خلاصة مفاهيم أهل السنة التفكر في حقيقة الدنيا والآخرة أول درجات السلوك إلى الله تعالى إدراك حقيقة كل من الدنيا والآخرة والعلاقة بينهما وقد قال الله تعالى كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة عن ابن عباس في معنى الآية يعني في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها وقال الحسن هي والله لمن تفكر فيها ليعلم أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء وليعلم أن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء قرور الدنيا وزوالها بين الله حقيقة الدنيا وفنائها وأنها مع ذلك تغر كثيرا من الناس بمتاعها وزخرفها قال الله تعالى اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور فبعد هذا التفصيل للحياة الدنيا وطبيعتها وسرعة تحولها وانقضائها نصت الآية على أن كل هذا متاع الغرور يغر المرأ ويصرفه عما ينبغي أن يعده للآخرة والمتاع هو ما يستمتع به فترة ثم يزول بخلاف النعيم الموصوف بأنه دائم ومقيم وجنات لهم فيها نعيم مقيم وكذلك حذر الرسول صلى الله عليه وسلم أمته من الاغترار بالدنيا وزينتها فقال إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها متفق عليه قال ابن القيم وسماها زهرة فشبهها بالزهر في طيب رائحته وحسن منظره وقلة بقائه وأن وراءه ثمرا خيرا وأبقى منه إنما الحياة حياة الآخرة القرآن الكريم مليء بالآيات التي تصف الدار الآخرة وما فيها من نعيم مقيم للطائعين وعذاب أليم للكافرين والعاصين ومن أصرح الآيات في بيان حال الآخرة مقارنة بالدنيا قول الله تعالى وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون فالحياة الحقيقية هي الحياة الدائمة الخالدة التي لا موت فيها ولا فناء لها وهكذا ينبغي أن تكون النظرة إليها لو كانوا يعلمون وكذلك قال الله تعالى وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع وقد قال صلى الله عليه وسلم ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه وأشار بالسبابة في اليم فلينظر بما ترجع رواه مسلم فالحياة الدنيا مهما امتدت وطالت فهي محصورة محددة والآخرة أبدية لا نهاية لها ولا نسبة ولا مقارنة بين المحصور المحدد وغير المحصور الممتد إلى ما لا نهاية العجب ممن ينشغل بالدنيا الفانية عن الآخرة الباقية يقول الله تعالى ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون فرغم كل ما قيل في الدنيا والآخرة والنسبة بينهما فإن أكثر الناس ينشغلون بالدنيا عن الآخرة وما ذاك إلا لأن الظاهر المشاهد والحاضر المحصوس يطغى في نفسي من لا علم له على الغائب المؤجل ولو دلت عليه النصوص والأدلة العقلية فترى أهل الدنيا يجزمون بوقوع الأمر الذي عقدت أسبابه بينما يذهلون عن الأمور الغيبية الأخروية ولا يحسبون لها حسابا فيبرعون في كل ما له علاقة بالحياة الدنيا الظاهرة كتقدمهم في علوم الذرة والتقنية الحديثة ولكن لا يوظفون ذلك فيما فيه فلاحهم في الآخرة لأنهم عنها غافلون عاقبة إيثار الدنيا على الآخرة كل من آثر الحياة الدنيا على الآخرة فقد طغى في نظرته إليهما وحكمه عليهما لأنه تجاوز أمر الله إليه ومراده منه في النظر إليهما قال الله تعالى فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى فمن آثر الدنيا على الآخرة وعمل لها وحدها اختلت كل الموازين لديه وعد طاغيا باغيا متجاوزا للحدود فاستحق أن تكون الجحيم هي نهايته ومأواه مكمن الخلل هو في تصور استحالة الجمع بين الدنيا والآخرة من قصور النظر في العلاقة بين الدنيا والآخرة ضمن استحالة الجمع بينهما نجد قوما جعلوا همهم الدنيا وقصروا نظرهم إليها واستدلوا على ذلك بالنصوص التي فيها الحث على العمل والكسب في الدنيا ونجد آخرين صرفوا إلى الآخرة وترك الدنيا لأهل الفساد يعيثون فيها ويعبثون واستدلوا على ذلك بالنصوص التي تحث على الزهد في الدنيا أما أهل الحق والوسطية في النظر إلى علاقة الدنيا بالآخرة فقد جمعوا بين النصوص كلها فتوجهوا إلى الدنيا بعمارتها وإصلاحها ومدافعة المفسدين فيها وعدّوها مزراعة للآخرة فجعلوها في أيديهم لا في قلوبهم وصيروها ممرًا ومعبرًا إلى الآخرة وهذا هو فهمهم لكونها فانية لا تساوي شيئًا في مقابل النعيم الأبدي في الآخرة وهو ما فهموه من قول الله تعالى وبتغي فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغي الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين منهج الله هو الذي يجمع بين طريقي الدنيا والآخرة الأصل في طبيعة الحياة الإنسانية أن يلتقي فيها طريق الدنيا وطريق الآخرة فيكون الطريق إلى صلاح الدنيا هو ذاته الطريق إلى صلاح الآخرة والإنتاج والنماء والوفرة في عمل الأرض هو ذاته مؤهل لنيل ثواب الآخرة كما أنه المؤهل لرخاء هذه الحياة الدنيا والإيمان والتقوى والعمل الصالح هي أسباب عمران هذه الأرض كما أنها هي وسائل الحصول على رضوان الله وثوابه الأخروي هذا هو الأصل في طبيعة الحياة الإنسانية والذي لا يتحقق إلا حين تقوم الحياة على منهج الله الذي رضيه للناس فهو المنهج الذي يجعل العمل عبادة والخلافة في الأرض وفق شريعة الله فريضة فالخلافة عمل وإنتاج ووفرة ونماء وعدل في التوزيع يفيض به الرزق على الجميع وتعبيد الناس لرب العالمين من تمام إدراك حقيقة كل من الدنيا والآخرة من تمام إدراك حقيقة كل من الدنيا والآخرة معرفة الحكمة من تفضيل بعض الناس على بعض في أمور الدنيا وهي أن يسخر بعضهم بعضا في الأعمال والحرف والصنائع كما قال الله تعالى أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون إذ لو تساوا الناس في الغنى ولم يحتج بعضهم إلى بعض لتعطلت كثير من مصالحهم ومنافعهم ولفسدت معايشهم والله سبحانه أوضح أن هذا التفضيل هو في أمور الدنيا فقط أما الآخرة وأمورها فمعيار التفضيل فيها هو التقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم ولهذا قال تعالى عقب بيان علة التفضيل الدنيوي ورحمة ربك خير مما يجمعون وهو نظير قوله تعالى في سورة يونس قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون وقوله تعالى في سورة الزخر في نفسها بعد بيان التفاضل الدنيوي وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين الفرار إلى الله حقيقة الفرار سرعة الهرب من شيء إلى شيء وقول الله تعالى ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين صرح فيه بما يفر المرء إليه وهو الله عز وجل ولم يذكر ما يفر منه صراحة ولكن لما جاء في آخر الآية تعليل الأمر بالفرار إني لكم منه نذير مبين ظهر في التعليل أيضا أن المراد أيضا الفرار من الله منه فالفرار من الله إلى الله والمقصود الفرار من غضبه وعدابه وموج بذلك إلى رضاه وثوابه وموج بذلك وعلى هذا يصح القول إن المقصود الفرار من كل ما يصد عن الله إلى ما يوصل إليه فيفر من الجهل إلى العلم ومن الكفر إلى الإيمان ومن المعصية إلى الطاعة بل يفر كذلك من قضاء الله وقدره إلى قضائه وقدره كل شيء تخافه تفر منه إلا الله الأصل أن كل شيء تخافه تفر منه فإذا خفت من بطش ظالم في الدنيا فررت منه ولجأت إلى من هو أقوى منه تستعين به عليه أما الله سبحانه فإنك إن خفته تفر إليه كما جاء في قول الله تعالى وظنوا ألا ملجأ من الله إلا إليه وكما في آخر دعاء المرء إذا أوى إلى فراشه لا ملجأ ولا منجأ منك إلا إليك لأنك إذا خفت من الله فإنما تخاف معصيتك له وظلمك لنفسك والله سبحانه هو الحكم القصط لا يظلم الناس ولا يبخسهم أعمالهم وهو مالك الكون كله وبيده الأمر كله فمن ذا الذي يمنعك منه لهذا لا تلجأ إلا إليه وتستعيذ برضاه من سخطه كما في الحديث اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك رواه مسلم فرار الناس نوعان للناس في حالهم مع الله والفرار حالان وهما نوعان فرار السعداء وهو الفرار إلى الله كما سبق بيانه وفرار الأشقياء وهو الفرار من الله لا إليه فيتيهون عن سبيل الله ويغرقون في وحل الشبهات والشهوات اللجوء لغير الله مذلة إذا كان المرء لا يلجأ من الله إلا إليه فمن باب أولى ألا يلتجأ من كل ما سوى الله إلا إلى الله سبحانه فلا يخشى أحداً سوى الله ولا يذل نفسه لغير الله تعالى ولا يبتغي العزة عند الكافرين الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلن نبتغي العزة بغيره رواه الحاكم وبن أبي شيبة وكذلك يلجأ المرء في توكله وإنابته ودعائه إلى الله سبحانه فيسأله وحده الرزق والأمن وكل ما يبتغيه ويتمناه من الحلال المباح الهجرة إلى الله من تمام فرار المرء إلى الله ولجوءه إليه أن يهجر كل ما يصده عن السبيل إليه كما قال صلى الله عليه وسلم المهاجر من هجر ما نهى الله عنه متفق عليه وكما قال إبراهيم عليه السلام لقومه إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم فهي هجرة نفسية قبل أن تكون هجرة مكانية يترك فيها المرء كل شيء في بيئته ووطنه يعيقه عن الوصول إلى الله فمهما كانت بيئة المرء قاسية وملوثة يحرص هو على أن يكون نقي صافيا كما يخرج الله من بين ثرث ودم لبن خالص فتكون هجرته كاملة من حال إلى حال ومن أواصر شتى إلى آصرة واحدة لا يزاحمها في النفس شيء وذلك تمام التجرد والخلوص والاستسلام لله تعالى والطمأنينة واليقين به سبحانه سبيل الله هو سبيل الرشاد والهداية الرشاد هو الهدى والحق والسبيل إلى الله هو الذي يحقق هذا الرشاد كما قال مؤمن آل فرعون لقومه يا قوم اتبعون أهدكم سبيلا الرشاد وقال الله تعالى فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون وهذا السبيل يحرم منه المتكبرون في الأرض المكذبون بآيات الله الغافلون عنها قال تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين وضد الرشاد الغواية وغالبا ما ترتبط بالتكبر كما ذكرت الآية وهو حال اليهود لاستكبارهم على الحق مع معرفتهم به فاستحقوا غضب الله كما أن الضلال ضد الهداية ومنبعه الجهل وكان هو سبب حراف النصاراء الذين استحقوا وصف الضلال عن الحق التسامي والارتفاع إلى مستوى الدين الحق حتى يحقق المره هجرته إلى الله ويتبع سبيلا الرشد لا بد له أن يتحمل مسؤوليته تجاه دينه ويتسامى ويرتفع بمستواه إلى مستوى هذا الدين الحق فيرتفع بمستواه في حقيقة معرفته بالله وحقيقة إيمانه به تعالى ويرتفع بمستواه في عبادته إياه ويرتفع بمستواه في وعيه لما حوله ومعرفة أساليب عصره ورحم اللهم رأن عرف زمانه واستقام الطريقته العبرة بكمال النهاية لا نقص البداية ينبغي أن لا يعير المرء وينظر إليه نظرة اصدراء لأي ذنب اقترفه ما دام قد تاب منه إذ المقرر شرعا أن المرء بعد توبته أفضل حالا منه قبل التوبة فنبي الله آدم عليه السلام قد وصف في أول الأمر بأنه عصى ربه ثم لم يمنع ذلك أن ينعم الله عليه بالاجتباء بعد توبته ووصفه بالهداية وجعله من الأنبياء المصطفين قال الله تعالى وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدا وقال تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا والمرأة التي زنت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم تابت وأقاموا عليها الحد وسبها خالد بن الوليد حين أصابه من دمها عند رجمها أنكر النبي صلى الله عليه وسلم عليه ذلك وقال مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تاب التوبة لو تابها صاحب مكس لغفر له رواه مسلم الاستقامة أمر الله في كتابه الكريم بالاستقامة فقال فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغو إنه بما تعملون بصير وقال تعالى فاستقيموا إليه واستغفروه وأمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال قل آمنت بالله ثم استقم رواه مسلم والاستقامة هي الاعتدال والمضي قدما على المنهج دون انحراف وعوجاج ولهذا وصف الطريق إلى الله الذي يطلب المؤمنون الهداية إليه بأنه الصراط المستقيم والاعتدال وعدم الانحراف يعني لزوم العدل بين طرفي الغلو والإفراط والتقصير والتفريط فالاستقامة إذن تعني التوسط بين هذه الطرفين فهي بمعنى الوسطية وهي كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين كله فتكون في الاعتقاد والعبادة والشريعة والأخلاق التأكيد في الاستقامة على عدم الغلو والطغيان رغم أن الاستقامة تعني كما أسلفنا الاعتدال بين كل من الغلو والتقصير أو الإفراط والتفريط إلا أننا نجد قول الله تعالى فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغو إنه بما تعملون بصير قد أعقب الله فيه الأمر بالاستقامة بالنهي عن الطغيان والمجاوزة أي الإفراط والغلو ولم يذكر التفريط والتقصير وإنما وردت الإشارة إليه فقط في قوله تعالى فاستقيموا إليه واستغفروه حيث أشار بالاستغفار إلى طلب مغفرة ما قد يصاحب الاستقامة من تقصير وخلل فكان التأكيد على عدم الغلو والطغيان بالنهي عنه صراحة لأن المؤمن حين يتلقى الأمر بالاستقامة يثمر ذلك في نفسه يقضة وتحرجا قد يفضي به إلى الغلو والمبالغة التي تحول الدين من يسر إلى عسر فنبه الله تعالى على ذلك لأنه يريد دينه كما أنزله دون غلو فيه أو إفراط ثمرات الاستقامة الاستقامة على الدين كلها خير فهي تثمر الجزاء الحسن في الحياة الدنيا قال تعالى وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا كما تكون عاقبتها البشرة بالأمن والسرور في الآخرة إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون الصارف العام كثيرة هي الصوارف عن الطريق إلى الله وأولها وأعمها الغفلة عن الآخرة وطريقها وأصل الغفلة عن الشيء تركه على وجه السهو عنه والنسيان له وتشمل أيضا إهمال الشيء والإعراض عنه قال الله تعالى وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين أي معرضين وقال تعالى اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون أكثر العالمين بأمور الدنيا غافلون عن الآخرة أكثر أهل العلم والخبرة بأمور الدنيا يغفلون عن الآخرة ويضلون عنها ضلالا بعيدا فتراهم ما بين مشرك عابد للأصنام مثل اليابانيين عباد بوذا أو من أهل الكتاب المشركين بالله أو ملحد منكر لوجود الإله مثل كثير من علماء أوروبا وإمريكا وصدق الله تعالى إذ يقول يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون والمفترض أن يكون التقدم في علوم الدنيا هاديا لهم إلى الإيمان بخالق الكون وإدراك الغاية من خلقهم كما قال تعالى سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكفي بربك أنه على كل شيء شهيد ولكن هذا هو فقط حال من وفقه الله منهم إلى الهداية وقليل ماهم ويكون إيمانهم حينئذ راسخا نابعا من إدراك شواهد الحق في الكون التفريط والجفاء التفريط هو التضييع والتقصير وعاقبته في الآخرة الحسرة والندامة قال تعالى قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها أي يا ندامتنا على ما ضيعنا من عمل الجنة وقصرنا فيه الغلو والإفراط الغلو مجاوزة الحد ومنه قول الله تعالى قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق والإفراط السبق والتقدم ومنه الدعاء في الصلاة على الطفل الميت اللهم اجعله لنا سلفا وفرطا وأجرا أي سابقا إلى الجنة وسببا في اللحاق به فيها والمقصود هنا أن المفرط الغالي هو كل من سبق وتقدم الطريق حتى جاوز الحد وخرج عنه فيكون تقدمه على غير هدى مسببا لتجاوز الحد والخروج عن الطريق قال الطبري في تفسير الآية لا تفرطوا في القول فيما تدينون به من أمر المسيح فتجاوزوا فيه الحق إلى الباطل فتقولوا فيه هو الله أو هو ابنه ولكن قولوا هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وقال صلى الله عليه وسلم إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين أخرجه النسائي وبن ماجة وصححه الألباني فالغلو والإفراط إذن هو مجاوزة الحد وتعد ما أمر الله به أو فعل ما لم يشرعه الله عز وجل ولا رسوله صلى الله عليه وسلم وليس المراد به الاجتهاد في الطاعة وفق الكتاب والسنة الصحيحة فذلك أمر مشروع بخلاف الغلو المذموم كلا طرفي القصد ذميم الطريق إلى الله وسط بين كل من الإفراط والتفريط لا غلو فيه ولا جفاء كما قال بعض السلف ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان إما إلى تفريط وإما إلى مجاوزة وهي الإفراط ولا يبالي بأيهما ضفر زيادة أو نقصان قد يجتمع في المرء الواحد إفراط وتفريط قال ابن القيم عن الإفراط والتفريط وقد يجتمعان في الشخص الواحد كما هو حال أكثر الخلق يكون مقصرا مفرطا في بعض دينه غاليا متجاوزا في بعضه والمهدي من هداه الله التسويف التسويف هو التأخير والتأجيل ومنه قولك سوف أفعل كذا وهو داء عضال وأكثر الأمور بعد الغفلة صرفا للمرء عن سلوك الطريق إلى الله عز وجل فكم من كافر أراد الإيمان فصرفه التسويف عنه حتى مات على كفره وكم من عاص تمنا التوبة فحال التسويف بينه وبينها حتى وافته المنية وهو على معاصيه لم يتب منها وكم من عازم على الجد أو ساع إلى فضيله صرفهما التسويف عما أراد من خير فينبغي لكل عاقل أن يحزم أمره إذا أراد فعل خير أو الانتهاء عن باطل فيبادر بذلك ويحذر تأجيله وقد قال بعض السلف أنذركم سوف فإنها أكبر جنود إبليس فالمسوف معين لإبليس على نفسه إذ باجتماع التسويف مع الوسوسة بالباطل تصعب مجاهدته ويعسر الخلاص منه وصاحب العزم والحزم ساع دائما إلى أمر الآخرة فإذا جاءه ملك الموت لم يندم أما المسوف فيتجرع مريرا ندم وقتل ارتحال من الدنيا ويتحسر على ما فوة من خير بتسويفه وتوانيه وسوسة الشيطان وظيفة الشيطان الرئيسة هي الوسوسة في صدور الناس بالباطل فهو الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس وسواء كان الشيطان من الجن الذين لا ندري كيف يوسوسون إلينا وإن كنا ندرك آثار وسوستهم في حياتنا الدنيا أم كان من الإنس وهم دعاة السوء الذين يغرون رفقاءهم بارتكاب الموبقات فقد أخبرنا الله تعالى أن الشياطين من الجن والإنس كما قال تعالى من الجنة والناس وقال تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي من عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا فشيطان الجن يوحي ويوسوس إلى وليه من الإنس ليضل به الناس إضافة إلى إضلاله لهم بذاته ووسوسته المباشرة كما قال تعالى وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون الشيطان خناس الخناس صيغة مبالغة من الخنس أي كثير الخنس والخنس هو التواري والتخفي والغياب والتأخر والتنحي والانقباب وكون الشيطان خناسا يفيد أمرين أولا أنه يوسوس إلينا من حيث يرانا ولا نراه لأنه مختف عننا كما قال تعالى إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ثانيا أنه ينقبض ويذهب ويزول عند ذكر الله تعالى وذلك دلالة على ضعف كيده أمام ذكر الله والاستعادة به سبحانه منه ومن وسوسته قال تعالى إن كيد الشيطان كان ضعيفا والله سبحانه لم يتركنا في معركتنا مع الشيطان مجردين من العدة والذخيرة فقد جعل لنا من الإيمان جنة ودرعة ومن الذكر عدة ومن الاستعادة سلاحا فإذا أغفل الإنسان درعه وعدته وسلاحة فهو إذن وحده الملوم الشهوات تعد الشهوات من أكبر صوارف النفس عن الطريق إلى الله تعالى فهي قسيمة الشبهات في هذا الصدد ولكنها في الوقت ذاته مغروزة في النفس البشرية لا يمكن إنكارها كما قال تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرف ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب وهي ضرورية للحياة البشرية كي تنمو وتطرد فتجنب آثارها السلبية لا يكون بإنكارها وكبتها وإنما يكون بالتسامي بالنفس البشرية وضبطها لتقف عند الحد السليم والمباح من مزاولة هذه الشهوات دون الاستغراق فيها والمجاوزة إلى الحرام فالاستعداد لتسامي النفس البشرية وربط قلب المرء بالملأ الأعلى وطلب الآخرة ورضوان الله هو الذي يقي الإنسان من سفور النفس والحيوانية في مزاولة الشهوات فقد ختم الله آية حب الشهوات السالفة بقوله والله عنده حسن المآب شؤم المعصية يندر أن تقع المعصية منفردة بل الغالب أن يسبقها أو يرافقها أو يتبعها معاص أخرى متعددة فحسدوا إخوتي يوسف لآخيهم وحقدهم عليه أوقعهم في عدة معاص بدأت باتهامهم لأبيهم وهو النبي الكريم بالضلال المبين إن أبانا لفي ضلال مبين ثم كذبهم على أبيهم واتحايل عليه لأخذ يوسف معهم ثم غصبهم قميص يوسف ليستعملوه في جريمة أخرى ثم ألقوا يوسف في البير معرضينه لخطر الموت واستتبعوا ذلك بالكذب عدة مرات فتظاهروا بالبكاء نفاقا لتمرير قصتهم المكذوبة بقتل الذئب لآخيهم والكذب بوضع الدم على قميص يوسف وكذلك معصية الزنا مثلا يسبقها معصية النظر المحرم وسائر مقدمات الزنا كذبا ما يصاحبها شرب للخمور والمخدرات والتحايل والكذب لإخفاء تلك المعصية وربما وقع المرء في السرقة لاستجلاب المال اللازم لاقترافها وقد يحصل الحمل من فتسع المرأة وحدها أو مع خليلها إلى التخلص من الجنين وقتله أو يكشف أمرهما فيتخلصان ممن عرف الأمر وكشفه وهل مجرى فلا تقف المعصية غالبا عند حد اقترافها مجردة ومن شؤم المعصية أيضا أن المرأة يفعلها أول مرة وفي نفسه منها حرج وتأنيم ضميره لفعلها ثم لا يلبث أن يكررها مرة ثانية وثالثة حتى يألفها ويزول إنكارها ثم يشتد ارتباطه بها حتى يصعب عليه فراقها مبطلات الأعمال يقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ومبطلات الأعمال متنوعة وتشمل الأمور الآتية أولا ابطال الأعمال حال عملها وذلك بما يفسدها من الرياء وعدم الإخلاص فيها ثانيا ابطال الأعمال بعد عملها وذلك بالمن بها والإعجاب والفخر والسمعة كما قال الله تعالى قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذا والله غني حليم يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذا كالذي ينفق ما له رئاة الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ثالثا ابطال أثر الأعمال بالإكثار من المعاصل التي تضمحل معها الأعمال ويزول أجرها قال تعالى بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون وأكثر ما يكون ذلك بظلم العباد في نفس أو عرض أو مال قال صلى الله عليه وسلم إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاه ويأتي وقد شتم هذا وقدف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار رواه مسلم رابعا ابطال العمل بالإتيان بمفسد من مفسداته مثل مبطلات الصلاة والصيام ونحوها خامسا قطع العمل بعد الشروع فيه وهو أمر غير مشروع من غير موجب الله وقد استدل العلماء بقوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم على تحريم قطع الفرض وكراهة قطع النفل من غير موجب لذلك تدبر آيات الله المتلوة التدبر مأخوذ من الدبر الذي هو مؤخرة الشيء فالتدبر هو النظر في عواق الأمور وما تقول إليه وتدبر كتاب الله إذن هو التفكر الشامل الموصل إلى دلالاته ومقاصده الكلية النهائية قال الله تعالى كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب وقال تعالى أفلا يتدبرون القرآن والمقصد الأساس لكتاب الله تعالى هو الهداية كما قال تعالى إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوى وحين سأل المؤمنون ربهم في سورة الفاتحة الهداية إلى الصراط المستقيم يأتيهم الجواب في افتتاح سورة البقرة بعدها مباشرة ذلك الكتاب لا ريب فيه هدا للمتقين فكان تدبر القرآن على هذا يثمر معرفة مقصده الرئيس الذي هو سلوك سبيل الهداية فهو أنفع شيء للمرء في سلوكه إلى الله تعالى حيث يعرفه ربه المعبود والطريق الموصلة إليه وما له من الكرامة إذا قدم عليه كما يعرفه في المقابل ما يصرفه عن سلوك هذا السبيل يدعو إليه الشيطان والطرق الموصلة إليه وما لسالكها من الإهانة والعذاب هدي السلف في التعامل مع القرآن لم يكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقتصرون في تعاملهم مع القرآن على إقامة أحكام تلاوته ولا مجرد فهم معانيه وتدبره بل يضيفون إلى ذلك كله يرصى على العمل بما فيه وهذا هو المنهج الذي يكون به القرآن هاديا للمرء في سلوكه إلى الله قال ابن مسعود كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن وقال عبدالله ابن عمر لقد لبثنا برهة من دهر وأحدنا ليؤت الإيمان تنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما يتعلم أحدكم السورة ولقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان يقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يعرف حلاله ولا حرامه ولا أمره ولا زاجرة ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه وينثره نثر الدقل التفكر في آيات الله المشهودة في الآفاق آيات الله الكونية باهرة عظيمة ولكن تكرار ظهورها أمام الحس والنظر يجعلها مألوفة لدى المشاهد فيضمحل تفكره فيها وتأمله لها فإذا ما قصدت تفكر فيها وفي عظمتها تيقض حسه وامتلأ قلبه رهبة وتعظيم لخالقها ومحبة واجلال له سبحانه فينبغي على المرء أن يتأمل الجبال الشاهقات وما يكسو بعضها من أشجار والأرض وما فيها من مسالك وسهول وجنات والبحر واتساعه وارتفاع ومواجه إذا ما ثار وهاج والسماء وما فيها من كواكب ونجوم مزينات وهاديات إلى آخر ذلك وصدق الله تعالى إذ يقول سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكفي بربك أنه على كل شيء شهيد ويقول تعالى إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب توازن آيات الله الكونية وخضوعها لنظام دقيق إذا من تقل المرء من التفكر في آيات الله الكونية إلى دراستها ومعرفة نظامها سيجد أن كل شيء فيها يخضع لنظام دقيق ومتوازن يحفظ هذا الكون من الدمار والفناء فيوقن عندها أن وراء ذلك خالقا مدبرا حكيما رحيما تقوم السماوات والأرض بأمره سبحانه ثمرة التفكر في آيات الله الكونية لا تتحقق إلا لأولي الألباب اليقين بخالق السماوات والأرض وقدرته وحكمته وعظمته الناجم عن التفكير في آيات الله الكونية لا يتحقق مع الأسف لكل الناس وإنما هو نصيب أولي الألباب قال الله تعالى إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب وهم الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار فيصاحب تفكرهم توجه إلى الله تعالى بالذكر والدعاء والعبادة فيثابون على ذلك أثر معرفة أسباب الظواهر ينبغي أن لا تؤثر معرفة أسباب الظواهر الكونية سلبا في ثمرة التفكر في الآيات الكونية نفسها فلا ينقص إدراك أثر الجاذبية على الأجرام أو نشوء الليل والنهار عن العلاقة بين الشمس والأرض أو أسباب ظاهرته الكسوف والخسوف إلى آخر ذلك ينبغي أن لا ينقص إدراك ذلك من أثر التفكر في هذه الآيات في توجه المرء إلى رب هذا الكون بالعبادة والإجلال بل يرشده ذلك إلى عظيم قدرة الله الخلاق التفكر في آيات الله في الأنفس يقول الله تعالى وفي أنفسكم أفلا تبصرون فما الذي نبصره في الأنفس عند التفكر في ذلك نجد أن النفس البشرية هي العجيبة الكبرى في الأرض فهي عجيبة في تكوينها الجسماني وفي تكوينها الروحي عجيبة في ظاهرها وباطنها فيدهشك تكوين أعضاء الإنسان وتوزيعها ووظائفها وطريقة أدائها عملية الهضم والامتصاص الغدد وإفرازاتها بنمو الجسد ونشاطه تناسق الأجهزة كلها وتعاونها إلى آخر ذلك وتدهشك أسرار الروح وطاقاتها المعلومة والمجهولة وطريقة إدراكها لما حولها وحفظها للمعلومات والصور المختزنة أين يحدث ذلك وكيف كيف يتكون الجنين في رحم أمه وكيف ينمو ويتطور كيف تحمل خلية واحدة هي أصل تكوينه صفاته الموروثة من الأبوين والأجداد والأقارب القريبين أو البعيدين كيف ينفصل الجنين عن أمه ويستهل صارخا لتبدأ رئاتاه بالتحرك للاعتماد على نفسه في التنفس وبدء الحياة على الأرض كيف يتحرك لسانه بعد قليلا لينطق بالحروف والكلمات ويتعلم اللغة كيف تتكون علاقاته مع الآخرين كما قال الله تعالى وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا فيتزوج ويسكن لزوجه ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون كيف تختلف ألسنة البشر وألوانهم ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين وأخيرا وليس آخرا كيف يبدأ المرء حياته مولودا ضعيفا لا يعلم شيئا والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ثم ينمو رويدا رويدا حتى يصبح شابا فتيا يملأ الأرض حيوية وحركة ثم يشيخ فيعود ضعيفا كما كان أول مرة ويموت ويغيب في التراب قال الله تعالى الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير وغير ذلك الكثير والكثير فكل جزئية في حيات هذا المخلوق لنا خارقة من الخوارق لا ينقضي منها العجب خارقة مذهلة تنبي عن القدرة العظيمة التي لا تكون إلا لله الواحد القهار وتوصلنا إلى الإيمان بالله سبحانه وحث الخطى في السير إليه والسعي لمرضاته وعبادته حقا العبادة التفكر في آلاء الله سبحانه وامتنانه ومعنى بها على خلقه لقد حفل القرآن الكريم بذكر العديد من نعم الله سبحانه التي لا تعد ولا تحصى كما قال تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها والله سبحانه حين يمتن على عباده بذكر نعمه عليهم إنما يدعوهم بذلك إلى معرفته ومحبته واجلاله والإيمان به وبسائر أركان الإيمان فهو يمتن عليهم بالنعم ليحققوا إسلامهم له فتتم بذلك نعمه عليهم إذ نعمة الإسلام هي رأس النعم كما قال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا وقال تعالى كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون كما أنه عز وجل قال عن من كفره ولم يشكر نعمه يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون شكر النعمة ينبغي على كل فرد أن يشكر الله تعالى على ما أنعم به عليه ولا يغتر وينسبه لنفسه وإنما يرجع الفضل في ذلك كله إلى الله فإن شكر النعمة موجب للحفاظ عليها وزيادتها كما قال تعالى لإن شكرتم لأزيدنكم وليعلم أن هذا الشكر لا ينتفع به الله عز وجل وإنما يرجع نفعه إليه هو نفسه فقد قال سليمان عليه حين أحضر إليه عرش ملكة سباء هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم والشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح النعم الدينية والنعم الدنيوية النعم الدينية أعظم وأجل من النعم الدنيوية بل هي النعم الحقيقية التي تدوم ويدوم أثرها إذا زال غيرها لذا ينبغي لمن وفق إلى نعمة دينية من علم شرعي أو عمل صالح أن يشكر الله على ذلك ليزيده من فضله وليندفع عنه الإعجاب بنفسه الذي قد يحبط عمله الله بشكره بعد بيانه لما أنعم به علينا من النعم الدينية فبعد أن امتنع علينا بقوله تعالى كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون قال فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون هل لله على الكافر نعمة حين نقسم النعم إلى نعمة خاصة هي نعمة الهداية والإيمان ونعم عامة هي نعم الدنيا التي يشترك فيها الخلق جميعا يصح باعتبار هذه النعم العامة والنظر إليها أن نقول إن لله على الكافر نعم كما هي أما إذا نظرنا إلى النعمة الخاصة فحسب نعمة الهداية والإيمان فيصح أن نقول إن الكافر محروم من هذه النعمة وعند ذلك تكون نعم الدنيا على الكافر نقمة وبلية باعتبار أنه لم يؤدي شكرها فلم توصله إلى ثمرتها المرجوة الهداية والإيمان قال الله تعالى يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون وقال ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلو قومهم دار البوار نعم الله لا تعد ولا تحصى أكثر النعم لا يدركها الإنسان ولا يحصيها الله تعالى وإن تعد نعمة الله لا تحصوها وذلك لأنه يألفها لكثرة مخالطته لها فلا يشعر بها إلا حين يفقدها كنعم الصحة والسمع والبصر والكلام والعقل والماء والزرع والأنعام إلى آخر ذلك وهو حتى مع إدراكه لما يدركه منها إنما يدركه على وجه الإجمال دون إدراك أو استحضار ما تحته من نعم تفصيلية فنعمة اللسان مثلا يدرك المرء منها أنه يستخدم في الكلام والتذوق ويذهل عن كيفية مشاركته مع الأحبال الصوتية في الحنجرة وحركته المختلفة داخل تجويف الفم لإصدار الأصوات بنسق وترتيب معين ينتج عنه أحرف وكلمات تكون جملا بمختلف اللغات واللهاجات تسهل عليه التواصل مع بني جنسه ثم يذهل عما ينتج عن الكلام الطيب من نعمة الحسنات التي يثاب بها عليه في الآخرة وفي مجال التذوق يذهل عن تفاصيل تلك العملية الناجمة عن استشعار الحراش في التي تغطي لسانه للحلو والمر والحامض والمالح من خلال فروع عصبية تحت الحراشف تتصل بالمخ في الدماغ ليحلل معلومة المذاق ثم يعيدها للحراشف لتكون ادراكها له كل هذا في نعمة واحدة ظاهرة جلية فما بالك بسائر النعم كلها وقصار ما يستطيعه المر هو أن يصنف النعم إلى نعم في خلق السماوات وما فيها من أجرام وكواكب وشموس وأقمار والأرض وما عليها من جبال وسهول وسبل وأنهار وما ينبت فيها من زروع وأشجار وما يدب عليها من أنعام وحيوانات والبحار وما فيها من أسماك وزينة وما يسير فيها من مراكب وفي كل جزئية وتحت كل فرع وتصنيف قصص الألاف من النعم التي لا تعد ولا تحصى التأمل في سير الأنبياء مع قومهم وغايته الغاية الكبرى من دراسة قصص الأنبياء مع قومهم هي أخذ العبرة والموعظة منها قال تعالى لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب قصص الأنبياء ونجاة المؤمنين من أكد العبرة المستقات من قصص الأنبياء مع قومهم نجاة المؤمنين وهلاك الكافرين فهذا مذكور بوضوح في كل قصصهم وهو سنة ماضية فعلى المؤمنين مهما ابتلوا ألا ييأسوا وليعلموا أن العاقبة لهم فليتلقن المرتاب وليتب المذنب وليقوى فبهذا يكون الاتساء بالأنبياء فبهداه مقتده من أهم العبرة المستقات من قصص الأنبياء الاقتداء بهديهم قال تعالى أولئك الذين هدى الله فبهداه مقتده ويمكن اجمال هذا الاقتداء في أولا الاقتداء بهم في خيريتهم قال تعالى إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعون نا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ثانيا الاقتداء بهم في صبرهم على أذى قومهم لهم قال تعالى ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ثالثا الاقتداء بهم في شفقتهم على أممهم ورحمتهم بهم ونصحهم لهم ويكفينا في ذلك قول الله تعالى لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عندتم حريص عليكم بالمؤمنين رأوف رحيم الاقتداء بهم في منهجهم في دعوة قومهم غض البصر غض البصر يورث زكاة النفس وطهارتها كما قال تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم ولكي يحقق المرء ذلك عليه أن يبدل أسباب الوقاية من إطلاق البصر والطلاع على عورات النساء من خلال اتباع الآتي أولا يتحاش أماكن الاختلاط بالنساء المتبرجات كالشواطئ المختلطة والمتنزهات والأسواق المختلطة كذلك ثانيا يحذر المجلات والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي التي تنشر المقاطع المثيرة للفتن والشهوات ثالثا وليتذكر دائما حديث الرسول صلى الله عليه وسلم والعين تزني وزناها النظر وقال صلى الله عليه وسلم في آخره والفرج يصدق ذلك أو يكذبه متفق عليه ضبط الخواطر والأفكار أولا كل إنسان مفكر وكل مفكر عامل فالخواطر والأفكار هي مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري فإنها تنتج التصورات والتصورات تدعو إلى الإرادات والإرادات تقتضي وقوع الفعل وكثرة الفعل تجعله يستحكم ويصير عادة فبحسب خواطر وأفكار كل إنسان تكون أعماله إن حسنت حسن العمل وإن ساءت ساء العمل فينبغي على المرء أن يضبط خواطره وأفكاره حتى ينضبط سلوكه ويتوجه إلى ما يرضي الرب سبحانه ثانيا دفع الخواطر السيئة أيسر من دفع التصورات ودفع التصورات ومعالجتها أيسر من دفع الإرادات وهكذا يزداد الأمر صعوبة كل ما وفرق في نواتج الخواطر والأفكار حتى إذا ما أصبح الأمر عادة مستحكمة عسر جدا عليه الإقلاع عنها فلا يمكنه ذلك إلا أن يمنى الله عليه بتوبة من عنده وتوفيق منه سبحانه ثالثا قد لا يملك الإنسان منع الخواطر ابتداء لأنها تهجم عليه فجأة ولكن يطيع بقوة الإيمان ورجاحة العقل أن يصفي هذه الخواطر فيقبل الحسن منها ويرضى به ويساكنه ويدفع القبيحة ويكرهه وينفر منه كما قال بعض الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم إنا نجد في أنفسنا ما يتعاضم أحدنا أن يتكلم به قال صلى الله عليه وسلم وقد وجدتم قلوا نعم قال ذاك صريح الإيمان رواه مسلم وفي رواية الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوس أي كيد الشيطان رواه أحمد وأبو داوود فرد وساوس الشيطان وكراهتها هو صريح الإيمان رابعا منع الخواطر السيئة أن يشغل المرء نفسه دائما وأبدا بما يعنيه وما ينفعه في آخرته ودنياه فينصرف بذلك عن الفكر فيما لا يعنيه وما لا فائدة فيه وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه رواه الترمذي وبن ماجه مقومات الوصول إلى الحق لا بد من ثلاثة مقومات رئيسة للوصول إلى الحق في قضية أو نقاش ما التجرد لله والبعد عن المؤثرات الجماهيرية وإعمال الفكر والعقل وذلك كله مجموع في قوله تعالى قل إنما أعذكم بواحدة تقوموا لله مثنا وفرادا ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد وبيانه كالآتي أولا التجرد لله والإخلاص له في البحث عن الحقيقة يدل عليه قوله تعالى أن تقوموا لله لا لوجه الله خالصا لا لحمية ولا لعصبية بل لطلب الحق وظهوره ولو على لسان المخالف ثانيا البعد عن المؤثرات الجماهيرية يرشد إليه قوله تعالى مثنا وفرادا لأن الكثرة والاجتماع تشوش الخواطر وتعم البصائر وتدفع الروية فيها الإنصاف ويكثر التعصب والحمية فيبحث المرء القضية مع نفسه أو مع آخر على الأكثر ليراجع أحدهم الآخر بعيدا عن التأثر بعقلية الجماهير التي تتبع لانفعال الطارئ ثالثا العلم وإعمال الفكر والعقل يرشد إليه قوله تعالى ثم تتفكر فالتفكير والعلم وإعمال العقل هو المتمم للمنهج الإلهي للوصول إلى الحق وتبين الهدى من الضلال فلا بد للمرء أن يكون مؤهلا من الناحية العلمية لبحث المسألة أو القضية المراد معرفة الحق فيها ويكون على دراية بحال هذه القضية وأوجه الخلاف فيها وإلا لم يكن تفكير فائدة ترجى الاجتهاد في الطاعات يورث مزيدا من الهداية قال الله تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين قيل في تفسيرها الذين يعملون بما يعلمون يهديهم الله لما لا يعلمون وقد قرر في القرآن جعلوا أعمال البر المتعلقة بالقلوب والجوارح سببا في الهداية وزيادتها قال الله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم وقال تعالى إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدا وقال تعالى الذين اهتدوا هدا وقال النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء رواه مسلم فمن معه نور وبرهان وضياء كيف لا يبصره الله بحقائق الأمور ويزيده هدا بعد هدا ومصداق ذلك أيضا قول الله تعالى في الحديث القدسي وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافلي حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها رواه البخاري فكل من وفق للاجتهاد في الطاعات يكون ذا بصيرة نافذة ونفس مطمئنة ويزداد هدا بعد هدا ملازمة الاستعانة بالله وتوفيقه الاتكال على النفس سبب للفشل والخذلان والاستعانة بالله واللجوء إليه والبراءة من الحول والقوة سبب للتوفيق والرشاد فبنو إسرائيل لما اتكلوا على أنفسهم وقالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا تسبب حالهم هذا في الفشل والتولي فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم ولما لجأوا إلى الله وقالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين كانت النتيجة فهزموهم بإذن الله دوام مراقبة الله تعالى دوام مراقبة الله تعالى واستحبار علمه سبحانه بالأمور كلها والطلاعه على ما في القلوب في كل وقت وآن دافع رئيس وسبب عظيم حاث على سلوك طريق الله تعالى والبعد عن كل ما يشغل عنه من الأفكار رديئة وبنيات الطريق ويكفي في تحصيل ذلك تدبر قوله تعالى قل إن تخفو ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله تقديم محبة الله ورسوله على محبة كل ما سواهما المحب الصادق يميل إلى ما يوافق محبوبة ولا يقدم عليه شيئا من المحبوبات فينبغي على المرء حين يعرض عليه أمران أحدهما يحبه الله ورسوله وليس لنفسه فيه هوى أو ميل والآخر تحبه نفسه وتشتهيه ولكنه يفوت عليه محبوبا لله ورسوله أو ينقصه ينبغي عليه حينئذ أن ينظر مع أي الأمرين هو وما الذي سيقدمه على الآخر وليكن مرشده ودليله في ذلك الاختيار قول الله تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال قترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا لا يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين واليحذر ما ورد في الآية من وصف من يقدم شيئا مما ذكر فيها على محبة الله ورسوله بالقوم الفاسقين الذين يحرمون الهداية كما قال الله تعالى والله لا يهدي القوم الفاسقين ولا يرضى الله عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ثم ليحكم بعدها على نفسه أهو ممن يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله أم أنه في عداد الفاسقين الممقوتين من الله تعالى تعظيم حرمات الله إن تعظيم حرمات الله تعالى من تعظيمه سبحانه ومما يعين المرأة في إليه فتعظيمها يحول بين المرء والذنوب كما يحث على الاجتهاد في أداء الواجبات قال تعالى ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وحرمات الله تشمل الأوامر والنواه فتعظيم الأوامر برعايتها وتنفيذها في أوقاتها المحددة المنضبطة شرعا وتعظيم النواه يكون باجتنابها واجتناب كل ما قد يوصل إليها وحرمات الله أيضا تشمل الأماكن والأوقات ولا يعظم مكان ولا زمان إلا ما دل الكتاب والسنة على اختصاص بالتعظيم فمن الأماكن المعظمة شرعا المسجد الحرام ومسجد الرسول الله عليه وسلم والمسجد الأقصى والمشعر الحرام بمزدلفة وعموم المساجد وتعظيمها يكون بالاجتهاد في الطاعات فيها وتجنيبها المعاصي والسيئات ومن الأزمنة المعظمة شرعا الأشهر الحرم وشهر رمضان ويوم عرفة وعيد الفطر والأضحا ويوم الجمعة ولا آخر ذلك وتعظيمها يكون بعمارتها بالطاعات وتجنيبها الذنوب الموبقات وحرمات الله أيضا تشمل دم المسلم وماله وعرضه كما قال صلى الله عليه وسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه متفق عليه وتعظيمه يكون أو إيذاءه أو قذفه أو غيبته أو سرقة أمواله أو غصبها إلى آخر ذلك فكل معظم لحرمات الله فهو على الجادة المستقيمة وسالك للطريق إلى الله عز وجل الحرص على كسب المال من حلال ينبغي أن يحرص المسلم على أن يكون ماله المكتسب حلالا في طريقه إلى الله لا عائقا عن ذلك وقد قال صلى الله عليه وسلم أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يا أيها الرسل كلوا من الطيبات وعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وقال يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك رواه مسلم والكسب الحلال مطلب قد أهمله اليوم كثير من الناس حتى بعض الطيبين والدعاه فلا يبالون إن كان مالهم المكتسب حلالا أم حراما وليعلم أن الحرص على الكسب الحلال ينبغي أن يتوجه إلى أمرين أولا حل عين المال المكتسب فلا يتاجر في المحرمات كالخمور والمخدرات وما يثير الشهوات إلى آخر ذلك ثانيا حل طريقة كسب المال فقد يكون العمل حلالا في ذاته ولكن يدخل عليه الحرام مما يشوبه من تقصير سواء من جهة اتقانه أو من جهة الالتزام بالوقت المحدد للعمل وعدم الانشغال فيه بأمور أخرى لا آخر ذلك منفعة الأعضاء وعبودية الأوقات السالك إلى الله يدرك أن لكل عضو من أعضائه منفعه كما أن لكل وقت من أوقاته عبوديته فهو يعلم أن لله على العبد في كل عضو من أعضائه أمر ونهي وله فيه نعمة عليه فمن أدى أمر الله بشأن هذا العضو واجتنب نهيه فقد أدى شكر نعمته ومن أدى شكر النعمة فقد كمل انتفاعه وتمت لذته بها كما يعلم أن لكل وقت من أوقاته عبودية تقدمه إلى ربه وتقربه منه فإن شغل وقته بتلك العبودية تقدم إلى ربه وإن شغله بهوا أو راحة وبطالة تأخر فالعبد لا يزال في تقدم أو تأخر لا وقوف في الطريق للبتة قال تعالى لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ولم يذكر واقفا في محله إذ لا منزل بين الجنة والنار ولا طريق لسالك إلى غير الدارين فمن لم يتقدم إلى الجنة بالصالحات فقد تأخر إلى النار بالسيئات تزكية النفس أصل التزكية التطهير والإصلاح فتزكية النفس إصلاحها وتطهيرها من كل دنس قال تعالى قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها وليتزكية النفس مقامات ثلاثة فالأول تطهيرها من الكفر والشرك والنفاق والرياء والفسق والبدعة وكل ما يشين النفس والثاني تزكيتها بتحقيق العبودية لله بالتوحيد والإخلاص والصدق والرضا والتسليم وسائر أعمال القلوب الحميدة والثارث تزكية النفس بالتخلق بأخلاق الإسلام والتطول مع الخلق ورأس ذلك التخلق بصفات الله الحسنى التي يجوز الاتصاف بها ويندب إليها البشر كالرحمة والعفو والعدل إلى آخر ذلك وكذا التأسي بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم أما الثقة المفرطة في النفس والثناء عليها والعجب بها وبأفعالها فهو مما يدس النفس ولا يزكيها الرجوع إلى الحق من أهم ما يتصف به سالك الطريق إلى الله الرجوع إلى الحق إذا تبين له أنه كان على خلافه وليكن شعار المرء في ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في وصيته إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في الحكم والقضاء إن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل وهو ما نعبر عنه اليوم بقولنا الرجوع إلى الحق فضيلة ومن أهم ما يعين المرء على التزام الرجوع إلى الحق بعد الاستعانة بالله على ذلك أولا ألا يتعصب لنفسه وأخطائها وأهوائها ويفرح ولا يغضب ممن ينبهه على عيوبه كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحب الناس إلي من رفع إلي عيوبي ثانيا مراجعته المستمرة لأقواله وأعماله ومواقفه والتأكد من موافقتها للشرع ثالثا عدم المجاملة أو المداهنة في قول الحق والتزامه ورد ما يخالفه رابعا محاسبة النفس المستمرة والمبادرة بالتوبة النصوح محاسبة النفس الأصل في محاسبة النفس قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون فإن أبصر المرء زللا تداركه بالإقلاع والتوبة أو رأى تقصيرا أصلحه ببذل الجهد والاستعانة بالله في إتمام عمله والتعبير بقوله ولتنظر نفس ما قدمت لغد له إيحاؤه فكأن المرء ينظر إلى ما أقدمت عليه نفسه من أعمال بكل تفاصيلها هل هي مما ينفع للغد يوم القيامة أم تكون عليه وبالا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن تزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية الخلوة بالنفس لذكر الله ومناجاته مما يعين المرء على سلوك الدرب تخصيص أوقات يخلو فيها بنفسه لمحاسبتها ومناجات ربه وأفضل ثلاثة أوقات لذلك من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس وما قبل المغرب حتى تغرب الشمس وآخر الليل كما قال صلى الله عليه وسلم إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة متفق عليه والغدوة أول النهار والروحة آخر والدلجة آخر الليل التوبة القريبة عن عمل السوء بجهالة قال الله تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما وليست الجهالة هنا هي جهل أن العمل المرتكب ذنب ومعصية وإنما كل من عصى الله فقد عصاه بجهالة وقد أجمع الصحابة على ذلك كما قال المفسرون إذ الجهالة هي الجهل بعظمة من عصى والضلال عن الهدى والغفلة عن عواقب المعصية والتوبة من قريب هي كل توبة قبل تبين الموت وبلوغ الروح الحلقوم والتعبير بلفظ يتوبون من قريب اقتران التوبة بالعمل الصالح ذكر الله العمل الصالح بعد التوبة فقال تعالى ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا فأكد سبحانه صحة التوبة حينئذ بقوله فإنه يتوب إلى الله متابا فالعمل الصالح مع التوبة أو عقبها علامة على صدق توبة التائب وأنها حرية بالقبول وما ذاك الا لان في المعصية عمل وحركة فمن يقلع عنها سيجد فراغا بسبب ترك هذا العمل وهذه الحركة فإن سده بعمل صالح مضاد وحركة ايجابية شغل نفسه بالطاعة وإلا حنت النفس الى المعصية والخطيئة بتأثير هذا الفراغ الذي تحسه بعد الاقلاع عنها الفوز والفلاح ثمرة السلوك إلى الله تعالى اهم وآكد ثمرات السلوك إلى الله تعالى الفوز والفلاح لأن السلوك إلى الله هو بمثابة طريق يسلكه المرء ليصل في نهايته الجنة وهذا هو عين الفوز والفلاح الحقيقي فقد قال الله تعالى فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وقال تعالى اصحاب الجنة هم الفائزون وقال عز وجل فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون الممحصات التمحيص هو تخليص ايمان العبد من خبث الجناية كتمحيص الذهب والفضة من خبثهما ليصبح نقيين صافيين ولا يمكن للعبد دخول الجنة الا بعد هذا التمحيص فان الجنة طيبة لا يدخلها الا طيب ولهذا تقول لهم الملائكة عند دخولها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ويمكن حصر الممحصات التي تكفر عن المسلم خطاياه حتى يدخل الجنة في احد عشر وجها ثلاثة منها بفعل العبد نفسه وثلاثة من الناس له وخمسة من الله عز وجل فالتي من العبد هي التوبة والاستغفار والحسنات الماحية للذنوب والتي من الناس دعاء المؤمنين له وما يصح وصول ثوابه إليه من الأعمال كالصدقة عنه والحج وشفاعة الشافعين وأولهم النبي صلى الله عليه وسلم والتي من الله تعالى المصائب المكفرة للذنوب في الحياة الدنيا وامتحان المرء في البرزخ وعذاب القبر والفزع من أهوال يوم القيامة ودخول النار فترة للتطهير من باق الذنوب إن لم يمحها ما سبق وآخر ذلك مغفرة الله بفضله ورحمته لمن شاء من عباده خلاصة مفاهيم أهل السنة