خلاصة مفاهيم أهل السنة الميزان الإلهي وموازين البشر الميزان الإلهي صادر عن الله عز وجل الذي أنزله على عباده ليقوم الناس بالقسط وبالعدل في وزنهم للأمور قال تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وهو الميزان العدل المبرأ من الجهل والظلم والهواء لأنه صادر عن الله تعالى الذي له الأسماء الحسنى وله الكمال والجلال والجمال والعالم بخلقه وبما يصلح لهم في حاضر الزمان ومستقبله وفي غيبه وشهادته وعلى العكس من ذلك موازين البشر المتصفة بصفاتهم من النقص والجهل والظلم ومحدودية العلم والزمان والمكان فلذا جاءت موازينهم متصفة بصفاتهم جاهلة ظالمة ناقصة وحملها الإنسان إنه كان ظلوم جهولا خصائص الميزان الإلهي بما أن الميزان الإلهية مصدره رباني فلا جرم جاء بصفات ثابتة عادلة كاملة شاملة متوازنة لأنها من عند الله عز وجل ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ومن أهم هذه الخصائص أولا التوحيد هو صلب الميزان الإلهي وهو من لوازم ربوبية الله عز وجل الذي له الأسماء الحسنى والذي لا يستحق العبادة بحق إلا هو وحده لا شريك له فبمقدار صحة توحيد العبد وتحقيق عبوديته لله تعالى تصح معاييره ووزنه للأمور أما إذا اختل التوحيد وصرف شيء من العبادة لغير الله تعالى فإن الموازين تختل وتضطرب وتنحرف إن التوحيد ينشئ في القلب والعقل حالة من الانضباط والثبات لا تتأرجح معها الصور ولا تهتز معها القيم ولا يتميع فيها التصور ولا السلوك ويكفي أن نقارن ونوازن بين المسلم الموحد وغيره من أصحاب التصورات الشركية أما في الموازين والأحكام والمواقف ولأن مصدر الميزان ربان لذا جاء يحمل صفة الثبات فيستوي ذلك الميزان في الماضي والحاضر والمستقبل ولا يتغير بتغير الزمان ولا المكان ولا يضطرب ولا يتناقض ويبقى دور العقل البشري ويظل تطور الحياة مرتبطا بهذا المحور الثابت دائرا حوله في إطار ثابت فهما حالتان اثنتان للحياة البشرية ثابتتان في ميزان الله لا تتغيراني مهما تغير الزمان والمكان حالة الهدى وحالة الضلال مهما تنوعت ألوان الضلال ووسائله هذا بعد الحق إلا الضلال فأنا تصرفون ثالثا الشمول والتوازن ولأنه رباني فقد جاء شاملا كاملا متوازنا عدلا شاملا لكل نواح الكينونة البشرية ولكل نواح الحياة وهو شمول متوازن عدل لا يطغى فيه جانب على جانب وسط بين الإفراط والتفريط لأنه من لد عليم خبير حكيم لطيف قوي عزيز ويكفي أن ننظر إلى موازين البشر الجائرة الجاهلية والطرابها وتناقضها ومعاييرها المزدوجة لنرى البون الشاسع بينهما والحسن يظهر حسنه الضد وهذا من أبرز سمات الميزان الإلهي لما لهذه العقيدة من أثر في وزن الناس ووزن القيم وانضباط الأحكام والمواقف والغفلة عن اليوم الآخر تجعل كل مقاييس الغافلين تختل وتتأرجح عندهم القيم والتصورات فيغيب عنهم التصور الصحيح للحياة وأحداثها ومن ثم لا يلتقي إنسان مؤمن بالله واليوم الآخر ويحسب حسابه مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها ولا يؤمن بما وراءها إنهما لا يلتقيان في تقدير ولا ميزان واحد من أمور الحياة ولا قيمة واحدة من قيمها الكثيرة ولا يتفقان في حكم واحد على حادث أو حالة أو شأن من الشؤون فلكل منهما ميزان ولكل منهما زاويته للنظر ولكل منهما ضوء يرى عليه الأشياء والأحداث والقيم والأحوال يختلف الميزان الإلهي للتكريم والإهانة ومفهومهما فبينما هو في الميزان الإلهي قائم على الإيمان والتقوى فمن كان أتقى لله فهو أكرم عند الله عز وجل تجده في موازين البشر الجاهلية قائم على الجنس والتراب والمال والمناسب والأنساب فالمكرم عندهم هو الأكثر مالا وأولادا والأحسن أنسابا ومناصب قال تعالى عن ميزانه العدل وقال سبحانه عن موازين الجاهلية وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين وقال عن بني إسرائيل الذين طلبوا ملكا يقاتلون معه ضد أعدائهم قالوا أن يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤتسعة من المال وقال سبحانه الوطنية والقومية وما ينتج عنهما من موازين الجاهلية من الموازين الجاهلية جعل الوطن والقوم معيار التكريم وتقديمهما على ميزان العقيدة والإيمان فابن الوطن والقوم في موازين الجاهلية هو المكرم المقدم على من سواه من خارج القوم أو الوطن ولو كان تقي مؤمنا ميزان العزة والذلة وهو متفرع عن الميزان الذي قبله فالعزيز في الميزان الإلهي هو المؤمن الموحد المتحرر من ربط العبودية لغير الله والذليل ضد ذلك والذليل ضد ذلك وهو الذي دس نفسه واستعبدته الدنيا وأصنامها فهذا هو الذليل في ميزان الله تعالى قال سبحانه ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون وقال سبحانه وقال سبحانه كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا وقال تسرية للمؤمنين بعد هزيمة أحد ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين وفي دعاء القنوت وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت وللعبد من العزة والتكريم حسب ما معه من الإيمان وعزة المؤمن تجعله كما قال سبحانه في وصف أوليائه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين النور الحقيقي هو ما كان هبة من الله عز وجل خالق النور للأتقياء من عباده يهدي الله لنوره من يشاء وبنوره سبحانه الذي يقذفه في قلب عبده المؤمن يخرج العبد من مسالك الباطل المظلمة إلى درب الحق المنير المستقيم الله ولي الذين آمنوا وشتانا بين من رزقه الله عز وجل نورا يمشي به في الناس ومن كان غارقا في لجج من ظلمات الجهل والكفر يتخبط في حياته بغير هدى من الله ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور فمن لم يرزقه الله إيمانا وهدا فهو محروم من النور الحقيقي مهما كان حاملا لأعلى الشهادات والمناصب الأرضية ومهما كان قارئا لمئات الكتب والمدونات فهو يعيش في ظلمات بعضها فوق بعض وبفهمنا للنور بميزان القرآن يسهل علينا فهم التنوير بميزان الكتاب والسنة من يسمون أنفسهم اليوم بالتنويريين والعصرانيين إن أحق الناس بوصف التنوير هو من كان معظما لنصوص الكتاب والسنة فاهما لها بفهم سلف الأمة راجعا في موازينه وأحكامه ومواقفه إلى نور الله المتمثل في الكتاب والسنة ساعيا لكل تنوير يفتح للعقل لا تحيد عن هدايات الوحي المعصوم الذي يحميه من الضلالات والانفلاتات والفهوم المنكوسة حامل اللواء التنوير هذا هو التنوير الحقيقي لا تنوير أهل البدع والشطحات الذين يصفون انفلاتهم عن نصوص الوحيين وتغييرها بالتنوير والتجديد يتعرض مصطلح التجديد والتغيير للتلاعب به والتلبيس به على الناس حيث يستخدمه الملبسون لتمرير بعض المفاهيم المنحرفة في قوالب مزخرفة ولبيان الحق وإزالة اللبس حول هذا المفهوم نعرض مفهوم التجديد والتغيير في قوالب مزخرفة نعرض مفهوم التجديد والتغيير في ميزان الشرع وما يضاده ويقابله في موازين البشر الجاهلية أولا مفهوم التجديد والتغيير في ميزان الشرع ينطلق هذا المفهوم من أن دين الله عز وجل الذي هو الإسلام إنما هو من عند الله تعالى المبرء من الجهل والنقص والظلم والهواء الحكيم الكامل في حكمته البر الرحيم الكامل في بره ورحمته وبناء على هذه المعرفة فإنه الدين الكامل الصالح لكل زمان ومكان مهما تغيرت الظروف والأحوال والأشخاص الغني عن أي زيادة أو تغيير قال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا وهو ليس في حاجة إلى من يأتي لتجديد أصوله وثوابته وعقيدته وأخلاقه وإذا كان الأمر بهذا الوضوح والحسم فما هو مفهوم التجديد والتغيير الوارد في قوله تعالى حتى يغيروا ما بأنفسهم وفي قوله صلى الله عليه وسلم إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها رواه أبو داوود وصححه الألباني والجواب أن يقال إن المفهوم الصحيح للتغيير في الآية السابقة هو التغيير الذي يقوم به الإنسان إلى الحالة التي يسخطها الله من كفر أو نفاق أو فسوق أو عصيان إلى الحال التي يحبها الله في التزام طاعته واجتناب معاصيه وهذا النوع من التغيير هو الذي يغير الله به أحوال الناس من حال الشقاء والشرور والمصائب إلى حال الخير والرخاء والسعادة وأما مفهوم التجديد التجديد الوارد في الحديث السابق فهو كما شرحه أهل الرواية والدراية بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فقد جاء في عون المعبود عن العلقمي قوله معنى التجديد إحياء من درس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما وفي عون المعبود أيضا قوله والمراد بتجديد الدين للأمة إحياء من درس من العمل بالكتاب والسنة ولا يعلم ذلك المجدد إلا بغلبة الظن ممن عاصره من العلماء بقراءن أحواله والانتفاع بعلمه إذ المجدد للدين لا بد أن يكون عالما بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة ناصرا للسنة قامعا للبدعة وأن يعم علمه أهل زمانه وإنما كان التجديد على رأس كل مائة سنة لانخرام العلماء فيه غالبا أي ذهابهم وثناؤهم واندراس السنة وظهور البدع فيحتاج حينئذ إلى تجديد الدين ثانيا مفهوم التجديد والتغيير في ميزان الجاهلية يحلون من كفار ومنافقين ومن تأثر بهم من جهلة المسلمين وأهل الأهواء مصطلح التجديد والتغيير ويريدون به تجديد أصول الدين وثوابته وتغييرهما بما يوافق العصر ومتغيراته ويوهمون الناس أن هذا خاضع لسنة التغيير التي لا يقف أمامها شي ويمكن تصنيف الناس إزاء قضية التغيير والتجديد إلى المواقف الآتية أولا موقف المنافقين من علمانيين وليبراليين ودعات التغريب والانسلاخ من الدين وهؤلاء يرون في الإنسان بوضعه وتركيبه المادي أنه المرجعية النهائية أن يرسم صورة التغيير الذي يريده وفق عقد اجتماعي معين بعيدا عن الدين والوحي ثانيا الموقف العصراني وهؤلاء منهم بعض أبناء المسلمين الذين يؤمنون بالإسلام لكن بطريقة عصرانية تأتي تحت مسميات مختلفة تارة باسم العقلانية الإسلامية وتارة باسم المسلم المعاصر وتارة باسم الوسطية العصرانية والإسلام المعتدل إلى آخر مثل هذه المسميات وهؤلاء أيضا على درجات فبعضهم يعيش على الأفكار العلمانية فهو متأثر بها بحكم عدوى المجاورة وبعضهم يبتعد موطنه العصراني عن حدوده العلمانية قليلا أو كثيرا ومن سماتهم ما يسمى بالصيولة العامة والتساهل في تناول الأحكام مقابل ما يسمونه بالصلابة والتشدد ويقصدون بذلك أهل الاستقامة والتقى فيتذمرون منهم ويوجهون إليهم سهام النقد ولهم شغف بالتغيير ولو على حساب الدين وأحكامه من قبلهم باستهدافهم جميعا للمنهج غير أن الصنف السابق يستهدف المنهج العام أي الإسلام بعمومه وشموله وكماله وهؤلاء يستهدفون المنهج الخاص منهج أهل السنة والجماعة وأتباع السلف على وجه الخصوص وليس في مثل هؤلاء من يوثق بعلمه الشرعي ولا حميته الإيمانية ولا الفهم الجيد ولا الإدراك المتكامل بل فيهم من أهل الأهواء والأمراض الفكرية الكثير تجديد الخطاب الديني وهذا المفهوم كثيرا ما يطرحه أصحاب الموازين الجاهلية للتجديد وهو مصطلح غامض محتمل للحق والباطل وهو عند المنافقين الليبراليين يراد به المعنى الباطل الذي هو تفريغ الخطاب الديني من مضامينه وأصوله ويستبدلون بها تمييع الأصول والأحكام وتحريفها ويظهر عليهم موافقة الكفار ومداهنتهم في تركي ما يزعجهم من أصول هذا الدين وأحكامه التي تتبرأ من الكفار ومناهجهم وقد يستخدم هذا المفهوم بعض الدعاء ويريدون به المعنى الصحيح ألا وهو تجديد الوسائل في تبليغ الخطاب الديني للناس بما يناسبهم من الوسائل المتاحة في المخاطبة مع البقاء على أصول الدين وأحكامه والثبات عليها ومع أن هذا الاستخدام لهذا المفهوم صحيح وفقد مستخدام مثل هذه المصطلحات الحمالة المشتبهة والاستعادة عنها بمصطلحات لا تحمل إلا معنى واحدا صحيحا قال سبحانه لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا الفرح والسرور الفرح والابتهاج من حيث هو طبع بشري ولم تأتي الشريعة لتلغيه وإنما لترشده وتهذبه ومدحه أو ذمه يكون بحسب بواعثه وأسبابه وطريقة التعبير عنه ونتائجه فإن كان الفرح بطاعة الله وهدايته ونصرة دينه أو بمباح يعين على طاعة الله عز وجل فهو ممدوح ومحبوب لله تعالى قال سبحانه يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحو هو خير مما يجمعون وقال تعالى ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله لما إن كان الفرح بالمعصية أو بمباح يلهي عن الآخرة ويؤدي إلى البطر والفخر فهو مذموم قال تعالى فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقال سبحانه وفرحوا وقال سبحانه عن قارون قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين الفرق بين الفرح والاستبشار إن الفرح المحبوب يكون بعد حصوله والاستبشار يكون قبل حصوله إذا كان يترقبه وكان على ثقة من حصوله قال سبحانه عن الشهداء فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون وبهذه الموازين العادلة النقية نستطيع معرفة الموازين الجاهلية للفرح التي تجعلنا نحمد الله عز وجل على هذا الدين وموازينه العادلة والحسن يعرف حسنه بالضد يحمل الفرح في موازين الجاهلية السمات التالية أولا بواعث الفرح والتعبير عنه عندهم إما إغراق في المباحات حتى تنسى الآخرة أو فرح بمعصية الله ثانيا فرح هؤلاء المغرورين بما عندهم من العلوم والفلسفات الباطلة والثقافات المهلهلة حيث زينها وحسنها الشيطان في عقولهم وجادلوا بها الحق فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ثالثا فرحهم بالرياء والمفاخرة قال تعالى لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فرحهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم رابعا فرحهم بما يصيب المسلمين من مصائب قال عز وجل إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون فرحوا بالتحزب على الباطل قال تعالى كل حزب بما لديهم فرحون سادسا فرحهم باستهزائهم وإيذائهم للمؤمنين قال سبحانه إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون أهلهم قلبوا فكهين ميزان السعادة والشقاوة بمعرفتنا السابقة للمفهوم الصحيح والمفهوم الباطل للفرح والسرور يتضح لنا المفهوم الصحيح والمفهوم الخاطئ للسعادة فأما المفهوم الحق للسعادة فيبينه قوله عز وجل من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون وقوله تعالى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم وقوله تعالى فمن اتبع هدايا فلا يضل ولا يشقى ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى وتكفي هذه الآيات الثلاث لبيان المفهوم الشرعي الحقي للسعادة والشقاوة ويبقى أن نعلم أن تمام السعادة وكمالها لا تكون إلا لأهل الجنة حينما يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور وأما المفهوم الجاهلي المنحرف للسعادة فهو الذي يبرز دور المال والجاه وكثرة الأولاد وأعراض الدنيا ويجعلها مصادر السعادة والأنس بينما يجعلها القرآن في حق من عدم الإيمان مصدرا للشقاء والعذاب قال تعالى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إن للكفر من الألام العاجلة الدائمة ما الله به عليم ولهذا تجد غالب هؤلاء لا يطيبون عيشهم إلا بما يزيل عقولهم ويلهي قلوبهم من تناول المسكر أو رؤية ملهن أو سماع مطرب وقد اعترف كثير من من طلب السعادة عن طريق الدنيا بفشرهم في ذلك من أداه هذا الفشل إلى معرفة الطريق الحقيقي للسعادة فأخذ به ألا وهو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح وذكر الله عز وجل ألا بذكر الله تطمئن القلوب وصدق من قال ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد ميزان الجمال والحسن الجمال ضد القبح وإذا أطلق الجمال فإنه يشمل جمال الظاهر والباطن جمال الأجسام وجمال القلوب والأعمال والأخلاق والميزان الشرعي للجمال يجعل ما في القلوب والبواطن والأخلاق هو معيار الجمال والحسن يجعل الجاهلية في وزنها لهما من جمال الظاهر والأجسام والاعتبار عندهم لجمال الباطن قال الله عز وجل عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم سيماهم في وجوههم من أثر السجود والمراد بسيماء الوجوه كما ذكره أكثر المفسرين نور الطاعة وبهاؤها استنارت بالصلاة بواطنهم استنارت بالجلال ضواهرهم وقال صلى الله عليه وسلم إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم رواه مسلم ولا يفهم من عناية الشرع المطهر بجمال الباطن بل إنه قد اعتنا بذلك وأمثلة ذلك كثيرة مثل أمره بسنن الفطرة والوضوع والسواك والغسل من الجنابة وجمال اللباس والرائحة الطيبة وغير ذلك من صور الجمال الظاهر قال صلى الله عليه وسلم إن الله جميل يحب الجمال رواه مسلم الجمال هنا يشمل جمال الظاهر والباطن وهنا تبدو عظمة هذا الميزان الشامل للجمال والذي يقابله المعايير المنحطة المنحرفة للجمال حيث يحصرونه في جمال الظاهر فقط وجمال الظاهر لا قيمة له عند الله تعالى إذا خلا قلب صاحبه من الإيمان يقول شيخ الإسلام وأما أهل الفجور فتعلو وجوههم ظلمة المعصية حتى يكسف الجمال المخلوق قال ابن عباس رضي الله عنهما إن للحسنة نورا في القلب وضياءا في الوجه وسعةا في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق يقول ظلمة في القلب وغبرة في الوجه وضعفا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق وهذا يوم القيامة يكمل حتى يظهر لكل أحد كما قال تعالى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه الجمال في الموازين الجاهلية يمكن إجمال ذلك في السماة التالية أولا الوقوف مع جمال المظهر في هذه الدنيا فقط سواء كان جمال الجسد أو المال أو الحسب أو المسكن أو المركب وجعل ذلك هو المعيار الأهم للجمال والحسن دون اعتبال لجمال الباطن والأخلاق ولنأخذ المرأة مثالا على ذلك الجمالها عندهم هو جمال الجسد وظهور مفاتنه بل وصل بهم الحال إلى أن يروا الجمال في تعريها عياذا بالله وهذا واضح في مجتمعات الكفار الحيوانية وهو ما ينادي به منافق هذه الأمة وعلى العكس من ذلك جاءت أحكام الشريعة المطهرة وعدم تبرجها وجعلها سلعة رخيصة بيد الذين يتبعون الشهوات يلعبون بها والفطرة السليمة تنفر من انكشاف سواءات المرأة الجسدية وتحرص على سترها ومواراتها والذين يحاولون تعريت الجسم من اللباس وتعريت النفس من التقوى والحياة هم الذين يريدون خصائص فطرته وإنسانيته التي صار بها إنسانا إن التعري فطرة حيوانية ولا يميل إليها الإنسان إلا وهو يرتكس إلى مرتبة الحيوانية بل أضل وإن رؤية العري جمالا هو انتكاس في الذوق البشري قطعا والإسلام حينما يفتح الأماكن ويدخل بحضارته إليها يكون أول مظاهر الحضارة اكتساء المرأة وأما الجاهلية الحديثة فيرتكس أصحابها إلى الحضيض فيأت الإسلام لينتشل المتخلفين منه وينقلهم إلى مستوى حضارته ثانيا هناك تلازم وثيق بين موازين الجاهلية للجمال وموازينهم للتكريم أو الإهانة الذي سبق الحديث عنه وكذلك هناك ارتباط بموازينهم للتقدم والتحضر الذي سبق بيانه ثالثا إن فهم أصحاب الميزان الجاهلي للجمال ينعكس على طرائقهم في التربية لأنفسهم وأهليهم فبينما نجدها عند أصحاب الموازين نجد جمال الذي يحبه الله عز وجل في أنفسهم وأهليهم وهو جمال الدين والأخلاق والقلوب مع عنايتهم بالجمال الظاهر نجده عند أصحاب الموازين الجاهلية منصبا على جمال المظهر وصحة الجسم ومتعته دون العناية بجمال التقوى والأخلاق الربح والخسارة في الميزان الشرعي الربح محبوب للنفوس والخسران مكروه لها ولكن شتان بين ميزان الله تعالى للربح والخسران وموازين البشر الجاهلية شتان بين ميزان من يؤمن بالله واليوم الآخر وما فيه من النعيم السرمدي أو العذاب السرمدي وميزان من لا يؤمن بذلك جاء ذلك جليا في كتاب الله عز وجل في أكثر من آية قال سبحانه أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين وقال عز وجل قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة وذلك هو الخسران المبين وقال تعالى عن الربح الحقيقي ومن الناس من يشري نفسه بتغاء مرضات الله والله رأوف بالعباد ذكر بعض المفسرين عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في صهيب الرومي رضي الله عنه عندما هاجر من مكة إلى المدينة ومنعه المشركون أن يأخذ ماله معه فأعطاهم ماله فأنزل الله فيه هذه الآية وتلقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا له ربح البيع فقال وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم وروي عن ابن مردوين فقالوا له ربح البيع هو الرسول صلى الله عليه وسلم قالها مرتين ولما طعن حرام ابن ملحان رضي الله عنه يوم بئر معونة نضح الدم على وجهه وقال فزت ورب الكعبة متفق عليه وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدم ذلك الفوز العظيم وقوله تعالى إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وقوله تعالى يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغاب أي يغبن أهل النار الخاسرون أهل الجنة الرابحين هذا هو الفهم الصحيح النقي للربح والخسارة ولا يخفى ما تثمره هذه الموازين النقية من تنافس في الأعمال الصالحة وبعد عن مظالم العباد والأجر العظيم في الآخرة وحب الخير للناس ومن إعانة المحتاج وإغاثة الملهوف والرحمة بالمساكن الربح والخسارة في ميزان الجاهلية موازين البشر الجاهلية للربح والخسارة هي التي لا تعير للموازين السابقة أهمية وإنما تحصر ربحها وخسارتها في أرباح الدنيا الزائلة وخسارتها قال تعالى عن أمثالهم وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين وقال عن الذين تمنوا أموال قارون فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ولا يخفى ما لهذه الموازين المعوجة للربح والخسارة من ثمار النكدة على أصحابها في الدنيا والآخرة من الشقاء والعناء والعذاب بها في الدنيا والعذاب الأكبر في الآخرة فمثل هذه الموازين تقود أصحابها إلى نسيان الآخرة وإلى التنافس في الدنيا وحطامها وجمعها من حلال وحرام فوق ما تنطبع به النفوس من المهانة والدناءة والظلم وما تعانيه من الجزع والتسخط عند المصائب وعند فقد متع الدنيا من مال وولد وما تحياه من الشح والأنانية وحب الذات على حساب الآخرين الغنى والفقر في ميزان الشرع يكفينا في المفهوم الصحيح المستقيم للغنى والفقر قوله صلى الله عليه وسلم ليس الغنى عن كثرة العرب ولكن الغنى غنى النفس رواه البخاري فهذا هو الميزان الشرعي لهما ومن ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه ترى كثرة المال هي الغنى قلت نعم وترى قلة المال هي الفقر قلت نعم يا رسول الله قال إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب رواه ابن حبان وقال الشاعر ومن ينفق الساعات في جمع ماله والغنى قسمان غنى سافل وغنى عال فالغنى السافل هو الغنى بالعوار المستردة من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث وهو أضعف الغنى فإنه غنى بظل زائل وهذا غنى أرباب الدنيا الذي فيه يتنافسون والغنى العالي هو الغنى بالله وما يقرب إليه سبحانه فالغنى بالله عز وجل هو الغنى في الحقيقة ولا غنى بغيره البتة والغنى بالله الذي هو غنى القلب يحمي العبد من التطاول على المحرمات والغنى بالله يحرر النفس من عبوذية غير الله والذللة ويجرد عبوذيتها لله تعالى والغني بالله يشح بوقته أن يمضي في غير ما ينفعه في الآخرة ويزهده في الدنيا ويبعده عن المتنافسين فيها والغنى بالله يجعل العبد مؤثرا للحق على الباطل قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث وقال صلى الله عليه وسلم إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة رواه البخاري والغنى بالله يشعر العبد بافتقاره الشديد إلى الله عز وجل ويشعره بالإفلاس والضياع والضعف فيحقق معنى الذكر العظيم لا حول ولا قوة إلا بالله ومن علامات الغنى بالله الاستغناء بالعلم بالله عز وجل وبشرعه وأحكامه إذا الناس استغنوا بأعراض الدنيا الزائلة الغنى والفقر في موازين البشر الجاهلية الشيء يعرف بضده وفهمهم للغنى والفقر هو ما سبق بيانه بأن الغنى عندهم هو كثرة الأموال والأولاد وزينة الدنيا وشهواتها والفقير عندهم من حريمها وقد مر في مفهوم الربح والخسارة بعض آيات في كتاب الله عز وجل تذكر موازين المعرضين عن ربهم للفقر والغنى قالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين وقول صاحب الجنتين لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا وقول بني إسرائيل لنبيهم قالوا أن يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤتس عدا من المال أصحاب هذه الموازين يعيشون بأنفس دنيئة ذليلة متعلقة بالدنيا وأهلها راكنة إلى الأسباب ضعيف توكلهم على الله تعالى بعيدون عن العلم وأهله متعلقون بعلوم الدنيا فحسب ذلك مبلغهم من العلم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ومن عقوبات الله لأهل هذه الموازين محق بركة أموالهم وتعذيبهم بها في الدنيا والخسران في الآخرة قال صلى الله عليه وسلم الربى وإن كثر فإن عاقبته إلى قلة رواه ابن ماجة وصححه الألباني الأمن الأمن ضد الخوف وأمنته ضد آخفته وأقسم تعالى بمكة فقال وهذا البلد الأمين أي الأمن وقال عز وجل عن أهل الجنة إن المتقين في مقام أمين أي قد أمنوا فيه من كل مكروه والمأمن موضع الأمن ثم أبلغه مأمنة والمتدبر لآيات القرآن الكريم يرى أنها تتحدث عن مستويين من الأمن الأمن على مستوى الأفراد الأمن النفسي والأمن على المستوى الجماعي الأمة ففي الأمن النفسي نرى أن القرآن يربط بين رسوخ عقيدة التوحيد في النفس البشرية وعلى العكس من ذلك الذين لم يخالق الإيمان قلوبهم فهم محرومون من الطمأنينة والأمن النفسي فهم على خوف ووجل لا يعرفون لوجودهم غاية في هذا الكون قال تعالى فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون تلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وأما الأمن الجماعي ففي قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا الأمن الشامل عندما يذكر الأمن ومتعلقاته عند كثير من الناس اليوم فإنما يفهمون منه الأمن على الأنفس والأموال والأعراض فحسب مع أن مفهوم الأمن الشامل عندما يطلق فإنه لا يقتصر بل أهم من هذه الضروريات كلها الأمن في الأديان وحمايتها من الانحراف والمفاهيم المغلوطة والأمن على الدين يحتل المرتبة الأولى كما أن من يتحدث عن الأمن يقصر حديثه على الأمن في الحياة الدنيا ولا يذهب فهمه وحديثه إلى الأمن في القبور من الفتنة فيه والعذاب ولا إلى الأمن التام السرمدي وهو الأمن يوم القيامة من أهواله ودخول جنات النعيم التي قال الله عز وجل عنها ادخلوها بسلام آمنين الأمن في الحياة الدنيا لا يتحقق الأمن في هذه الدنيا إلا إذا أمن الناس فيها على ضرورياتهم الخمس الدين والشريعة والأنفس والعقول والأعراض والأموال وبالجملة فإن كل هذه الضرورات لا يمكن أن يأمن الناس فيها إلا بتوحيده وطاعته واتقاء مساخطه وإن لم يكن هذا فإن سنة الله عز وجل وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون وقال عز وجل وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف وإن أكبر مثال على ثبات هذه السنة ما نراه اليوم مما تعيشه البشرية سواء على مستوى الفرد أو المجتمع أو الدولة أو البشرية بأسرها من القلق والحروب والخوف والجوع والظلم والعدوان على كل الضرورات الخمس ومن أجل الذي كفل بعقيدته وأحكامه الأمن والسلام للناس قال سبحانه من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون الذي يقوم به المفسدون في الأرض بصدهم الناس عن الحق ونشرهم للسفاهات والأفكار المنحرفة أو بما ينشرونه من الشهوات التي تفسد على الناس أخلاقهم وأعراضهم فإن هؤلاء وأمثالهم هم أعداء البشرية وأعداء الأمن الحقيقيون وهم دعاة الفتنة والفساد والإرهاب الذين يجب فضحهم وتعريتهم وبيان كذبهم في ادعائهم الحرص على أمن الناس ومكافحة الإرهاب وهو شعور الإنسان بالأمن الداخلي في نفسه وقلبه وتفكيره وشعوره بالطمأنينة والسكينة والأمان في دينه ونفسه وعقله وماله وعرضه وعن أسباب الخوف والقلق على هذه الضرورات ولا يمكن أن يتحقق هذا النوع من الأمن إلا في ظل التوحيد وفي ظل شريعة الرحمن التي أكملها سبحانه لعباده المؤمنين وأودعها كلما يحفظ عليهم أمنهم في الدنيا والآخرة وعن أثر التوحيد في الأمن النفسي يقول ابن القيم رحمه الله تعالى فقر العبد إلى أن يعبد الله سبحانه وحده لا يشرك به شيئا ليس له نظير فيقاس به ولكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الغذاء والشراب والنفس فيقاس بها ولكن بينهما فروق كثيرة فإن حقيقة العبد قلبه وروحه ولا صلاح له إلا بإلهه الحق الذي لا إله إلا هو فلا يطمئن إلا بذكره ولا يسكن إلا بمعرفته وحبه ولا صلاح له إلا بتوحيد محبته وعبادته وخوفه ورجائه ولو حصل له من اللذات والسرور بغيره ما حصل فلا يدوم له ذلك وأما إلهه الحق في كل حال وأينما كان فنفس الإيمان به ومحبته وعبادته وإجلاله وذكره هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه ويصف شيخ الإسلام هذه الحياة الأمنة المطمئنة وذلك أثناء محنته فيقول فإني والله العظيم في نعم من الله ما رأيت مثلها في عمري كله وقد فتح الله سبحانه وتعالى من أبواب فضله ونعمته وخزاء نجوده ورحمته ما لم يكن بالبال ولا يدور في الخيال فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه وكلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه وأما عن أثر أحكام الشريعة الرحيمة في الأمن النفسي فتتمثل في تلك الأحكام التي شرعها الله عز وجل ليأمن فيها العبد على دينه ونفسه وعقله وماله وعرضه ويكفي أن نستعرض بعض أحكام هذه الشريعة من واجبات ومحرمات لنرى أنها إنما شرعت لحفظ هذه الضرورات الخمس وحمايتها وتكميلها وأمنها الأمن الجماعي أمن المجتمع أمن المجتمع واستقراره مرهون بطاعة الله تعالى وتوحيده وبدون ذلك فلا يطمع مجتمع على وجه الأرض في أمن ولا رخاء ولا طمأنين وواقع الأمم والمجتمعات في القديم وفي عصرنا الحاضر يشهد بذلك ويرى الناس هذه السنة الإلهية ماثلة للعيام والآيات في كتاب الله تعالى السابق ذكرها ومن ذلك قوله تعالى في كتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما وقد شرع الله عز وجل في كتابه الكريم وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أحكاما شرعية وحدودا رادعة وآدابا راقية تحفظ للمجتمع أمنة وتجعل أهله آمنين في دينهم وأنفسهم وعقولهم وأموالهم وأعراضهم فيسود بينهم الأمن والمحبة والمودة يكفل له مجتمعهم ويقضى على كل ما من شأنه تفرقهم وعداوة بعضهم لبعض وإثارة الشحناء بينهم ومن ذلك الآيات الكثيرة والأحاديث المستفيدة التي تنهى عن الشرك والنفاق والمعاملات المحرمة وشرب الخمر والزنا والربا والرشوة وأكل المال بالباطل وينهى عن الأخلاق الذميمة كالغيبة والنميمة والسب والفحش والسخرية والمظالم والعدوان والقبف كما حثت نصوص الشرع على التكافل والصدقة وإعانة المحتاج وإفشاء السلام وصلة الأرحام والرحمة بالأنام وتحريم الكبر والخيالاء واتهاجر بين المسلمين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى آخر هذه الأحكام النقية الرحيمة ونظرة سريعة إلى ما تعيشه مجتمعات الكفار التي لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر ترين الحيرة والقلق والأنانية وقطيعة الأرحام وانتشار العداوة وتسلط القوي على الضعيف ومقدم ما الدين ورخاء دنيوي وهذا ما يزيدنا حمدا لله تعالى وشكرا له على ما أنعم علينا من هذا الدين القويم دين التوحيد والسلام والرحمة والوداد أمن البشرية جميعا يكفي في بيان هذا المفهوم قوله تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وقوله عز وجل كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد وما سبق بيانه في أمن الأفراد والمجتمعات إن هو إلا جزء من أمن البشرية والعالم أجمع إن هي أخذت به واستسلمت لاحكامه قد اختصر هذا المعنى ربعي بن عامر رضي الله عنه عندما سأله قائد الفرسي عن سبب غزوهم وجهادهم فقال إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام يقول صاحب الظلال رحمه الله تعالى وما أدق هذا التعبير وأصدقه إنه السلام هو ما يسكبه هذا الدين في الحياة كلها سلام الفرد وسلام الجماعة وسلام العالم سلام الضمير وسلام العقل وسلام الجوارح سلام البيت والأسرة والمجتمع والأمة وسلام البشر والإنسانية السلام مع الحياة والسلام مع الكون والسلام مع الله رب الكون والحياة السلام الذي لا تجده البشرية ولم تجده يوما إلا في هذا الدين في منهجه وشريعته ولا يدرك عمق هذه الحقيقة كما يدركها من ذاق سبل الحرب في الجاهليات القديمة والحديثة ومن ذاق حرب القلق الناشئ من عقائد الجاهلية وحرب القلق الناشئ من شرائع الجاهلية وأنظمتها وتخبطها في أوضاع الحياة وهذا يؤكد لنا تلك السنة الإلهية والحقيقة الشرعية التي مفادها ألا أمن ولا سلام ولا سعادة في الدنيا إلا في ظل الإسلام القائم على توحيد الله عز وجل وعبادته وحده لا شريك له وتحكيم شرعه فإن لم يكن هذا فلن تذوق البشرية طعم الأمن ولا طعم السلام والرخاء والطمأنينة فالحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ومن واجب شكر الله عز وجل على نعمة الإسلام أن نحافظ عليها وأن نتجنب أسباب زوالها كما أن من واجب شكرها السعي لإيصال هذه النعمة إلى من حرمها من البشرية بقدر المستطاع بجهاد البلاغ والبيان أو بجهاد السيف والسنان الذي يزيح من طريقه الطواغيت وذلك هو الفلسفة الفلسفة في الأصل هي البحث في كنه الأشياء وحقائق الموجودات لكنها تشعبت حتى أدخلوا فيها أنواعا أخرى ومنها الفلسفات التي تنكر وجود الأشياء نفسها وتنكر البدهيات والضروريات وتؤمن بالمتناقضات وهي عند العقلاء قريبة من الجنون لا يفصلها عنه إلا خيط دقيق وهي عند بعضهم وهم وعند بعضهم بحث عن شيء ضائع لا يدرون ما هو وهي قديمة ومن أشهر الفلسفة فلسفة اليونان الذين من أشهرهم أرسطو والفيلسوف التائه ديو جنسي وغاية ما وصل إليه فلسفتهم وهم يبحثون فيما هي تلك الكون أن لهذا الكون خالقا وتاهوا بعد ذلك عن صفات الخالق عز وجل ولزم من هذا الضياع أن تاهوا في أصل الإنسان وغايته ومصيره فلم يهتدوا إلى ذلك سبيلا فقس هذه الدرجة التي وصل إليها فلسفة الغرب والشرق باليقين الذي كان عند سلف الأمة لاسيما الصحابة رضي الله عنهم لتعلم أن هؤلاء الحيارة ما وصلوا إلى هذه الدرجة الدنيا من الحق إلا بسبب عقولهم القاصرة بينما جاء الوحي المنزل بالإجابة على هذه الأسئلة الكبرى في آيات معدودة من القرآن فهدى الله المؤمنين ووفقهم بفضله ورحمته وحرم منه من شاء من خلقه فخذ له بعدله وحكمته وعلمه ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير والفلسفة هي تحكيم العقل القاصر وهي إيمانيا من تزين الشيطان وزخرف القول غرورا والفلاسفة مغرمون بالأساليب الغامضة والخفية والبعيدة الملتوية الفلسفة الغربية يتسم الموقف الفلسفي الغربي بالتذبذب فهو يرى الإلحاد ثم ينتقل إلى نقيضه دون توسط وعلى سبيل المثال انتقال الفلسفة الغربية من الرهبانية إلى الإباحية الشهوانية ومن ملامح هذه الفلسفات الضالة نشأت فلسفات أخرى واستوردت فلسفات أهمها فلسفة وحدة الوجود وفلسفة التعطيل والحلول التي انتقلت إلى أهل البدع والكلام عند المسلمين وفلسفة الشك في كل شيء ومن ذلك البدهيات والقطعيات والكلام في الفلسفة والقضايا الفلسفية طويل لكننا نختصره بأنه ليس أمامنا إلا طريقين لا ثالث لهما وإما أهواء الخراصين الذين لا يعلمون إما الحق وإما الضلال قال تعالى ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون وقال عز وجل فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنا تصرفون عز وجل أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب الحدافة أصلها من التحديث أي التجديد والتطوير وهي في ظاهرها خروج النصوص الأدبية شعرا ونثرا وفي حقيقتها إخراج كل نص ومن ذلك الكتاب والسنة عن المعقول وحدود المألوف أو المنطق والقياس العقلي إلى اللامعقول التنوير يطلق في الغرب على إنكار الدين والهروب من الكنيسة أكثر الغرب بعد القرن التاسع عشر وتلقفها المنافقون من بني جلدتنا ليعطلوا بها شريعة الإسلام التي هي تنزيل من حكيم حميد وهي مرادفة للتنوير وأصحابها هم الذين يقدمون العقل على النقل ولا يؤمنون إلا بالمحسوس خلاصة مفاهيم أهل السنة