصفته ثم بالتأصيل الباطل وصفته ثم بثمرت كل التأصيلين من الثبات وعدمه والكلمة الطيبة هي كلمة التوحيد لا إله إلا الله وكل دعوة لا تبنى على هذا الأصل العظيم فهي باطلة فاشلة لأن التوحيد هو أول واجب وآخر واجب فهو البداية والنهاية لا ينفك عنه الداعي والمدعو وهذه الكلمة لها جذورها الثابتة في تربة التقوى فكان فرعها في السماء عالية لا يهتز للفتن ولا تحركه الأهواء والمصالح ولها ثمارها في كل حين في الحرب والسلم في مرحلة الضعف والقوة وفي السجن والانطلاق فلا يعرف صاحبها اليأس والقنوط في كل حين له عمل إما بقلبه وإما بلسانه أو بجوارحه بخلاف تلك الشجرة الخبيثة التي لا جذور لها ولا أصول فما إن تأتي أول فتنة وإذ بها تجتث من فوق الأرض فلا تقوى على الثبات والصمود وبهذا تعرف فائدة التأصيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال كالوعاء إذا طاب أسفله طاب أعلاه وإذا فسد أسفله فسد أعلاه معالم في طريق الثبات